خواطر في تدبر القرآن الكريم (4)


23 – ما أعظم الوصف الذي وصف الله به نبيه إبراهيم في قوله:
إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين . شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم . وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (النحل: 120-122).
إن المعهود إطلاق لفظ الأمة على الجماعة أو الطائفة من الناس، فلماذا استحق إبراهيم هذا الوصف، وهو فرد واحد؟ إن الجواب نجده في سيرته وحياته الحافلة بالتضحية ومجاهدة الشرك والدعوة إلى توحيد الله و رفع قواعد العبودية لله، لقد كان عليه السلام ذلك الرجل الجامع لخصال الخير، الداعي إلى الله وسط بحر من ظلمات الجهالة والوثنية، إماما يقتدى به ويؤتم بهديه.
وفي الأثر أن عبد الله بن مسعود قال يوما: إن معاذا كان أمة قانتا لله، فلما استكثروا عليه أن يطلق وصفا ذكره الله عن نبيه إبراهيم على معاذ ، قال: إن الأُمَّةَ الذي يعَُلِّمُ الناس الخير، وإن القانت هو المطيع.
فهل يعجز أصحاب الهمم العالية والنفوس الأبية الطامحة إلى مراتب السابقين المقربين أن تكون لهم أسوة فيمن نزل الوحي باتباع ملته: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (النحل: 123).
تعليم الناس الخير، وإحياء رسومه وإقامة معالمه بينهم سبيل لإدراك مرتبة (الإمامة) التي هي أولى درجات (الفرد الأمة).
24 – حصانة عظيمة لعباد الله تعالىالمخْلَصِين في حفظهم وعصمتهم من كيد الشيطان واستيلائه عليهم، فمن المعلوم أن إبليس، عياذا بالله منه، قد أقسم أن يزين لبني آدم ويغويهم ويحتنكهم، لكن فضل الله أعظم وأوسع، قال تعالى ردا على إبليس:
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (الإسراء:65).
فما أعظمها من حصانة ربانية لعباد الله الصادقين وتأمِينٍ لهم من استيلاء الشيطان على قلوبهم وأرواحهم بما يمنع توبتهم وأوبتهم. وقد تقدم نظير لهذا في قول الله : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (النحل: 100-99).
إن الإيمان بالله والتوكل عليه حصن حصين من سلطان الباطل، وسبيل لحفظ البصيرة الحية كما قرر ذلك ربنا وهو أحكم الحاكمين حيث قال : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (الأعراف: 201) .
كثر والله خير ربنا وطاب..
25 – حينما هرب أصحاب الكهف بدينهم من بطش الوثنية والشرك وآووا إلى الكهف طلبا لرحمة الله وسائلين مراشد الأمور، قال الحق سبحانه وتعالى في شأنهم:
إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا. فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (الكهف: 10 – 11) .
وقد ظلوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا على ما بينه القرآن، فانظر كيف قدر الله عليهم أن يبقوا هذه المدة الطويلة قبل أن يقفوا على تغير الأحوال وظهور الإيمان على الشرك والطغيان، ﻷن كل شيء عنده سبحانه بكتاب وأجل مسمى، بما في ذلك تنزل النصر والتأييد لعباده المؤمنين.
ما فَقُهَ في سنن الله شيئا من استعجل في وقتٍ ما لم يأذن الله بظهوره.
26 – ما أعظمها من فرية، حين ينسب طائفة من الناس لرب العالمين ما تهتز له اﻷكوان والمخلوقات كلها.
اسمع إلى وقع هذه اﻵيات وما تحمله من اﻻستنكار الشديد على من ادعوا لله الولد، قال سبحانه:
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إﻻ آت الرحمن عبدا (مريم: 94-89).
وكيف ﻻ توشك السماوات والأرض أن تنشق والجبال أن تندك من هول قول منكر شنيع وهي التي تعرف عظمة الله وتخضع له بالسجود كما أخبر الحق سبحانه و تعالى.
بل إن هذه اﻷكوان وما فيها دائمة التسبيح لخالقها العظيم كما بين تعالى في قوله: يسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (الإسراء: 44).
ما أطوع هذه الأكوان لخالقها، وما أظلم وأجهل كثيرا من الناس، إذ كان نفر من الجن أحسن قوﻻ منهم، فمعهم نردد: وإنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة وﻻ ولدا (الجن: 3).
يتبع

أنور الحمدوني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>