كلمة رئيس المجلس العلمي لفاس


كلمة  الأستاذ عبد الحي عمور

رئيس المجلس العلمي لفاس

السادة مديرو ورؤساء الجامعات والمجامع والمؤسسات المهتمة بالبحث في القرآن الكريم وعلومه.

السادة العلماء والأساتذة الفضلاء.

إن حاضرة فاس مدينة العلماء والفقهاء والمحدثين وأعلام الفكر، عاصمة المملكة العلمية والحضارية والتاريخية ومهد جامعة القرويين، ليفتخر علماؤها ومفكروها ومنابرها الثقافية باحتضان المؤتمر العالمي الثاني للباحثين في القرآن الكريم وعلومه، ويحق لفاس/القرويين أن تسجل بافتخار واعتزاز استضافتها لهذه الصفوة من العلماء والقيادات الفكرية التي التأمت بها لدراسة معضلات تعوق الفهم السليم للنص القرآني.

والواقع أن الأمة القطب الأمة الإسلامية أصابها في الأعصر الأخيرة إصابات وإضلالات في تعاملها مع القرآن الكريم وانتفاعها بالخطاب الإلهي الأخير إلى البشرية، أنتج هذا الاضطراب والحيرة والقلق الذي تعيشه الأمة في مختلف مجالات الحياة: الدينية والعلمية والثقافية والاجتماعية، مما يمكن القول معه بأن الأمة القطب افتقدت البوصلة الهادية إلى الطريق القويم والمنهج السليم الذي يمكنها من استعادة فاعليتها وقدرتها وإرادتها مما يعتبر خصائص ومقومات الوجود وإثبات الذات والعودة إلى عالم الشهود الحضاري.

وباعتبار أن أمتنا ارتبطت في وجودها وسيرورتها التاريخية وبنائها الحضاري بمصدر الهداية الخالدة: القرآن الكريم حيث كانت “تستقى منه العلم والمعرفة الدقيقة السليمة في نظرتها إلى الإنسان والحياة والوجود…” فإن القرآن اليوم لا يكفي أن يكون بين ظهراننا نتعبد بتلاوته وضبط مخارج حروفه، والاقتصار على تحفيظه، مما يعتبر وسائل لحماية الأداء القرآني، في فصل بين المعنى والمبنى، والقراءة والعمل، كما حذر من ذلك الحسن البصري رحمه الله إمام أهل البصرة حين قال:”نزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا”. وإنما الذي يحدى في الانتفاع بالقرآن الكريم أن يكون لنا منهج متماسك راسخ يستمد خصائصه ومقوماته من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن الأمة من العودة إلى التعامل السليم مع القرآن العظيم بما يعيده إلى مركز الدائرة الثقافية للمسلم المعاصر، ويستعيد العقل المسلم معه عافيته مما أصابه من غبش، ويسترد القرآن المجيد معه دوره في العطاء والإنارة والبناء، يجاوز بين التلاوة والحفظ والترتيل التعبدي المطلوب، وبين التدبر والفهم والتفكر وصولا إلى المجاهدة وإعادة تنزيل القرآن على بيئتنا المعاصرة وقراءة مشكلاتنا والتحديات التي تواجهنا، وإعادة استدعائه للساحة الثقافية الإسلامية، {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}(الأنعام: 153.)

إنه المنهج الذي يقوم على الجمع بين القراءتين: قراءة الكتاب المسطور: القرآن المجيد وقراءة الكتاب المفتوح: الكون وهو المنهج/التعامل الذي أعاد صياغة أجيال الجاهلية الأولى عندما قرأت القرآن حق قراءته فحولها تلقائيا إلى أمة يسودها العدل الاجتماعي وتكره التفرقة والعنصرية… ولأنها كانت في مستوى القرآن الكريم فقد جاءت ثمرة لبنائه فخرجت من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة بعابرة ربعي بن عامر في خطابه القوي لقائد الفرس.

وهذا يفرض علينا من هذا المنبر القرآني الذي تحضره هذه الصفوة من خيرة العلماء والباحثين المهتمين بالبحث في القرآن الكريم وعلومه، ضرورة اهتمام المجامع ومراكز البحث بهذه المعضلة: معضلة صياغة منهج قرآني يؤصل من جديد للفهم الصحيح الموصل إلى التدبر والفهم والعمل ويعيد للقرآن الكريم مصدريته للمعرفة والعلوم والثقافة والحضارة الإسلامية، منهاج يزاوج بين التاريخية والحديثة ويستفيد من الدراسات العلمية ومختلف حقول المعرفة في مناهج البحث، وفي تناسق بين أصحاب العلوم الشرعية والعلوم العصرية بما يحقق التكامل المعرفي والمنهجي ويحدد الاستجابة وينقذ الأمة من أزمتها الفكرية التي أحسب أنها بسبب غياب المنهج وافتقاد أسباب الاستفادة الإيجابية من القرآن الكريم لتكون الأمة في مستوى القرآن ومستوى العصر، وتحقق الأمة القطب الشهود الحضاري وتتخلص من الحال التي استنكرها القرآن : {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها}.

ولعل المعضلات التي تواجه الفهم الصحيح للقرآن الكريم والتي هي محاور هذا الملتقى المبارك والتي تروم “تجديد الفهم وتعميق البحث في تطوير الدراسات القرآنية فيما كان يعرف بعلم الوجوه والنظائر وأخذ لدى المعاصرين اسم المصطلحات والمفاهيم القرآنية يصب في هذا المنحى الذي دعونا إليه حيث سييسر السبل لصياغة المنهج الذي نجدد الدعوة إليه.

وكما سبق لي أن قلت في المؤتمر الأول للباحثين في السيرة النبوية الذي انعقد في هذه المدينة في السنة الماضية “فإن الأمل معقود على هذا الملتقى الثاني أن يثمر عطاءات وإشراقات جديدة تخدم مسيرة أمتنا في الإحياء والترشيد والتجديد فتنير شموعا من ضياء وتزيح أستارا من ظلام.

وختاما باسم المجلس العلمي وعلماء فاس ومثقفيها أعرب عن فائق تقدير المجلس وشكره للجهات المنظمة لهذا الملتقى وأجدد الترحاب بالسادة العلماء الباحثين وأتمنى لهم مقاما طيبا في هذه المدينة العربية الإسلامية التي قال في حقها بعض مؤرخي الفكر الإسلامي: “ولد العلم بالمدينة وربي بمكة وطحن بمصر وغربل بفاس- وإن العلم ينبع منها كما ينبع الماء من أرضها”

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *