كلمة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء


كلمة الدكتور أحمد عبادي

الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

إن كل فكر منهاجي وهو ينشئ نسيجه الخاص به يضطر إلى استخدام اللغة المتداولة، والتي يستعملها المحيط للتعبير والتداول إلا أنها دلالات تكون -قبل أن تحط في ساح هذا الفكر- مضمخة بالمضامين المعرفية الناتجة عن السياق الذي نشأت في نطاقه، وكذلك الألفاظ والمفردات اللغوية، فإنها تكون ذات ارتباطات بالسياقات الاجتماعية والتاريخية والمعاشية عامة، التي شهدت تشكلها.

ودلالات ألفاظ القرآن الكريم لا تشذّ عن هذا الأصل، إذ هناك فارق بين الاسخدام الإلهي للغة والاستخدام البشري للغة نفسها، فاللفظة المختارة من لدنه سبحانه -الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحاط بالكلام كله علماً- تضرب بجذورها في الإحاطة، نظراً للنظم الذي أخضعها له سبحانه، فالعمد إليها لتبيانها دون مراعاة هذا في انحباس من حدود الأفق المعرفي للإنسان القاصر يظلمها.

ذلك أن الاستخدام الإلهي للمفردة اللغوية يرتقي بدلالاتها إلى مستوى المصطلح المحكم الدقيق، خلافاً للكسب البلاغي البشري عامة، ويعطيها الطابع المرجعي الذي يحكم دلالاتها حيثما وجدت في القرآن، فإذا تم التعرف على دلالة مفردة لغوية قرآنية بالآليات المنهجية المناسبة، وفي مقدمتها التعديل التعاضدي المقارن بين كل الاستخدامات في القرآن، فإنه يتم الانفصال بالدلالة الحاكمة التي تفهم اللفظة بحسبها في القرآن كله.

وإن ترابط الألفاظ في القرآن بعلم الله وإحاطته يجعلها تند عن الزمان والمكان فتصبح غير نهائية المعاني التي يمكن أن تندهق منها. فألفاظ القرآن رغم عربيتها {قرءاناَ عربيا غير ذي عوج}(الزمر : 28) {إنا أنزلناه قرآنا عربيا}(يوسف : 2) وقال : {بلسان عربي مبين}(الشعراء : 195) وقال : {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}(النحل : 103)، ورغم كون اللغة العربية درجا أساسا لفهمها، لا تكفي العربية -وحدها- لتحديد معانيها. فاللغة القرآنية مندمجة اندماجا كليا بالرؤية الشمولية للحياة والأحياء، وللمصدر والمآل، التي يستدرجها بين آياته.

وجبت في هذا المقام الإشارة إلى تميز عربية القرآن واستعلائها عن القوالب المستوعبة المقننة للدارج من كلام العرب في شعرها ونثرها وأمثالها، ولذلك يقول سبحانه مظهرا هذا الاستعلاء والتأبي : {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ياتوا بمثل هذا القرآن لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}(الإسراء : 88) ويقول سبحانه : {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}(البقرة: 22-23).

ولا يفوتنا بهذا الصدد أن ننوه بالجهود الوضيئة التي بذلها مفسرونا، في مجال الكشف عن مدلولات ألفاظ القرآن الكريم، ولاسيما ضمن إطاراتها الموضعية. كما لا يفوتنا التنويه بجهود الفقهاء، رغم اقتصاره على ما يتصل بالاختصاص، وجهدهم كجهد المفسرين، يظل في أغلبه غير مجموع ولا موثق ولا مرتب الترتيب التاريخي الذي ينظم وييسر الاستفادة منه في الدرس الدلالي للمفاهيم القرآنية. كما أن جهد المعجميين قمين بكل إشادة، ولاسيما أصحاب كتب غريب القرآن، وفي مقدمتهم فخرهم وإمامهم : الراغب الأصفهاني المتوفي في حدود (425هـ) ويلحق بما تقدم جهود أهمها جهد أصحاب “الوجوه والنظائر”، و”كتب الأساليب”…

غير أن هذه الجهود كلها -على وجاهتها وأهميتها- تظل مفتقرة إلى الشروط التي تجعل من نتائجها مفاتيح للفهم الكلي النسقي للقرآن الكريم، لغيبة الإحصاء في دراسة مفاهيم الألفاظ، وتجميعها وتوثيقها وتصنيفها معجميا وتاريخيا تصنيفا مفتوحا قابلا للتحيين مع بروز كل جديد قيل في شرح كل لفظ عبر القرون.

وجب أن ننصّ هنا على أن التعامل الفعلي -بخصوص الكشف عن مدلولات المفاهيم- يوقفنا على حقيقة هامة، وهي أن كثيرا من المضامين التي ننقب عنها في هذا المجال، تكون مبثوثة في السياقات العامة للآيات والبصائر، دون أن تحملها المصطلحات التي نرى أنها ذات الصلة بالمفاهيم. وفي هذه الحالات لا يتيسر الكشف إلا من خلال الاستقراء والاستدلال المستنطقين للآيات والبصائر، على شاكلة يُتأكد معها تغطية كل السياقات المحتملة بالبحث والاستنطاق.

ويمكن بهذا الصدد التنبيه إلى مستويين محوريين :

1- المستوي المفاهيمي:

ويتجلى في بعدين أساسين :

الأول : البعد المتمثل في الدراسة المصطلحية، بمختلف خطواتها، والمتمثلة في :

أ- إحصاء لجميع مشتقات الجذر اللغوي.

ب- ثم تصنيف النصوص المحصاة بعد استخلاصها، حسب الأهم فالأهم من المشتقات؛

ت- دراسة معاني المشتقات في المعاجم اللغوية؛

ث- ثم تأتي مرحلة التدبر والتفهم والتبين لكل مشتق في كل النصوص التي ورد فيها؛

ج- تصنيف نتائج التفهم؛

وهي خطوات متلاحمة متكاملة، تحتاط أولاها لأخراها وتمهد لها، وتصحح اللاحقة أخطاء السابقة، وتمحص نتائجها.

الثاني : البعد الموضوعي المضموني الذي تكون فيه إضاءات للمعنى قيد البحث، وذلك من جوانب قد لا تتصل بتمظهرات جذور المصطلح المختلفة.

وبهذا الشكل يتم الانفصال بمدلولات المفاهيم، إذ ضبط المفاهيم المكونة لنسق القرآن المجيد هو الذي يمكن من الاهتداء، فمن يتمكن من المفاهيم في نسقها القرآني فقد تمكن من الإبصار.

2- المستوى المرجعي النسقي (بناء الأطر المرجعية والأنساق القياسية)

والمراد بالأطر المرجعية أو الأنساق القياسية : التضافرات المفاهيمية التي تُنتج لنا أنساقا تمثلية مجالية تكون بالنسبة للتصور الكلي الكامن في القرآن المجيد بمثابة المركبات الإدراكية المشكلة لما يشبه القطاعات له، والتي يتمكن المرتل المرتاد -بالرد إليها-  من تحديد موقعه في الخارطة العامة لهذا التصور الكلي.

أردت التنبيه إلى هذه القضايا التي تعد مداخل أساسية لتيسير الاستبصار بهدي القرآن الكريم، وارتياد آفاقه الواسعة، وفق منهج فريد، بدت ثماره بحمد الله تظهر في مجالات علمية ومعرفية شتى، وهو لا زال يحتاج إلى شحذ وبرد وتبيان خطواته ودعمها بحثيا ومؤسساتيا.

أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا المؤتمر محفزا ومستنفرا، ونبراسا نحو استشراف المستقبل وارتياد الآفاق خدمة للنص والمصطلح في الدراسات القرآنية.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *