الإِعْدَادُ الحقُّ لقُوَّةِ الحقِ


إذا كان الصراعُ بين الحق والباطِل سُنةً أزليةً لحِكْمة التدافُعِ الضَّرُورِيّ لإقامة العُمران، وتَطوِير عُلُومِ الإنْسَانِ، ولتَفْتِيقِ عبقريّة الإنسان، وإبْراز مواهبِه وأخْلاقِه سواءٌ في مَيْدان الشكر والإيمان، أوْ في ميدان الكفر والطُّغيان. لأن الحياة لا تحْلُو إِلا بوُجُودِ أهْدافٍ تسْتحقُّ أن يُضَحَّى في سَبيلها بكل غالٍ ونَفِيس.

وإذا كان الباطِلُ بطَبِيعةِ عَمَاه، وطبيعة حِقدِه على الحقِّ يُجَنِّدُ كُلَّ ما يمْلِكُ وكل ما يَسْتطِيعُ من القوَّةِ المادِّيَة، والقُوَّةِ الإعلامية، والقوة العلمية والقوة الاستخباراتِيّة، والقوة الفكرية والمكْرية والخداعيّة، لسَحْق الحَقِّ وخَنْقِ أنفاسِه حتى يعيش الباطِلُ في راحَةٍ موْهُومَةٍ، ولَذَّةٍ هوائيّةٍ شيطانيّةٍ مزعومة….

فإذا كان الباطلُ يعْتصمُ بجميع أنواعِ القوة الماديّة من مَالٍ وجُنْدٍ وسلاحٍ في جُحودٍ تامٍّ لقوةِ الله عز وجل صاحب الأمْر كُلِّه، والمُلْك كُلِّه، فإن الله عز وجل قال للمومنين {واعْتَصِمُوا باللَّهِ هُوَ موْلاَكُمْ فنِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النَّصِيرُ}(الحج : 76). بَلْ وقال لَهُمْ تحْمِيساً وتطْميناً ورفْعاً لمَعْنويَّاتِهِم {ذَلِك بِأَنّ اللّه موْلَى الذِين آمَنُوا وأنّ الكَافِرينَ لا موْلَى لَهُم}(محمد : 12) كلُّ ذلك حِفاظاً على نفسِيّة المومنين من أن يُصيبَها الإحْبَاطُ والانْهِزَامُ أمَام القوة الجبّارة التي يُعدُّها أهْلُ الباطل للزّحْفِ على الحقِّ في غَيْر تلكُّؤٍ أوْ هَوَادَةٍ.

ومعَ أن اللّه عز وجلّ هو القُوَّةُ الحَقُّ، وهو القوة الكبرى التي لا تقِف في وجهِها قُوَّةٌ كيفَما كانت، إلا أن سُنَّة اللّه اقْتَضَتْ أن يكُون التواجُه بين الحَقِّ والباطِل بنَفْس القوة المادية التي يُعدُّها الطرفان، لكن في الميدان تظهَرُ المدافِع المُوَجَّهَةُ بعناية الرحْمان، والمدَافِعُ المُوجَهة بعِنَاية الشيطان، ويظْهَر الرَّمْيُ المُسَدَّد، والرّمْيُ الطائش، وتظهر النفوسُ المُطْمئنَّةُ التي تضْربُ بسَيْف الله. والنفوسُ المرعوبة التي تاَهتْ عن أهدافها يوْمَ حضر مَصِيرُها… آنذاك في الميدان يُعْرف الفرقُ بين سلاح وسلاح، وإنسانٍ وإنسان، وآنذَاك يُعْرف الله الناصر، والله المنتقم.

ولذلك قال الله عز وجل للمومنين المؤسسين لدوْلة إعْمَار الكون بالحق والعَدْل {وأعِدُّوا لَهُم مّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ ومِن رّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُون بِه عَدُوَّ اللّهِ وعَدُوَّكُمْ وآخَرِين مِن دُونِهِم لا تعْلَمُونَهُم اللّهُ يعْلَمُهُم}(الأنفال : 61).

فرباطُ الخيل تشمل كلَّ أنواع الأسلحة المادية المعروفة في كُلِّ عصر بحسَب التطوُّر القتالي والدفاعي، فلا ينبغي التقصير في هذا المجال الداخِل في توْفير الأسباب وإتقان التدريب عليها واستعمالها بالكفاءة العالية المطلوبة كأنها الأساسُ في جَلْبِ النصر، وإرهَاب العدوِّ.

ولكن الله عز وجل جعل القوة المادية في الدرجة الثانية من الإعداد، أما القوةُ الحقيقيةُ المرتّبة في الدرجة الأولى، فهي القوةُ المُنكَّرةُ تنكيراً مطلقاً {مِن قُوَّةٍ} لتشمَلَ كُلَّ ما يخطُر في البال من أنواع القُوَّة الضروريّة والمطلوبة بحسَب العصْرِ والمصر.

وعلى رَأْس القــوة الضرورية المطلوبة :

1) رسْمُ الهَدَفِ بوضُوحٍ تَامٍّ : وبالنسبة للأمة الإسلامية فالهدَفُ الذي رَسَمَه الله تعالى لها هو : {وأنَّ هذِهِ أمَّتُكُمُ أمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكُم فاتَّقُون}(المومنون : 53).

فرسالتها : العَيْشُ بالإسلام، والثباتُ على الإسلام إلى الممات على الإسلام، وتحكيمُ الإسلام في كُلّ شيء، والدّعوة للإسلام، وحمايةُ الإسلام داخليّاً وخارجيّاً، والتجمُّع والتوحُّد على الإسلام.

تِلْكَ سِمةُ الأمة المسملة، والشعوب المسلمة، وتِلْك صِبْغَتُها وهُويَّتُها، وذلك مُنْطلق سعْيها ونشاطها، ومَنْبعُ حَضَارَتِها.

وتشرُّبُ هذا الهدفِ وترسيخه يقتضي :

أ- تنْشِئة الأجْيَال وترْبِيَتَها عليه باستمرار : بيتاً، وأسرة، ومدرسة، وجامعة، ومعهداً، ومصنعاً، ومعملاً، وملعباً، وامتحاناً، ومباراة، وتجارةً، تكويناً، وتدريباً.

ب- تسخيرَ كُلِّ الوسائل لخدمة الهدف : وبالأخص الميادين الثقافية والإعلامية والاجتماعية…

جـ- جَعْلَ التوجُّهاتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ مُتَطابِقَةً مع الهَدف : فلا ينبغي أن تكون أهدافُ الأمةِ وشعوبِها في وادٍ، وما تمارسُه الطبقةُ السياسية والاقتصادية في وادٍ آخر، فذلك هو الانفصامُ الخطِر الذي يُعطِّلُ الطاقات، ويُنْبتُ الإحْباطاتِ.

د- عَدَمَ التساهُل في الوَلاءِ لله والرسول والمومنين : فمن العَبث العابِثِ تعْديدُ المرجعيات، وتَلَقِّي الأوَامر من الله عز وجل، ومن الأصنام البشرية، فذلك هو الشّركُ الأكْبَرُ الذي يقود إلى الضلال المبين، والخسران الكبير.

2) التَّقَيُد التّامُّ بمَنْهَجِ الله عز وجل الوارِدِ في كِتابِه وسُنَّةِ نَبِيِّه :

وهذا يقتضي :

أ- ألاّ تقْبَلَ الأُمّة إمْلاَءَاتِ الكُفْرِ تحت أيّ ظَرْفٍ كان : سواءٌ في السياسة أو الاقتصاد أو التحالُفات الدّولية أو المحلية، لأن المسلمين ملة واحدة، والكفر ملة واحدة. أمّا التعايُش الكريم بين كل الأجناس ففي الإسلام تفصيله وتوضيحه.

ب- ألاّ تَقْبَل الأمة المَفَاهِيم والمصطلحات المستورَدة : فالحرية بالمصطلح الإسلامي غيرها في المفاهيم المستوردة، وكذلك حريّةُ المعتقد، وحريّة الفكر، وحريّة التعبير..

والتسامح في الإسلام شيء، وفي غيره شيء آخر، والسلام في الإسلام شيء، وفي غيره شيء آخر، والحداثة في الإسلام شيء، وفي غيره شيء آخر، والمجتمع المدني في الإسلام شيء، وفي غيره شيء آخر، وإكرام المرأة في الإسلام شيء، وفي غيره شيء آخر…

فكم من انحرافاتٍ خطيرة غَزَتْ الأمة عبْر هذه المفاهيم الدخيلة.

3) إصْلاحُ مَنَاهِج الحُكْمِ :

وهذا يقتضي من جملة ما يقتضي:

أ- اعتبار الحكم وسيلة لترسيخ معالم الإسلام وسياسة الإسلام : فالحكمُ أمانةٌ ومسؤوليّة، من أدّاها بصدق وإخلاص كان على رأس السبعة الذين يظلهم الله عز وجل بظله يوم لا ظل إلا ظله.

ب- إعطاء الأمة الحرية الكاملة والنزيهة في اختيار مسؤوليها الأكفاء الأمناء :

بدون ضغط أو إكراه أو تزوير، فالثغرة الكبيرة التي أدّتْ إلى جعل الأمّة بؤرة الفِتَن والاضطرابات والثورات والتقسيمات هي فرْضُ المسؤولين المبغوضين المكورسين للهيمنة والاستبداد.

جـ- اعتبار الحاكم والمسؤول غَير معصوم : فالعصمة لله عز وجل وللأنبياء والرسل المسدّدين بالوحي. أما غيرهم من البشر فكلهم في حاجة إلى النُّصْح والتوجيه والتنبيه والتحذير.

وبما أن المهماتِ كثيرةٌ ومتفرعةٌ فينبغي تأْهِيلُ المرشّحين لأية مسؤولية بالتربية والعلم والروح الإيمانية، حتى يراعوا الله قبل كل شيء أثناء الممارسة، وبالأخص المسؤولين عن الأمن، فهم مسؤولون عن توفير الأمن للمواطن بالدرجة الأولى، أمّا أن يصبحوا مصْدر الرُّعْب والإهانة فتلك المصيبة الكبرى.

د- رفع قلم المخابرات عن المواطن : حتى يحسَّ بأنه يعيش مُكَرّماً غير مُعَرَّضٍ لفرية أو متابعة تجسُّسِيّة، فالله عز وجل هو المطلع على ما تُكِنُّه الصدور، ولا حقَّ لأحَدٍ في شَقِّ القلوب، والمحاسبة على النوايا إلا الله عز وجل.

4)  الإعْدادُ العِلميُّ المتين : فالعلمُ هو القوة الأولى، وبالأخص العلم بالله عز وجل، وشرعه، وحكمته، ورحمته، ثم العلم بالكون، والعلمُ بواقِعِ الساكنين فيه، والعلمُ بكيفية إدارة وتسيير شؤون الساكنين فيه، والعلم بكيفية أداء الرسالة المطلوبة من خِلالِ كل موقع..

5) الإعداد الاقتصادي والسياسي : حتى يكون مواطنو الأمة مؤهّلين للتضحية بالنفس والنفيس في سبيل الله.

6) الإعداد العسكري : بعد التعبئة الروحية، والنفسية، والعلمية والإدارية، والسياسية، والاقتصادية… تأتي التعبئة العسكرية المادية، أمّا تكديس الأسلحة بدون خبرة، وبدون هدف، ولإرهاب الدّاخل، وتكريس التسلُّط، وتخويف الجيران، وفرْض النُّظُم والمذاهب التي لا سَنَدَ لها من عَقْلٍ أو شرع أو عُرْف أو فطرة سليمة… فذلك هو ما أخَّر الأمة على كافة المُسْتويات، وجعلها أمة مشتتةً متناحرةً منقسمة الرَّأْي، طائشةَ الهدف الذي رسمه الله تعالى لها في قوله عز وجل {تِلْكَ الدّارُ الآخِرةُ نَجْعَلُها للذِين لا يُريدُون عُلُوّاً في الارْضِ ولا فَسَادًا والعَاقِبَةُ للمُتَّقِين}(القصص : 83).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *