حلاوة الاقتناع بالدين(3)


ج- ثمامة بْنُ أَثَال :“واللَّهِ مَا كانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضُ إلَيَّ من وَجْهِكَ، فَقَد أصبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ. وواللَّهِ مَا كَانَ من دِينٍ أبغض إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ”

خرج ثُمامَةُ -رجل من بني حنيفة- من أرض اليمامة موليا وجهه شطر مكة المكرمة يريد الطواف حول الكعبة، والذبح لأصنامها، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم

يُرسِلُ سَرِيَّةً إلى أرض نجد فيأتُوا به أسيرا. فربطوه بسارية من سواري مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : “ماذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟”

قال ثمامة : عندي خيرٌ، إن تقْتُلْنِي تقتُلْ ذا دَمٍ(1)، وإن تُنعِمْ على شاكرٍ، وإن كنتَ تُريدُ المال فَسَلْ منْهُ ما شِئْتَ فتركَه حتىكان الغد.

ثم قال له : “ماعِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟”

قال ثمامة : قد قُلتُ لك : “إنْ تَقْتُلْ تقْتُلْ ذَا دَمٍ، … وإن تُنعم تُنعم على شاكر…”

فتركه حتى كا ن اليوم الثالث، فقال له : “ما عندك يا ثمامة”

فقال ثمامة : “عِنْدي ما قُلتُ لَك”

فقال صلى الله عليه وسلم: “أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ”فانطلق إلى  نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال “أَشْهَدُ أنْ لاَإِلَهَ إلاَّ الله وأشهدُ أن محمدا رسول الله، يا محمدُ، والله ما كَانَ علَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أبْغَضَ إلَيَّ من وَجْهك، فقد أصبحَ وجْهُك أحَبَّ الوجوهِ إليَّ، والله ما كان من دين أبغضَ إليَّ من دينك، فاصبحَ دينُك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان من بلدٍ أبغَضَ إليَّ من بَلَدِكَ، فأَصْبَحَ بلَدُكَ أحَبَّ البلادِ إِلَيَّ. وإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُريدُ العُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟”.

فبشره رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأَمَره أن يعتمر.

وفي رواية : فاغتسل وصلى  ركعتين، فقال صلى الله عليه وسلم “لَقَدْ حَسُنَ إِسْلاَمُ صَاحِبِكُمْ”(2).

فلما قدم مكة ـ معتمرا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال له قائل : صَبَوْتَ؟ قال :لا والله، ولكني اسلمتُ مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حِنطَة -قمح- حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم(3).

جاهَدَ ثمامة جهادا محمودا، وخصوصا في الجهاد الاقتصادي حيث أرغم قريشا أن يكتبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتُبَ إلى ثمامة ليَسْمَح لهم بحَمْل تجارة الطعام من بلده إلى بلدهم، وإلا هلكوا، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعندما ارتدَّتْ بنو حنيفة واتبعوا مسيلمة الكذاب وقف كالأسد الثائر في وجه هذا الكذاب وقال لقومه : “إياكم وهذا الأمر المظلم الذي لا نور فيه، إنهوالله لشقاء كتبه الله عز وجل على من أخذ به منكم، وبلاء على من لم يأخذ به”.

“إنه لا يجتمع نبيان في وقت واحد، وإن محمدا رسول الله لا نبي بعده، ولا نبي يُشْرك معه” ثم قال : {حَم تَنْزيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَديدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ}(غافر: 1- 3)

أين كلام الله هذا من قول مسيلمة : “يَا ضِفْدَعُ نِقِّي مَا تَنِقِّينَ، لا الشَّرَابَ تَمْنَعِينَ، وَلاَ المَاءَ تُكَدِّرينَ”(4).

وهكذا ظل ثابتا مجاهدا حتى لقي ربه راضيا عن دينه مرضيا عند ربه عز وجل لأنه دخل الإسلام مقتنعا فمات مطمئنا خالدا بين العباد الصالحين. يَرُدُّ بسلوكه وجهاده وحبه لدينه على من يقول : إن الإسلام انتشر بالسيف(5).

>  ذ. المفضل فلواتي رحمه الله تعالى

——

1- تقتل ذادم : أي إذا قتلتني فعندي عشيرة وأتباع سيأخذون بدمي.

2- حسُن إسلام صاحبكم : لأن الصلاة هي دليل إحسان الإسلام، ولربما كانت الصلاة هي التي رغبته في الإسلام، فهو في خلال الثلاثة أيام كان يشاهد كيف يصلي المسلمون صفوفا متراصة قانتين وراء إمام المرسلين القانت،فتلقى درساً عمليا في السكون لله تعالى، والانضباط للعبادة الرابطة بين العبد وربه، بالاضافة إلى حُسن معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم

والمسلمين له، إذ لم يهينوه، ولا جرحوا كبرياءه، ولا أرغموه على شيء.

3- لقد عرف ثمامة قديما قيمة الاقتصاد في إرغام الكفر على إحناء الرأس، ولقد جرب العرب أثر قطع البترول عن الأعداء في سنة 1973، ولكنهم مع الأسف لم يستخدموا سلاحه بعد ذلك لتمزق شملهم، روى حديث المقاطعة البخاري ومسلم، أي أن سلاح المقاطعة معروف عند المسلمين، ولكن لاحياة لمن تنادي.

4- انظر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم

لمحمود المصري 86/2- 89، وانظر البخاري كتاب المغازي، ومسلم كتابالجهاد والسير.

5- إن فَنَّ صناعة الحدث بطريق مباشر لاستثماره في الدعاية أو تحقيق غرض ما، أو الأمْرَ بتصنيع حَدَثٍ لتحقيق أهداف قريبة المدى أو بعيدة المدى شيء معمولٌ به عند المخططين الكبار للسياسة العالمية، فهم يعتمدون تصنيع عملاء لإخراجهم في الوقت المناسب لإسقاط نظام مغضوب عليه، وقد يشعلون حرباً محدودة أو اقليمية أو عالمية للوصول إلى ما يريدون، وقد يغتالون أشخاصا..

وهناك فَنٌّ آخر وهو التدخُّل في أحداث الآخرين لتحويلها عن اتجاهها  وجَعْلها تخدُم مصلحة المُتَدَخِّلِ فيها، وهذا ما ينبغي أن يفهمه الدّعاة، بحيث يتعلمون كيف يستثمرون الأحداث التي يصنعُها غيرهم لتسخيرها لمصلحة الدّعوة والإسلام.

وفي قصة ثمامة كان استثمار الحدث على الشكل التالي :

1) سؤاله عَمَّا عنده لمعرفة مستوى آفاقه الفكرية والطموحية واستكشاف معدنه وفطرته ((ماذا عندك يا ثمامة؟!)) وتكرر السؤال نفسه، وتكرر الجواب نفسه، وأبرز ما في الجواب هو ((إن تُنعِمْ تُنْعِم على شاكِرٍ)) جواب يدل على أن هذا الرجل من الطّينة التي تعرف لأصحاب الفضل فضلهم، فهو وإن لم يُسْلم فسوف يحفظ هذه المِنَّة.

2) وُفِّرتْ له فرصة الاطلاع على عبادة المسلمين وخصوصا الإقبال على الصلاة بخشوع.

3) وُفِّرتْ له فرصة الاطلاع على قيادة فريدة، وعلى التعامل مع هذه القيادة بأدب وهيبة ومحبة واحترام وكرامة.

4) وفِّرت فرصة معرفة إكرام الأسرى في شخصه، من إطعام، وعدم إهانة أو تجريح أو إهانة، بل الكل يغمرُه بالإحسان والأدب الرفيع.

5) وفِّرت له فرصة الاطلاع على هدف الرسول صلى الله عليه وسلم

والمسلمين، فهم ليسوا أصحاب دنيا، وليسوا طلاب حُكم أو مُلك، خصوصاً وأنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم

يزهد تمام الزّهد فيما يعرضه عليه من الأموال، لم يفاتِحْه في القدر الذي ينبغي أن يُدفع.. فالمال مُعرضٌ عنه، مزهود فيه، وهذا بِحَدِّ ذاتِه عظّم قدْرَ الرسول والدين والمسلمين في عينيْه.

إنها دروس كثيرة ينبغي أن تُفقَه لتبليغ الرسالة بالعمل المؤثِّر في الوقت المناسب لإقناع الناس بأن هذا الدين خيرٌ له، ومن حُرِم هذا الخير حُرِم كلَّ شيء.

لزيادة التعمق والتفقه انظر مقال (صناعة الحدث) لمحمد بن شاكر الشريف في قضايا دعوية، بمجلة البيان عدد 210 أبريل 2005.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>