تـفـسـيـر الـقــرآن بـالـسـنـة الـنـبـويـة 2/1


بعد الحديث عن المصدر الأول، ألا وهو تفسير القرآن بالقرآن الذي نشر بالمحجة عدد 444. سأنتقل إلى الحديث عن المصدر الذي يليه.
المصدر الثاني: تفسير القرآن بالسنة النبوية:
وأقصد هنا، أحاديث الرسول التي فسر بها بعض الآيات القرآنية، لا الأحاديث التي لم ترد مورد التفسير، وإنما اجتهد فيها العلماء وجعلوها موضعا لذلك (1). وبعد هذا أنتقل إلى تعريف هذا المنهج في التفسير.

المطلب الأول: تعريف تفسير القرآن بالسنة النبوية وأنواعه:
باختصار يمكن تعريف هذا المنهج، بأنه عبارة عن: «تفسير الآية القرآنية بالاستناد إلى ما صدر عن النبي من أقوال وأفعال وإقرارات… بيانا للقرآن الكريم، وشرحا لآياته، في دائرة ما أطلعه الله تعالى عليه وأذن له في تبليغه»(2). «فالتفسير في حق النبي هو بيان المعنى المراد الحقيقي لكتاب الله سبحانه»(3).
فكل ما صح من أحاديث عن رسول الله مما هو بيان للقرآن، يندرج تحت هذا النوع من التفسير. «وبيان الرسول للقرآن متعدد ومتنوع، وطريقته في ذلك تظل… باستمرار مطبوعة في شكلها ومضمونها بالطابع البياني»(4)، وهذا البيان أنواع منها:
النوع الأول: «… أن يكون في سنته تفسير مباشر للقرآن، وذلك هو التفسير النبوي الذي يكون فيه القصد إلى بيان معنى لفظة أو جملة، أو بيان مجمل، أو بيان غيبي لا يظهر لهم كيفيته، وقد تكون منه ابتداء، أو إثر سؤال أو استشكال من الصحابة…»(5) ومن أمثلة ذلك:
أنه يذكر الآية ثم يفسرها، مثل ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: «إن رسول الله قال: قيل لبني إسرائيل:﴿ وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم (البقرة:57). فدخلوا يزحفون على أستاهم (أدبارهم) فبدلوا وقالوا: حطة، حبة في شعرة»(6).
ومنها تفسيره الظلم بالشرك، والقوة بالرمي، والأمثلة كثيرة، وهي مبثوثة في كتب التفسير.
«وفي هذا النوع يكون المفسرون سواء في التفسير بهذا التفسير النبوي…»(7).
النوع الثاني: «… أن يكون في سنته ما يوضح القرآن، وإن لم يكن من التفسير المباشر، ولهذا صور متعددة؛ كأن يرد المعنى الذي في الآية في الحديث، أو ترد اللفظة التي في الآية في الحديث، وهي بينة فيه، أو يرد في السنة تفاصيل أمر مجمل في القرآن، أو أن يرد فيها الإشارة إلى موضوع من موضوعات القرآن، وما إلى ذلك مما لا يكون القصد منه التفسير المباشر، بل يرد الحديث عاريا من الآية»(8).
النوع الثالث: أن يرد في الحديث إشارة إلى المعنى الذي في الآية، ومن ذلك ما ذكره ابن كثير عند قوله تعالى:﴿ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (البقرة:81). قال: (بلى من كسب سيئة)؛ أي عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط به كفره، فما له من حسنة. وفي رواية عن ابن عباس قال: الشرك. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه. وقال الحسن أيضا والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر. وقال ابن جريج عن مجاهد: (وأحاطت به خطيئاته)، قال: بقلبه. وقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن: (وأحاطت به خطيئاته)، قالوا أحاط به شركه. وقال الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم: (وأحاطت به خطيئاته)، قال: الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب. وعن السدي وأبي رزين نحوه، وقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما وقتادة والربيع بن أنس: (وأحاطت به خطيئاته)، الموجبة الكبيرة.
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم.
ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود : أن رسول الله قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه».
وإن رسول الله ضرب لهم مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، فأنضجوا ما قذفوا فيها»(9).
وهذا النوع مما يدخله الاجتهاد، وهو يتفاوت في الوضوح بالاستدلال بالسنة من مثال إلى غيره، فقد يكون بعضها واضحا وضوحا جليا بحيث لا يقع نزاع في أن هذا الحديث يصلح تفسيرا للآية، وبعضها قد يغمض ويقع فيه النزاع(10).
النوع الرابع: البيان النبوي: أن يسأله الصحابة عن المعنى المراد فيجيبهم. ومن أمثلته ما رواه الترمذي عن أبي الدرداء في سؤاله عن البشرى في قوله تعالى:﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (يونس:64). جاء في حديث أبي الدرداء : أن رجلا من مصر سأل عن هذه الآية، فقال له أبو الدرداء: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله عنها فقال: «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، فهي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له»(11). وبالإضافة إلى هذه الطرق، هناك طرق أخرى للبيان النبوي ذكرها الدكتور أحمد مناف حسن القيسي، وحصرها في ستة وجوه…(12)
وهناك من جعل تفسير القرآن بالسنة على قسمين:
- التفسير النظري: وهو المتمثل في الأحاديث القولية المرفوعة للرسول ، في تفسير بعض آيات القرآن… وهذا الجانب النظري ضروري في تفسير القرآن… ومن تجاوزه لن يفهم القرآن حق الفهم، ولن يحسن تفسيره.
- التفسير العملي: ونعني به تطبيق الرسول لأحكام القرآن، وتنفيده لأوامره، وتخلقه بأخلاقه، وحركته به، ودعوته إليه، وجهاده لأعدائه، وبعبارة أخرى: سيرة الرسول هي تفسير عملي للقرآن، والسيرة النبوية هي أول وأنجح تفسير عملي للقرآن…»(13).
وهناك أيضا من تحدث عن التفسير بالسنة، والتفسير النبوي، وما يثيره ذلك من إشكالات، مثل مساعد بن سليمان الطيار، هذا الأخير، وبعد أن بين بأن مصطلح «التفسير بالسنة» عندما يطلق، فإنه يرد فيه مصطلحان: «التفسير بالسنة» و «التفسير النبوي»، وذكر بعض الإشكالات التي يطرحها هذا الخلط قائلا: «إن بعض من بحث في هذا الموضوع لم يبين نوع السنة التي تكون تفسيرا للقرآن، بل إن بعضهم أدرج تحت هذا الموضوع زيادة السنة على القرآن، مع أنه لا علاقة لذلك بالبيان عن القرآن»(14). فهناك فرق بين «التفسير بالسنة» و«التفسير النبوي»؛ إذ أن المفهوم الأول يحمل في طياته معنى الاجتهاد؛ لأن المفسر فيه يجتهد فيحمل الآية على الحديث، ويعتبره تفسيرا لها. على خلاف «التفسير النبوي» الذي يحمل دلالة مفادها: أن النبي فسر الآية بهذا الحديث. وفي هذا يقول مساعد بن سليمان الطيار: «ويمكن القول بأن كل إفادة يستفيدها المفسر من السنة في بيان القرآن وتفسيره، فإنها من التفسير بالسنة، وهذه الإفادة من عمل المفسر واجتهاده في الغالب.
أما التفسير النبوي، فيلاحظ فيه إضافته إلى النبي …
وبهذا يتضح أن مصطلح «التفسير بالسنة» أعم وأشمل من «التفسير النبوي»(15)
فالتفسير النبوي إذن هو تفسير للقرآن من قبل الرسول ، أما التفسير بالسنة، فهو تفسير غير الرسول يكون من طرف صحابي أو تابعي، فعندما يعمد أحدهم إلى كلام الرسول الذي لم يورده مورد التفسير فيجعله المجتهد أو المفسر تفسيرا للآية، فمثل هذا ينسب إلى الذي قال به، لا إلى الرسول .
يتبع
ذ. العربي عبد الجليل
————
1 – تفصيل ذلك، والفرق بين «التفسير بالسنة» و«التفسير النبوي»، ينظر مجلة البيان، عدد: 96، السنة العاشرة، 1416ﻫ/1996م. مقال لمساعد بن سليمان الطيار تحت عنوان: «التفسير بالسنة»، ص: 20- 21.
2 – الوجيز في المدخل إلى دراسة تفسير القرآن، محمد يعقوبي خبيزة، ص: 241.
3 – منهج أهل السنة في تفسير القرآن الكريم، صبري المتولي، ص: 49.ن مكتبة زهراء الشرف، الطبعة الثانية، 2002م.
4 – دراسة في أنواع التفسير القرآني من البعثة النبوية إلى زمن ابن جرير الطبري، التفسيرات النصية، محمد عبادي، إشراف، التهامي الراجي الهاشمي، ج: 1، ص: 160. رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، (وهي مرقونة بخزانة مؤسسة دار الحديث الحسنية، الرباط، تحت رقم: ر 70).
5 – شرح مقدمة في أصول التفسير، ص: 280.
6 – صحيح البخاري مع كشف المشكل، تحقيق: مصطفى الذهبي، 4479، كتاب التفسير، باب: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ج: 3، 309.
7 – شرح مقدمة في أصول التفسير، ص: 281.
8 – شرح مقدمة في أصول التفسير، ص: 282.
9 – تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، مجلد: 1، ج: 1، ص: 168.
10 – شرح مقدمة في أصول التفسير، ص: 283.
11 – رواه الترمذي في الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق الدكتور مصطفى محمد حسين الذهبي، برقم:3106، ج: 1، ص: 131، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى: 1419ﻫ/1999م. وينظر جامع الأصول في أحاديث الرسول ، للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري، تحقيق، أيمن صالح شعبان، ج: 2، ص: 121- 122، برقم: 665- 666،
12 – تفصيل ذلك ينظر: أثر عبد الله بن عمر في التفسير، أحمد مناف حسن القيسي، صفحات: 40- 41- 42- 43- 44، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2006م/1427ﻫ.
13 – تعريف الدارسين بمناهج المفسرين، ص: 195-196.
14 – مجلة البيان، عدد: 96، السنة العاشرة، 1416ﻫ/1996م. مقال لمساعد بن سليمان الطيار تحت عنوان: «التفسير بالسنة»، ص: 21.
15 – نفس المجلة، العدد نفسه، والصفحة نفسها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>