أزمة الكشف الغربي


إن البنيوية كفلسفة أريد لها أن تتعامل من منظورها الخاص مع الإنسان، وكمنهج في النقد يستهدف اعتبار “النصّ” هو الحكم الأوّل والأخير في التقويم. هذه الفلسفة وهذا المنهج، يمكن أن يعتبرا -بحق- اكتشافاً خطيراً في تاريخ الفكر الغربي، أضاء وسيضيء جوانب إنسانية عديدة، كما أنه منح الممارسة النقدية ضوابط ومعايير أشد صرامة وأكثر قدرة على التعامل الموضوعي مع المعطيات الأدبية، لاسيما وأن البنيوية تتطلب إلماماً معرفياً (ابستمولوجياً ) شاملاً ومتعدداً في حقول شتى وبخاصة علوم اللغة والأجناس والفلسفة والاجتماع والنفس والتاريخ.. الخ..

لكن هذا الاكتشاف لم ينج من الوقوع في الخطيئة التي مارستها سائر الكشوف الإنسانية التي أزاح العقل الغربي النقاب عنها.. إنه التعميم والمطّ، أو بالأحرى الإلحاح الذي يجد نفسه على أيدي الأتباع والمريدين، في حالة تصعيد مستمر قد يبلغ حدّ التيبّس الذي لم يخطر على بال المكتشفين الأوائل أنفسهم.. وقد يتشنج باسم احترام القواعد والأصول العلمية، حتى يقود في نهاية الأمر إلى ردود فعل قد تكون عمياء، فتقضي بضربة واحدة على اكتشاف كهذا وتحرم نفسها حتى من الإفادة مما قد يتضمنه من قيم إيجابية وإضاءات باهرة!

والذي يطالع ما يكتبه بعض الباحثين والفلاسفة والنقاد في الغرب عبر السنين الأخيرة، فيما يسمى بمرحلة ” ما بعد البنيوية ” يجد هذا التدافع المتلاحق من الأفعال وردودها بصدد البنيوية فلسفة ومنهج نقد، وقد لا تكون في بعضها مما يقرّه العلم الجاد أو الرغبة في احترام الحقيقة.

مهما يكن من أمر فان النقد البنيوي، بتفكيكه للنصّ، يمارس تشريحاً دقيقاً أقرب إلى مطالب المنهج العلمي، ويتوغل عميقاً في البنية اللفظية والدلالية (السيميائية)، ويجدول، بتعامله مع المفردات، معطيات ووحدات التوافق والتضاد من أجل استخلاص نتائج أكثر دقة من خلال معاينة هذه التقابلات والأنساق اللفظية. ثم إن هذا النقد يبدأ بفصل العمل عن سائر ارتباطاته الخارجية ويسعى للتعامل معه بأكبر قدر ممكن من التجرّد والموضوعية باعتباره نصّاً تتضمن بنيته من الداخل المغزى الأخير لما يريد الأديب أن يقوله.

فالمفردة – اللغة تتجاوز في نطاق الإبداع الأدبي مهمتها الوظيفية لكي تلتحم بالرمز والدلالة التي تريد أن تقولها أو تعبّر عنها، ومن ثم فان طبيعة الارتباطات بين الكلمات في مواقعها من العبارات والجمل، قد يقود، بشكل أقرب إلى الصواب، وأبعد عن الإقحام من الخارج، وبمواضعات عرفية قد تفترض ولا تفسّر، يقود إلى المغزى الأخير للنص.

وبما أن المعنى الذي تحمله المفردة في النص الأدبي يخرج عن كونه معجمياً صرفاً، أو تاريخياً صرفاً، وإنما هو التحام بين الدال والمدلول، فإنه يؤدي إلى تشكل وحدات تسعى تعارضياً أو تقابلياً إلى إقامة بنائها. ويجيء النقد البنيوي لكي يستجوب أو يستخلص الحوار القائم بين هذه الوحدات. إن هذا الحوار هو الصوت الحقيقي للنصّ، ومعناه الأقرب إلى الصواب.

هذا حق ولكن، مرة أخرى، لماذا الموقف أحادي الجانب؟ لماذا لا نضيف هذا الاكتشاف الهام إلى موروث الخبرة النقدية وتراكماتها عبر القرون فنزيدها قدرة على فهم الإبداع وتحليله؟ لماذا محاولة سدّ الأذن عن كل الأصوات الأخرى والاكتفاء بمعطيات الاكتشاف الأكثر حداثة واعتباره العلم الأخير، حتى إذا ما كرّت الأيام وأفرز العقل البشري، أو الخبرة، قناة جديدة للاتصال والفهم، حكم على الاكتشاف السابق بالإعدام، أو النفي على أقل تقدير؟!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *