على مطالع قرن جديد(5/5)


إن الرحلة المتطاولة التي اجتازها المسلمون عبر التاريخ تمثل رصيداً كبيراً من تجارب الخطأ والصواب.. واليوم ونحن نتحرك في بدايات قرن جديد يتحتّم علينا أن نراجع أنفسنا ونعيد النظر في معطيات المسيرة الطويلة.. ويقيناً فإننا سنتعلّم الكثير.. وهل ثمة أكثر خبرة من التاريخ؟ هل ثمة أكثر عطاءً ومنحاً من هذا الزمن المترع ذي العمر المديد والذي يمكن بدراسته وفهمه أن نستخلص أبعاد التجربة، ونكثّف مؤشرات العمل والحركة عبر القرن الجديد؟ إن أمة لا ترجع إلى نفسها لكي تنقد ذاتها، أمة غير جديرة بالحياة، وإن أمة لا تلتفت إلى ماضيها في نهاية كل شوط من الرحلة التاريخية الطويلة، أمة غير قادرة على المضي في الطريق إلى غايته.

إن الحفر والعقبات والمتاريس في طريق المستقبل كثيرة، ويزيدها كثرة أننا أمة تكالبت علينا الأمم، فإن لم تستمّد من تاريخها الهادي والدليل، فقد يخشى عليها ما تنبأ به الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم، أن تغدو في القرن الطالع قصعة يزداد المولون عليها..

إن هذا القرن سيكون ولاشك قرن الصراع الدولي الحاسم في ميادين العقيدة والاستراتيجية.. والإرهاصات واضحة بيّنة قد أخذت تطلّ برأسها.. والخارطة العالمية لمواقع الأمم والشعوب ستزداد ألوانها عمقاً وتمّيزاً.. ولن يكون لنا خيار في أن نتميّز نحن الآخرين.. وإلاّ امتّصنا هذا اللون أو ذاك وأصبحنا نبحث عن مواقع الأمة الإسلامية في العالم فلا نكاد نجد لها أثراً.. وقد منحنا ديننا الصبغة التي تميّزنا بين الأمم، وتمنحنا اللون والهوّية على خرائط العالم : {صبغة الله ومن احسن من الله صبغة؟}.

إن هجمات القوى المضادة للإسلام، كما يبدو من المقدمات، ستزداد عنفاً وشراسة مع الأيام.. وقد تداعت علينا معسكرات الخصوم من كل مكان.. ومن يدري فلعّلها قد اعتزمت أمراً أكبر بكثير وأخطر بكثير من كل تخميناتنا وتوقعّاتنا.. فلنكن على حذر ولنجعل من هذا القرن قرن النفير العام للدفاع عن الذات بمواجهة الإفناء المحتمل.. ولنعمّق ملامح الشخصية بمواجهة عمليات الطمس والتشويه.

(توينبي) مؤرخ الحضارات المعروف، يقول في كتابه الشهير (دراسة للتاريخ) إنه من بين بضع وعشرين حضارة بشرية شهدها التاريخ، لم يتبقّ غير سبع، ست منها، ضمنها حضارتنا الإسلامية مهدّدة اليوم بالابتلاع والتلاشي في كيان الحضارة الغربية

الغالبة، وسواء صحّ هذا الذي استنتجه الرجل، بعد رحلة استقرائه ذات الثلاثين عاماً، أم لا، فإن الذي يحدث على مستوى الواقع، هو أن حضارتنا، أو بقايا حضارتنا بشكل أدقّ، مهدّدة – فعلاً- بالتفكك والتلاشي والزوال.. ولا ندري إن كان هذا القرن الطالع سيكون قرن الاحتضار أم الميلاد الجديد؟

وسيكون القرار الأخير بأيدينا..

إنه قد مضى، إلى غير رجعة، زمن الإسقاط والهروب، يوم كنا نتخذ من الاستعمار مشجباً نعلّق عليه كل هزائمنا ومتاعبنا، وكأننا لم نكن ـ بقابلّيتنا للاستعمار -كما يقول المفكر الجزائري (مالك بن نبي) رحمه الله- قد مكنّا للاستعمار في نفوسنا وبلادنا.

ولقد آن الأوان لكي نصحّح المسار فنعترف بالخطأ مهما عظم من أجل أن نعدّ أنفسنا للمجابهة النهائية الحاسمة على كل الجبهات.. وحينذاك يمكن أن نسدّ كل ثغرة قد يتسلّل منها الخصم في مشارف حدودنا الجغرافية الشاسعة، أو تخوم نفوسنا الضائعة.

أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *