التكريمُ الرّبّانيّ لإمَامِ الأنْبِياء الربّانيِّين المُحْتسبين.


عَانَى ما عانى رسولُ الله من مقاومة الكُفر والكافرين للدّعوة في الفترة المكية، ولكن أصْعَبَ ما عاناه  كان بعْدَ غِياب السّنَدَيْن المُتَمثّليْن في موْتِ أبي طالب، وموْتِ السيِّدة خديجة رضي الله عنها.

فقد كان الأوَّل سنداً خارجياّ يكُفُّ عنه -بقدْر الإمكان- أذَى قُرَيش وسفَاهتها، وكان السَّنَدُ الثاني داخِليّاً، حيْثُ :

> كانت خديجةُ رضي الله عنها نعم السّندُ المُناصر للدّعوة، والمُسرِّي عن رسول الله  كلّ الهُمُوم والغُموم، ونِعْم المُجَدِّد للعَزْم، والمُذهِبُ للحسرة والنكَدِ والهَمِّ. بَلْ وكانت رضي الله عنها نعم الأنِيسُ المُهوِّن للصِّعَاب، المُسَهِّلُ للعقبات.

> وكانت خديجة رضي الله عنها نِعْم المُمَوِّل للدّعوة والدّاعية، فالمعروفُ عنها أنها كانت من أثْرياء قريش، والمعروفُ عنها -أيْضاً- أنّها لمْ تستثمِرْه في تجارة دنيويّة بائرة، ولكنها استثمرَتْه في التجارة الأُخْرويّة الرابِحَة.

فبِقَدْر فَرَحِ قُرَيْش وسُفَهائِها بِغياب سنَدَي رسول الله  بِقَدْر حُزْن الرسول  على فقدان العمُودين، إلى درجة أن سُمِّي عامُ فقْدِهما عام الحُزْن، إذْ تجرَّأَ علَيْه سفهاءُ قريش جراءَةً ما كانوا يقْدِرون على مِثْلها أيام أبي طالب، وفَرَغ على رسول الله  البيْت، فلَمْ يبْقَ يجدُ من يكلّمُه ويبثّه أحزانه، فخرجَ  -سرّاً- إلى الطائف معه مولاه زيد بن حارثة فقط، عساه  يفُكُّ عن الدعوة الحصار -الذي ضربتْه قريش عليها-، ولعلَّه  يجِدُ -أيضاً- للدعوة بعض الأنصار والحُماة، ولعلّه  يجد بعض العزَاء عن الفراغ البيتيّ الذي أحْدثَه غياب السيدة خديجة رضي الله عنها.

إلاّ أن كُلّ ذلك لمْ يقَعْ، بلْ وعكسُ ذلك وقع، فقد كان الطائفيّون أوْحَش مُرُوءةً، وأشدّ قسْوةً، وأقْبَح عمًى، وأكْثر سَفَهاً، فزادُوا رسول الله  همّاً على همٍّ، وغمّا على غمّ. فكانت هذه الأحداث المُتلاحقةُ أكبَر تربية ربّانية للدّعاةِ لتعليمهم كيْفيّة التصّرف في مثل هذه الأزمات، كما كانت أكْبَر تَصْفيةٍ عمليّة لتفريغ القلْب الدّاعي من كُلّ تعلُّق بغير الله تعالى.

ولقد تعلَّم رسولُ الله  من ربِّه الدّرس، وتركَهُ معْلمةً للدّعاة من بعْدِه ليقْتَدُوا به في مثل هذه الأزمات الحوالِك.

فعلَى ما كان برسول الله  من التأثُّر بصَفَاقة الطائفيّين وقُبْح ردّهم، فإنه  لم يتبرّم، ولمْ يتسَخَّطْ، ولكنه آثَر رضَى ربّه على حظِّ نفسه، فالْتَجأ إلى ربّه النّاصِر الأول والأخير للدّعوة والدّعاة بعد أن عَدِم النصِير من البشَر، والتجأ إلى ربّه المُؤنِسِ الأول والأخير للدّعاة والمومنين في كُلِّ وحْشةٍ وغُربةٍ بعد أن فقد المؤنِس من البَشَر.

فرَفَع  إلى ربّه رسالةً مفْتُوحةً عاجِلةً، يقول له فيها : >اللّهُمّ إلَيْك أشْكُو ضعْفَ قُوّتِي وقِلّة حِيلَتِي وهَوانِي على النّاس يا أرْحَم الرّاحِمِين، أنْتَ ربّ المُسْتضّعَفِين، وأنْت ربِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟! إلى بعِيدٍ يتَجَهَّمُنِي؟! أمْ إلَى عَدُوّ ملّكْتَهُ أمْرِي؟!

إنْ لم يكُن بِك عليّ غَضَبٌ فلاَ أُبَالِي!! ولكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أوْسَعُ لِي!! أعُوذُ بِنُورِ وجْهِك الذِي أشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ، وصَلَحَ علَيْه أمْرُ الدّنْيا والآخِرة مِن أنْ تُنْزِل بِي غَضَبَك، أو يحِلَّ عَليَّ سخَطُكَ، لكَ العُتْبَى حتَّى ترْضى ولا حَوْلَ ولا قُوّة إلاّ بِك<.

وصلتْ الرسالة إلى ربّ العزة والدّعوة، وربِّ المُستضعَفِين المُسْتغيثين، فجاءت الأجوبة الربانية العمليّة على الشكل التالي :

1- حرَّك الله عز وجل عواطِفَ الرّحِم في قلْبَيْ عُتْبة وشيْبَة ابنَيْ ربيعة -وهما عَدُوّان- فأرْسلاَ إليه -وهو تحْت ظِلّ الشجرة التي ناجى منها ربه- بقِطْفِ من العنَب على طبقٍ، فقد ألْزَمهما الله عز وجل بإطعام رسول الله  كما ألْزم فرعون بإطعام موسى رسول الله عليه السلام.

2- حَمَل القِطفَ إلى الرسول عدّاسٌ النصراني الذي لمْ يكَدْ يسْمَعُ رسول الله  يُسَمِّي الله عز وجل قبل الأَكْل حتى أسْلَم، فأكبّ على قدَمَيْ رسول الله  يُقَبِّلُهما، ويُقَبِّلُ رأسَهُ ويَدَيْه، قائلا لسيّديْه -بعد ما لامَاهُ وعاتباه على الإيمان به- >يا سَيِّدِي ما في الأرْضِ خَيْرٌ مِن هذا لَقَدْ أخْبَرنِي بأمْرٍ ما يعْلَمُه إلا نَبِيّ< فكان عدّاسٌ بهذا التّقبيل والإكرام خَيْر عَزَاءٍ لرسول الله  عن سفاهة قريش والطائف.

3- نزول مَلَك الجبال -مع جبريل عليهما السلام- ليقول جبريل عليه السلام لمحمد  >إنّ اللّه قدْ سَمِع قوْلَ قوْمِك لكَ، وما رَدُّوا علَيْك، وقدْ بَعَثَ إِلَيْك ملك الجبَال لتأْمُره بِما شِئْتَ فِيهِم< قال  : >فنَادَاني ملك الجِبال وسلّم عليّ ثم قال : يا محمد، إنّ الله قد بَعَثَنِي إلَيْك وأنا ملك الجِبال لتأْمُرنِي بأمْرِك، فما شِئْتَ؟! إن شِئْتَ أن أطْبِقَ عليْهِم الأخْشَبَيْن؟! -جبلا مكة- فقال  : >بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللّه من أصْلابِهِم مَنْ يعْبُد اللّه وحْدهُ  ولا يُشْرِك بِه شىئاً<.

4- وعندما كان بنخلة -موضع قُرب مكة- وقام من جوْف اللّيل يُصَلِّي بعَث الله عز وجل لرسول الله  طائفة مباركة من أهل الجنّ، فاستمعوا إلى القرآن، وآمنوا، ورجعوا إلى قومهم يدعون بدعوة رسول الله ، فكانوا خير مُصَدٍّقٍ بعد أن كذبه الإنس من سفهاء قريش والطائف {وإذْ صَرَفْنا إليْك نفراً من الجِنّ يسْتَمِعُون القرْآن فلمّا حضَرُوه قالُوا : أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِي ولّوّا الى قوْمِهِم مُنْذِرِين}(الأحقاف : 29 -30).

5- ثم كانت المكْرُمة الكُبرى : مكْرُمة الإسراء والمعراج ليقول الله عز وجل لرسوله  : إذا كانتْ حُثَالةٌ من السُّفَهاء في زاوية صغيرة من الأرض قد طردوك وأخرجوك، فهاهُمْ عُقَلاءُ البشر وأصْفياؤه منذ بدْء الخليقة إلى عصْرك يأتون مُرَحِّبِين بك في الاستقبال والوداع، مؤتمِّين بك، ومُقرين لك بأنك إمامُهم وإن كنت خاتمهم فهَلْ يبْقَى في نفسك شيء من سفاهة حُثالة من السفهاء؟!

وليقول الله عز وجل : إذا كان بعض أهل الأرض ممن لاقيمةَ لهم ولا اعتبارَ في ميزان الله تعالى قد طردوك وحاصروك وآذوك فهاهم أهلُ السماوات العلا يرحِّبون بك في تقدير عالٍ، وأدَبٍ غير مُتناهٍ، أفيبقى في نفسك شيء من تفاهة التافهين وسفاهة السفهاء؟!

إن هذه المكرمات كلها كانت تُنْذِرُ بأن أرض مكة وما حوْلها أصبحت الآن بلداً عقيما تحتاج إلى صدماتٍ مُوجعةٍ موقظةٍ لمْ يحِنْ أوانها بعد. ولذلك فالدّعوة في حاجةٍ إلى بَلَدٍ يقول أصحابه لرسول الله  >مافِي الأرْضِ خيْرٌ مِن هذَا< ويسْمعون كلام الله تعالى ويقولون >ما أحْسَن هذا الكلام وأكْرمه<!! في مقابل الذين كانوا يقولون : {لا تسْمعُوا لِهذاً القُرْآن والغَوْا فيه لعلّكُم تغْلِبُون}(فصلت : 25).

فكان كُلّ هذا إيذاناً بأنّ مرْحلة جديدةً في بَلَدٍ  جديد يتهيّأ في عالَم الغَيْب للدّعوة وحمَلَتِها، وإيذاناً بأنّ رهْطَ المجرمين الكبار بدأوا يحُثُّون الخُطَى إلى هاوية المصير ليُفسحُوا المجال لأجيال مِن أصلابهم لتحمل عِبْء الدّعوة وتنطلق بها عما قريب مشرقا ومغربا.

ولعلّ عصْرنا الحاضر يَشِي بقُرْب بزوغ فجْرِ الإسلام من رحِم الطّغاة المجرمين الذين بلغوا قمّة الطغيان ولم يبْق لهم إلا التردِّي والهبوط {ولا تحْسِبَنّ الذِين كَفَرُوا سَبَقُوا إنّهم لا يُعْجِزُون}(الأنفال : 60) {وكذَلِك جعلْنا في كلِّ قرْيَةٍ أكَابِر مُجْرِمِيها ليَمْكُرُوا فِيها وما يمْكُرُون إلاّ بأنْفُسِهم، وما يشْعُرُون}(الأنعام : 124) فهل نقرأ هذه المكرمات الربّانية قراءة ربانية لننقي صفوفنا من المنافقين المندسين للتخريب؟! وننقي شعوبنا من الماجنين المندسين للإفساد؟! ونُنَقِّي أُمّتَنا من البائعين لآخرتهم بعَرَضٍ دنيويٍّ بخْس زهيد؟!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *