حلاوة  الاستشهاد في سبيل الله(4)      


د- عمرو بن الجموح: والله إني لأرجو أن استشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة

إن الإيمان يصنع العجائب، ولمن كان عنده شك في حقيقة هذه المقولة فعليه أن يقرأ قصة عمرو بن الجموح فهي غنية بالدلالات، إلا أنني سأقتصر فيها على  النقط التالية:

1- كان لعمرو بن الجموح صَنم يقال له : “مناف” أو “مناة” وهي عادة كل الأشراف والأسياد المحترمين في الجاهلية، وبما أنه من الأسياد فقد كان له صنم خاص به، يدعوه ليلا ونهارا، ويتبرك به في الصباح والمساء، ويذبح له، وكان يعتني به أشد العناية يعطره بأطيب العطور، ويضمِّخه بها بعد غسله وتنظيفه، ولا يُقدم على أمر إلا بعد أن يأذن له حسب زعمه، فهو عبد مملوك لصنمه حقا.

وعندما حل مصعب بن عمير بالمدينة غيَّر حياتها بسرعة فائقة خصوصا قبيلته “بني سَلَمَة” حيث أسلم سيدُها سعد بن معاذ، وصديقه بل صَفيُّه عبد الله بن عمرو بن حرام الذي بايع في العقبة الثانية وأصبح من النقباء، بل وأسلم ولده معاذ بن عمرو وشهد العقبة أيضا، وأسلم كذلك معاذ بن جبل في فتيان كثيرين منهم من شهد العقبة ومنهم من لم يشهدها.

وبما أن عمرو بن الجموح كبيرالسن أو لا، وسيد ثانيا، فإن فتيان بني سلمة وعلى رأسهم ولده معاذ بن عمرو أرادوا أن يقنعوا عمرو بن الجموح بالإسلام بطريقة عملية محسوسة، فماذا فعلوا :

كانوا يعرفون مقدار حبه لصنمه، ولذلك عمدوا ذات ليلة إلى ذلك الصنم فحملوه وطرحوه في بعض حُفَر بني سلمة المُعَدَّة للأزبال، فإذا أصبح بحث عنه للتبرك به، فلم يجده، فخرج يبحث عنه فوجده مرميا في حفر الأزبال، فأخذه وغسله، وطهره، وطيَّبه، ثم وضعه مكانه بعد التبرك به.

فُعل بصنمه هذا الفعل مرارا، وعندما تعب من البحث عنه، والإتيان به، والاعتناء به، كما كان يفعل، جاء بسيف ذات ليلة فعلَّقه عليه، وقال له : إني والله ما أعلم من يصنع بك ما تر ى، فإن كان فيك خير فامْتَنِع، فهذا السيف معك، فلما نام عَدَا عليه الشباب كما كانوا يفعلون، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كَلْبًا ميِّتا فقرنوه به بحَبْلٍ، ثم ألقوه في بئر فيه عِذَرٌ من عِذَر الناس اي أبوالهم وتغوطاتهم. فخرج يبحث عنه فوجده على  تلك الحالة، فلما أبْصَر بعْضُ الشباب والأصدقاء من عمرو شبه اقتناع بأن هذا الصنم لا حَوْل له ولا قوة حتى على الدفاع عن نفسه، كلموه في الإسلام، فأسلم عن اقتناع، وقال:

واللَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَها لَمْ تكُنْ

أَنْتَ وكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ في قَرَنْ(1)

أُفٍّ لِـمَلْـقَاكَ إِلَـهـا مُسْتَدَنْ

الآنَ فَتَّشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الغَبَنْ(2)

الحمدُ لله العليِّ ذي الـمِنَـنْ

الواهبِ الرزَّاق ديَّانِ الدِّيَنْ (3)

من هذه اللحظة دخل عمرو بن الجموح التاريخ من أبوابه الواسعة، فباع نفسه لله كجميع أسياد قومه وشبان قبيلته، وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا صادقا من أعماق قلبه. وعندما بدأ الجهاد، وكانت ثمرته الاولى  الكبيرة بدرا، وحضرت غزوة أحُد اشتاقت نفسه للجهاد بالنفس بعد أن أبلى  البلاء الحسن في الجهاد بالمال لا من أجل الظفر بغنيمة أو نصر أو غرض من الأغراض، ولكن يريد فقط الشهادة، والشهادة وحدها هي الهدف.

ولكن ابناءه الأربعة حاولوا صَدَّه عن الجهاد لعُذر العَرَج الشديد، حيث قالوا له : “إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد” فأتى عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

“إن بَنِيَّ هؤلاء يَمْنعُونني أن أُجَاهِد مَعك، ووالله إني لأَرجُو أن استَشْهد فَأَطَأَ بَعَرْجتي هذه في الجنة” فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :

“أمَّا أنتَ فقدْ وضَعَ الله عنْك الجهاد” ثم قال لبنيه : “وَما علَيْكُمْ أنْ تَدَعُوهُ، لعَلَّ الله عز وجل يرزقهُ الشهاَدَة”.

فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحُدٍ، فقُتِل شهيدا.

قالت امرأته هند بنت عمرو بن حرام عَنْهُ : “كَأَنِّي أنظُر إلَيْهِ قَدْ أخَذَ دَرَقَتَهُ وهو يقول : اللهُمَّ لا تَرُدَّني.

وفي أحد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : “كَأَنِّي أنظُر إلَيْكَ تَمشِي بِرِجْلِكَ هَذهِ صَحيحَة في الجَنَّةِّ(4).

وعندما تفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء في أحد قال : “انْظُرُوا إلي عمرو بْنَ الجَمُوح وعَبْد اللَّه بنِ عَمْرو بْنِ حَرَام فإِنَّهُما كانا مُتَصَافِيَيْنِ في الدُّنْيَا فاجْعَلُوهُمَا في قَبْرٍ واَحِدٍ”(5).

وفي أيام معاوية رضي الله عنه كان السَّيل قد خرب قبرهما، فحُفر عنهما ليُغَيَّرا من مكانهما، فوُجِدَا لم يتغيَّرا، كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما(6) قد جُرحَ فوضَعَ يده على جرحه، فدُفن كذلك، فأميطتْ يدُه عن جروحه، ثم أُرْسلتْ، فرجعتْ كما كانت، وفي رواية أن المجروح هو عبد الله بن عمرو بن حرام وعندما أميطتْ يده عن جرحه انبعثَ الدّم، فرُدَّتْ اليَدُ إلى مكانها فسكَن الدَّم(7).

قال جابر بن عبد الله بن عمرو، فرأيتُ أبي في حُفرته كأنه نائم، وما تغير من حاله قليل ولا كثير، فقيل له : فرأيتَ أكفانه؟ قال : إنما كُفِّن في نَمِرَة خُمِّر بها وجهه، وجُعل على رجله الحَرْمل، فوجدنا النمرة كما هي، والحرمل كما هو، وبين ذلك ستٌّ وأربعون سنة، وحُوِّلا من ذلك المكان إلى مكان آخر، وأخْرِجُوا رِطابًا يَنْثَنُون. إنها كَرَامَة الشهداء(8).

—————————-

1- في قرَن : أي مقروناً بحبْل مع كلب، فهذه نهاية الذّلة والخسة.

2- الغَبَن : الغَبْن بالسكون يكون في البيع، والغَبَن بالتحريك يكون في الرّأي، أي فتشناك فوجدناك سيِّئ الرأي والتدبير، أما إلهاً مُسْتدن فمعناه : إلهٌ ذليلا لا تستحق المصاحبة ولا الملاقاة.

3- الدِّين : أي أن الله عز وجل هو دَيَّان الأدْيان، فجمع ديناً على دِينٍ، كما تُجمع نُحول على نِحَلٍ، ومِلّة على مِلَلٍ.

4- مسند الإمام أحمد موسوعة عظماء حول الرسول 1407/2.

5- المرجع السابق.

6- هو عبد الله بن عمرو بن حرام.

7- موسوعة عظماء الرسول 1405/2، قال صلى الله عليه وسلم أثناء دفن الشهداء : ((زملوهم بجراحهم، فإني أنا الشهيد عليهم، ما من مسلم يكْلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يسيل دماً، اللون لون الزعفران، والريح ريح المسلك)) الطبقات الكبرى 562/3، انظر موسوعة عظماء حول الرسول.

8- انظر موسوعة عظماء حول الرسول وأصحـــــاب الرسول 489/1.

 ذ. المفضل فلواتي رحمه الله تعالى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>