مواقف وأحوال – حين يخاف الـملوك على الإسـلام؟


هل سمعتم أيها السادة عن ملك لم ينشف له لِبَدٌ من الجهاد؟

وهل قرأتم عن ملك كان يتعرض للشهادة ويسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير؟

هل تذكرون ملكا عظيما لم تسمع منه كلمة فحش قط لا في حضر ولا سفر، ولا في رضَى ولا غضب؟

ليس ذلك فحسب، ولكنه ملك كان يأكل من عمل يده، ينسج تارة، ويعمل أغلافا تارة أخرى ويلبس الصوف ويلازم السجادة والمصحف؟

لقد كان هذا الملك أيها السادة فقيرا عن زهد لا عن حاجة، حتى قيل : إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا. إنه الملك العظيم نو ر الدين محمود الذي يقول فيه ابن الأثير : لم يكن من ملوك الإسلام بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه، وكانت له دكاكينبحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم فكان يقتات منها.. واستفتى العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئا ولو مات جوعا))(1).

لا أسترسل في ذكر مناقب هذا الملك العادل، وأحوال هذا الرجل الصالح، ولكني أذكر له الآن حالا يستوقفني طويلا كلما قرأت سيرته، فقد نقل  الذهبي في سير أعلام النبلاء(2) عن سبط الجوزي قال ((حكى لي نجم الدين ابن سلام عن والده أن الفرنج لما نزلت على دمياط، مازال نور الدين عشرين يوما يصوم ولا يفطر إلا على الماء حتى ضعف وكاد يتلف، وكان مهيبا ما يجسر أحد يخاطبه في ذلك، فقال إمامه يحيى إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم

في النوم يقول : يا يحيى بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط، فقلت يا رسول الله، ربما لا يصدقني، فقال قل له بعلامة يوم حارم، وانتبه يحيى، فلما صلى نور الدين الصبح، وشرع يدعوها به يحيى، فقال له : يا يحيى تحدثني أو أحدثك، فارتعد يحيى وخرس، فقال أنا أحدثك : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم

هذه الليلة وقال لك كذا وكذا، قال نعم، فبالله يا مولانا ما معنى قوله : بعلامة يوم حارم؟ فقال : لما التقينا العدو خفت على الإسلام فانفردت ونزلت ومرغت وجهي على التراب، وقلت يا سيدي، من محمود في البَيْن؟ الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم أفعل ما يليق بكرمك، قال فنصرنا الله عليهم.

تأملوا أيها السادة حال هذا الملك في هذا الموقف العصيب، يعد العدة كاملة، ويشرع هو في الصوم، وحين جد الجد انفرد بنفسه، ومرغ وجهه في التراب وبكى على ربه، خوفا على الإسلام، وليس حفاظا على عرشه.. رحمك الله يا نور الدين، وجمعنا بك في جنات الفردوس، آ مين.

> ذ. امحمد العمراوي من علماء القرويين

amraui@yahoo.fr

1- انظر سير أعلام النبلاء للذهبي، والبداية والنهاية لابن كثير.

2- نفسه.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>