تغييب شرع الله ذلك الخرق الأعظم


ليس يغيب عن أولي الألباب أن سلامة سفينة البحر وهي تمخر منه العباب، وتجري في موجه، تتوقف على كل مكون من مكوناتها، أو محتوى من محتوياتها، دقها وجلها، والسلامة المقصودة هنا هي السلامة في المآل، وليست بالضرورة السلامة في الحال، فالأمور بمآلاتها كما هو في عرف الحكماء، والمآلات بسننها التي تجري لمستقر لها، فقد تتآكل بعض أخشاب السفينة في جزء من أجزائها،أو تخرج بعض دسرها من مواضعها، وقد يخلد بعض ملاحيها إلى الكسل وإهمال بعض ما هو منوط بهم من مهام وأعمال، وقد تكون مسرحا لنزاعات ومناوشات، لجملة من الأسباب، قد تكون جدية أو تافهة، وما إلى ذلك من أعراض الاعتلال والاختلال، ومع ذلك، فقد تستمر السفينة في جريانها إلى أجل معدود، ولن تحجب صورة الاستواء على الماء في شكل من الأشكال، كون الوضع العام للسفينة منذرا بالأخطار المحدقة، بمقدار ما تمثله الاختلالات الحاصلة فيها من حجم المساس بأمنها وتماسكها.

وكذلك الشأن في سفينة المجتمع لمن ينظر إليها نظرة خارجية سطحية، فهي قد تغريه ببعض المظاهر الخادعة، وتحجب عنه ما يعتمل فيها من تعفنات وأمراض، تمزق النسيج وتنخر الكيان، هذا لمن يحتفظون بمسافة من الجهل والغفلة بينهم وبين المجتمع بجميع قطاعاته ومساربه، أما الذين يتغلغلون في أحشائه ويطلعون على سوءاته، ويكتوون بحر آلامه، فإن أفئدتهم تكاد تنخلع لهول ما يرون من مصائب ونكبات، يتولى كبرها الجاهلون، والحمقى والمتغطرسون، ممن يحلو لهم العبث بمصير السفينة، ويتلذذون بما يحدث فيها من جراحات وآلام، فهم يمارسون عملية الخرق في كل موقع من مواقعها، في عمقها وعلى أطرافها، ومع ذلك فهم يستمتعون بفسقهم فيها ويرقصون سكارى على جراحها وأشلائها، والسبب في كل هذا العبث والاستهتار الذي فاق الحدود، وانهدت له الأركان، هو تغييب منهاج الله وشرعته، وتعطيل حدوده التي تذهب الغشاوات وترسم معالم الرشد والصلاح، والضبط والانضباط، فلا عجب -إذن- أن تشهد السفينة من الفواجع صنوفا وألوانا: سحب قاتمة دكناء، تبلغ عنان السماء، لفرط ما ينبعث من أعماق السفينة من دموع وآهات وأحزان، من للطفولة البريئة تفترس بكل شراسة من طرف الذئاب؟ من للثكالى يندبن حظهن العاثر ولا يجدن ملاذا غير النحيب والجؤار بالشكوى لرب الأرباب؟ من للأعراض تنحر من طرف الكلاب؟ من لميراث الشعب توصد دونه الأبواب؟ من للمستهترين بقيم الفضيلة والعفاف؟ من لألغام جهنمية تزرع في جنبات حقولنا فنحن منها على وجل يطير الألباب؟ من لكل هذه الدواهي والبلايا التي تدك الصروح وتنشر العذاب؟ من لشباب تغضنت منه الأسارير، بل قل إنه لفرط العناء قد شاب وذاب؟ من لكل ذلك يا أحباب، غير رحمة العلي الأعلى الوهاب؟ ألا لن يغسل سفينتنا المنكوبة غير ماء القرآن، يطهرها من الأدران والأوثان، ولن تعطر أفياءها غير سنة العدنان، المصطفى حبيب الرحمن. ألا إن ليل السفينة قد ادلهم، وليس له إلا فجر الحقيقة القرآنية الصادق يكشف ظلمته، ويعلق في سمائها مصابيح الهدى وتسابيح اليمن والرشاد.ألا إن سياط شياطين الهوى قد ألهبت منا الظهور، وجاست في ليل الغفلة خلال الثغور، فليس للناس إلا شرع حكيم، يستل سخائم قلوبهم، ويطرد من ربوعهم كل شيطان رجيم. ليس يعيد للسفينة سرها المعدوم، وبهاءها الموسوم، إلا أن تضمخ بنور الفرقان، وتسرج قناديلها بزيت القرآن، إنه لات ساعة مأتم ولا مندم تنهك الهمم، بل ساعة مكابدة ومجاهدة ترتقى بها القمم، قمم الفضائل السامقة، التي تتدلى من غصونها أطايب الثمار، وتنبجس من ينابيعها أعذب المياه وأجمل الألحان، فإما حياة تفيض بالخير والعدل والإحسان، وإما معيشة ضنكا بين أنياب المذلة والهوان. وصدق الله العظيم القائل جل جلاله: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *