التربية بالقدوة والـمثال في سيرة رسول الله في الـمرحلة الـمكية


إنه من الممكن بلا ريب تأليف كتاب في التربية، ولعله من الممكن كذلك وضع منهج تربوي متكامل ورسم خطط محكمة في ذلك، أو إطالة النفس في الحديث عن القواعد النظرية لذلك المنهج الأخلاقي التربوي.
لكن ذلك لا يغني عن واقع تربوي يمثله إنسان مربّ يحقق في سلوكه وطريقته وأسلوبه ومنهجه كل الأسس والأساليب والأهداف التي يراد إقامة المنهج التربوي عليها، فلا بد أن يكون ذلك المنهج حيًا متحركًا في شخص، حتى يكون أبلغ في تأثيره.
لذلك لم ينـزل الله تعالى على الناس كتبًا وأوامر مجردة فقط، بل كان مع ذلك إرسال الرسل والأنبياء من البشر ليحققوا المنهج التربوي بشكل عملي، وليكونوا أنموذجًا حيًا ناطقًا بجمال هذا المنهج وكماله عمليًا وواقعيًا، مما يزيده مصداقية وتأثيرًا.
وقد يكون هذا الاقتداء مباشرًا بأن يكون من يمثل الأسوة والقدوة شخصًا حيًا يعيش بين أتباعه ماثلاً أمام أعينهم كما كان حال النبي مع أصحابه الكرام، وقد يكون غير مباشر كأن يكون القدوة شخصية تُحكى سيرتها وتُروى قصتها.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب : 21).
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (الممتحنة : 4).
وقد تحققت في المنهج النبوي التربية بالقدوة بالشكل المباشر، وغير المباشر كذلك:
فقد كان رسول الله يعيش بين أصحابه يوجههم بالقول والعمل، وكان الصحابة الكرام ينظرون أفعاله ويترقبون تصرفاته، ويعدون حركاته وسكناته، فإذا أمرهم بشيء كان أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن أمر كان أبعدهم عنه.
لم يكن النبي ملكًا منعزلاً في قصر بعيد، ولا رئيسًا ينظر لأتباعه من برج مشيد، ولا قائدًا يلبس الحرير ويلقي بجنوده في العذاب الشديد، بل كان جزءًا من المؤمنين، يتحمل معهم ما يتحملون، يجوع كما يجوعون، ويتأذى كما يتأذون، ويحمل من الهموم والمشاق والبلاء فوق ما يحملون، ويصبر على ما لا يصبر عليه غيره، فإن لاذ به أحد أتباعه وجد عنده ما يسري عنه ويرفع عنه جزءًا مما يعانيه.
قال عتبة بن غزوان: “لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى تقرحت أشداقنا”(1).
وعن عبد الله بن مسعود: “أن النبي كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس إذا قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم –وهو عقبة بن أبي معيط- فجاء به فنظر حتى سجد النبي ووضعه على ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغير شيئًا لو كان لي منعة.
قال: “فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره”(2).
وعن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال:” أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم”(3).
وكذلك كان القصص القرآني يقدم للمؤمنين النماذج والقدوات في سير الأنبياء وتابعيهم والصالحين من السابقين كقصص موسى وهارون وهود وصالح وإبراهيم ولوط، وقصة أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود وكذلك كان النبي يحكي لهم تلك القصص ليأخذوا منها العظات والعبر وليقتدوا بهؤلاء الأنبياء والمرسلين والحواريين والصالحين.
———–
(1) أخرجه مسلم (4/2278).
(2) أخرجه البخاري (1/94)، ومسلم (3/1418).
( 3) أخرجه البخاري (3/1345)
< موقع شبكة الألوكة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>