شرح الأربعين الأدبية(2)


الكتاب الثاني: في سلطة اللسان
وفيه بابان.
الباب الأول: في كف اللسان، وفيه حديثان:
الحديث الأول: في أن حصائد الألسنة تكب الناس في النار . روى الترمذي في سننه عن معاذ بن جبل قال: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول اللّه! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار. قال: لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره اللّه عليه: تعبد اللّه ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟! الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النارَ، وصلاة الرجل من جوف الليل. قال: ثم تلا {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ -حتى بلغ- يَعْمَلُونَ}(1). ثم قال: ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟! قلت: بلى يا رسول اللّه! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟! قلت بلى يا رسول اللّه! قال: فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا. فقلت: يا نبي اللّه وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟!”(2). في الحديث بيان لذلك الحرص الذي دفع معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى البحث عن أقصر الطرق إلى الجنة، ولقد كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم من الحكمة بحيث انتقل به من الأركان، إلى ما يدعمها ويقويها، فالمفاتيح الكبرى، فخلاصة ذلك كله. ويخرج قارئ الحديث بنتيجتين: أولاهما أن على المرء -أيا كان- أن يكف لسانه حتى لا يكون سببا لهلاكه، والأخرى أن يعلم أنه مؤاخذ بما يتكلم به، والنكتة في ذلك أنه كما أن التحكم في اللسان أقصر الطرق إلى الجنة، فإن إهماله أقصر الطرق إلى النار.
ولمحل الشاهد مفتاحان: أولهما الكب، والآخر حصائد الألسنة.
أما الكبّ فدال على جمع وتجمع، وهو يفيد القلب(3). ((وكبه لوجهه فانكب أي صرعه))(4)، وهو عند الراغب: ((إسقاط الشيء على وجهه))(5)، راعى فيه الاستعمال القرآني: {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ}(6). والجامع بين الأصل وباقي الاستعمالات أن القلب أو الصرع أو الإسقاط… كل ذلك يجمع فيه المكبوب جمعا، وهو حسن المناسبة للحديث؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تحدث عن جماع أمر ما يُدخل الجنة ويُبعد عن النار، ثم عن إمكان إتيان اللسان على كل أفعال الجوارح بالهدم. وإذا كان مجرد الكب إسقاط وقلب، فلِم زيد على وجوههم كما في الآية؟ ثم على مناخرهم كما في الحديث؟
علة ذلك -والله أعلم- أنه ليس أسوأ في سقطة الإنسان من أن يسقط على وجهه، وليس أسوأ في هذه السقطة من أن يكون أنفه أول مرتطم بالأرض.
والكب على المناخر مطلق غير مقيد، ولنا أن نفهم أنه في الدنيا، كما لنا أن نفهم أنه في الآخرة، والسعيد من المكبوبين على مناخرهم من كب في الدنيا فارتدع، والشقي من أُخِّر كبُّه إلى الآخرة، وأشقى الأشقياء من جمعت له الكبّتان.
والتعبير هنا بالصورة المجسمة لحالة هؤلاء الساقطين الذين يقعون على مناخرهم، ونفهم من ذلك أن مدار الأمر على بيان قبح النتيجة، ثم لا يهمنا بعد ذلك أكان الأمر حقيقة أم مجازا.
وأما المفتاح الثاني فهو حصائد الألسنة، ومعناه عند ابن الأثير: “أي ما يقتطعونه من الكلام الذي لا خير فيه، واحدتُها حصيدة، تشبيها بما يحصد من الزرع، وتشبيها للسان وما يقتطعه من القول بحد المنجل الذي يحصد به”(7).
ولنا أن نضيف إلى ذلك أن التعبير بلغة الحصاد أيضا تصويري، ففيه إيحاء بحدة الآلة وخطورتها، وكثرة المحصود…
ولما كان لسان الأديب آلة صنعته، كان معنيا بالحديث من باب أولى؛ لأنه اختلف عن الناس بزيادة كلام، وصاغ كلامه صياغة مختلفة، وأراد له الذيوع والانتشار، فصار أمره آكد من حيث كونه متكلما، ومن حيث كون كلامه ليس كأي كلام، ومن حيث المسافة الزمنية والمكانية التي يقطعها هذا الكلام.
ولنا أن نتصور الآن تلك القائمة الطويلة العريضة من معاجم الأدباء الذين كبوا على مناخرهم في الدنيا بسبب فلتات ألسنتهم، والذين ينتظرهم الكب الأخروي.
ولنا أن نتصور حجم الاتحادات والجمعيات و مؤسسات للأدباء بنيت بالكامل على ألسنة لا تعرف ميزانا، ولا حدودا، بل على ألسنة تؤمن بالفصل بين الأخلاق والأدب، وتعتقد أن الجرأة على الله ورسوله والإسلام وأعراض المسلمين قمة الأدبية والحداثة.
لنا أن نتصورهم وهم يسقطون على مناخرهم لنعرف حصيلة الشطط في استعمال اللسان، ونقتنع بأهمية أن نكف اللسان؛ لأنه فرس جموح، إما أن نكفه، أو أن نرخي له العنان فيقتحم بنا جهنم.
———– 1- سورة السجدة، الآيات 16-19.
2- صحيح سنن الترمذي: ناصر الدين الألباني، حديث رقم 2616، كتاب الأدب، باب ما جاء في حرمة الصلاة. مكتبة المعارف، الرياض، ط 1420هـ. قال الترمذي معلقا على الحديث: “هذا حديث حسن صحيح”. 3- معجم مقاييس اللغة: ابن فارس، دار الفكر، بيروت، تحقيق عبد السلام هارون. مادة كب.
4- لسان العرب: ابن منظور، دار صادر، بيروت، ط 1414هـ، مادة كبب. 5- مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني، دار القلم، دمشق، تحقيق صفوان عدنان داوودي. ط 1423هـ. مادة “كبب”.
6- سورة النمل، الآية 90.
7- النهاية في غريب الحديث: ابن الأثير، دار الفكر، بيروت، تحقيق محمود محمد الطناجي وطاهر أحمد الزاوي، ط 1399هـ. مادة “حصد”.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *