مواقف وأحوال


 إن عند الله أسواطا كثيرة: فلا تيأسوا أيها الصالحون … ولا تفرحوا أيها الظالمون

ليس جديدا ولا غريبا أن يركن بعض الناس إلى قوتهم، ويتمادوا في طغيانهم وجبروتهم، فإن القوة إذا لم تهذب بمراقبة الله أنتجت الطغيان، والطغيان ينتج الفساد، فإذا كثر الظلم، وانتشر الفساد، فإن الله تعالى لا يتخلى عن أوليائه، ولا يسلم هذا الكون للمفسدين لإفساده، وإنما يصب ربك على البغاة المفسدين، والطغاة المتجبرين أسواط عذابه صبا، ويأخذهم بشديد عقابه أخذا، ولقد ذكر الله أحوال أقوى الجبارين، وأخبار أعتى المفسدين في الزمن القديم، مبينا قوتهم وطغيانهم وإفسادهم وعاقبة أمرهم فقال {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم

يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد}.

فكل من عاد وثمود وفرعون طغوا وعتوا وتجبروا وتجاوزوا القدر في ظلم العباد،  ونشروا في الأرض الأذى وأكثروا فيها الفساد، “وليس وراء الطغيان إلا الفساد، فالطغيان يفسد الطاغية، ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء، كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة. ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف، المعمر الباني، إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال..

إنه يجعل الطاغية أسير هواه، لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيَفسد هو أول من يَفسد، ويتخذ له مكانا في الأرض غير مكان العبد المستخلف، وكذلك قال فرعون.. “أنا ربكم الأعلى” عند ما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد.

ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية، والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن، وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة، وميدانا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك، وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد..

ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة، لأنها خطر على الطغاة والطغيان، فلا بد من تزييف للقيم، وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة، وتراها مقبولة مستساغة.. وهو فساد أي فساد.

فلما أكثروا في الأرض الفساد، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد:

{فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد}..

فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم. فلما أن كثر الفساد وزاد صب عليهم سوط عذاب، وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب. حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.

ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان.

ومن قوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} تفيض طمأنينة خاصة. فربك هناك. راصد لا يفوته شيء. مراقب لا يند عنه شيء. فليطمئن بال المؤمن، ولينم ملء جفونه. فإن ربه هناك! .. بالمرصاد.. للطغيان والشر والفساد!……

{إن ربك لبالمرصاد}.. يرى ويحسب ويحاسب ويجازي، وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ”(1) وعنده أسواط يقصم بها ظهور المفسدين، وينصر بها عباده المظلومين، فعن عمرو بن عبيد قال: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية، قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها(2).

وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه الآية، {إن ربك لبالمرصاد} فقال: إن ربك لبالمرصاد يا أبا جعفر! قال الزمخشري: عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله دره، أي أسد فراس كان بين يديه؟ يدق الظلمة بإنكاره، ويقمع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه!(3).

————-

1- في ظلال القرآن // 2- تفسير القرطبي20/50

3- تفسير القرطبي20/51 وانظر الكشاف 4/817

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *