من أجل منهاج تجديدي في الفكر والعلوم الإسلامية (رؤية منهجية)


توطئة

لا شك أن للعلوم، كل العلوم، غايات ومقاصد، تحقق الرؤى والفلسفات الكامنة وراءها والمؤطرة لها. والعلوم الإسلامية لا تشد عن هذا الاطراد. بل هي أكثر العلوم، إطلاقا، ارتباطا بالغائية والمقصدية لارتباطها بالدين. وأعتقد أن غايات ومقاصد العلوم الإسلامية ثلاث كلية لا تكاد تخرج عنها:

- أن تحقق الهداية والصلة بالله تعالى.

- أن تخرج الإنسان المستخلف الرسول.

- أن تبني مجتمعها وتسهم في إعمار الكون.

وهذا الذي فعله الإسلام في صدره الأول، في القرون الخيرة الثلاثة خصوصا، حيث كانت هذه الأهداف، مجتمعة غير منفصلة ومتكاملة غير متقابلة، تشكل دوافع الإنسان للبذل والعطاء.

لكن الناظر إلى حال هذه العلوم، راهنا وتاريخيا يجد أنها لا تكاد تحقق واحدة من تلك الغايات والمقاصد، فكيف بها مجتمعة. وهذا ما يطرح تساؤلا حول مادة هذه العلوم نفسها، والتي تحتاج إلى إعادة بناء أواستئناف من داخل الأصول المؤسسة لا من خارجها. فهناك أصول تؤسس المعرفة وهناك أصول أسستها المعرفة. وللأسف تاريخيا كان الاشتغال بما أسسته المعرفة لا بما يؤسسها. ثم في منظومة الإسلام التوحيدية الموحدة. لا يمكن لتلك الغايات أن تنفصل عن بعضها أوتستقل وإلا اختل النظام كله وتعذر الإنجاز.

لذا، فالحاجة داعية إذن إلى النظر المنهجي الكلي إلى هذه العلوم من زاوية منطلقاتها وأصولها، ومن زاوية أهدافها وغاياتها، ما تحقق منها وكيف؟ وما لم يتحقق منها ولم ؟ وهذا الذي نروم تقريبه من خلال هذه المعالجة المنهجية السريعة.

الإشكال تاريخي أولا

ذكر السيوطي في كتابه “تاريخ الخلفاء” عن الحسن البصري، قوله بان أصول الانحراف في الأمة ، أصلان كبيران. أما الأول فهوطروء أوظهور فرقة الخوارج، أما الثاني فهوفساد نظام الحكم. ولا يخفى أن العلة الأولى هي إشارة إلى الانحراف الفكري التصوري سواء في جانبه العملي (تكفير مرتكب الكبيرة)  أو في جانبه العقدي (الحاكمية لله)، حيث كانت فرقة الخوارج من أوليات الفرق التي نظمت مقولاتها في أطر منهجية عملية وعقدية تصورية ثابتة وقارة، وخاضت من أجلها معاركا وحروبا.

ثم إن الإشارة إلى هذه الفرقة، بقدر ما هي إشارة إليها بالذات، هي إشارة كذلك بالتبع، أي لما تلاها وتبعها من فرق تعددت وتفرعت وانقسمت بالشكل الذي تمزقت به -أوكادت- وحدة الأمة في أسسها العقدية كما في تجلياتها العملية. خاصة إذا أضفنا إلى هذا، انقلاب وظيفة الكلام من الدفاع إلى الاحتراب الداخلي في قضايا الغيب والعقيدة التوقيفية. وكونه تزامن مع ركود وجمود مماثل طال الجانب الفقهي (في إطار المذاهب) بعد انتهاء مرحلة الأئمة المؤسسين. ولنقل أن هذا الطابع العام الذي وجه فكر وثقافة الأمة، وفيه تقررت علوم ومفاهيم، وتأسست تصورات وأفكار، تخص قضايا المسلمين في مجتمعاتهم وعلاقاتهم الداخلية، كما تحدد تصوراتهم وعلاقاتهم بالأخر الأجنبي عنهم. هذا دون أن نغمط الاستثناءات التجديدية حقها، على المستوى الفكري العام أوالمتخصص، بدءا بالشافعي نفسه وليس انتهاء بالسيوطي كما زعم، والتي ما يزال معظمها في حيز الكمون دون الاستثمار اللازم.

أما الإشارة الثانية فمتعلقة بفساد نظام الحكم وانحرافه عن المنهج الشوري وغلبة مظاهر الاستبداد والجور عليه. وليس غرضنا تتبع هذا الجانب وإن كان لا يخرج عن كونه قضية من القضايا الفكرية في الأمة كذلك.

فهذه جبهة الذات, حيث نمت وترعرعت العلوم الشرعية قاطبة، وحيث عرفت في مجملها دورانا محليا دون استئناف تجديدي يؤهلها للمواكبة. وإذا كان الأصل في هذه العلوم أن تكون تابعة للوحي الخالد تتجدد بتجديد النظر فيه، والكشف عن شيء من مكنونه، فإن الإشكال الكبير الذي وقعت في أسرهإلى الآن، أنها استقرت على أسس تاريخية (مذهبية) أكثر منها شرعية، وأضحت متبوعة باعتبارها أصولا ثابتة لا تتغير. فأخذت بالممارسة التاريخية من صفات الوحي ما لا يجوز إلا للوحي، وتصدرت مكانه. أمسى الوحي تاليا لها في الرتبة والاعتبار شاهدا لها لا عليها. فلا ندرس ولا ندرس في جامعاتنا من القرآن إلا علوما تاريخية ولا من السنن إلا علوما ولا من الفقه إلا تاريخه ولا من الفكر والعقيدة إلا تاريخهما حتى إنه ليصح أن يقال: إننا كائنات تاريخية تراثية وليس كائنات لها تاريخ وتراث تأخذ منه وتذر. أما فقه القرآن والسنة نصا لتحقيق الكسب الفكري والمعرفي الراهن والمواكب لقضايا الإنسان المعاصر بما يجسد فعلا استيعاب رسالة الختم للزمان والمكان، فهذا الغائب الأكبر، ليس في مناهج ومقررات الدراسة فحسب، بل في اهتمامات رجال الفكر والعلم والإصلاح والتغيير كذلك.

لذا تحتاج هذه الجبهة إلى عمل يعيدللأصول والمصادر ترتيبها العادي، تجعل القداسة للوحي المهيمن والمصدق وتنزعها عن الفكر البشري. تمارس بالقرآن والسنة المبينة على التراث الفكري الإسلامي ما مارسه القرآن نفسه على التراث الفكري البشري منذ بداية تنزله إلى نهايته. وهذا ورش كبير لم يدشن بعد بحث منتظم فيه بالمنهج الإسلامي الذي ألمحنا إليه، والذي سنأتي على ذكر بعض من معالمه ومقوماته لاحقا. بل على العكس من ذلك نجد أن معظم “المشاريع” المنجزة فيه أوحوله، هي بمفاهيم مادية جدلية، أوتاريخية، أوعلمانية .. قائمة أصلا على استبعاد النص ولوكان مؤسسا بدعاوى متهافته، مما يجعل أمر المعالجة التاريخية تستلزم درء شبهات معاصرة، تزداد حولا بعد آخر أمام تأخر مشروع البناء والمراجعة الذاتي.

في الحاجة إلى استئناف تجديدي شامل في العلوم الإسلامية وبناء أصول فكرية

وفيه ثلاث قضايا أساسية:

1- لا يخفى أن العلوم الإسلامية نشأت ابتداء من الوحي، انبثقت عن الكتاب والسنة ثم توسعت في التاريخ واستقرت على أوضاع معينة. فالأصل فيها أن بينها وحدة عضوية موضوعية لوحدة الأصل والمصدر. وأن الخيط الكلي الناظم لهذه لعلوم ينبغي أن يعكس تكاملها ودورانها مع الأصل حيث دار، بل وأن تنعكس فيها خصائصه، من شمولية واستيعاب، وعالمية، ووسطية، وواقعية، وإنسانية وغيرها… والناظر إلى واقع هذه العلوم التاريخي والراهن، يلاحظ أن كلا منها n يكاد n يدور في فلك خاص وأطر مرجعية ومنهجية خاصة، حتى لكأنها جزر منفصلة عن بعضها ذات أسوار وجدر منيعة. وأن فيها من التجريد والصورية أكثر مما فيها من الواقعية، لتعطلها عن المواكبة العملية . أما عدم تفاعلها الإيجابي مع السنة الكونية والإجتماعية، فأدى من جهة إلى تعطل جبهة العلوم الكونية والمادية فكان العجز الشامل عن بناء النماذج الحضارية الذاتية. ومن جهة أخرى إلى تعطل جبهة العلوم الإنسانية فكان العجز عن بناء نموذج الإنسان المسلم السوي. وهما الآن (أي العلوم المادية والإنسانية) من أهم مداخل استضعاف الأمة واستلابها لنماذج الغرب ذات الشوكة والغلبة. لم ينعكس إذن في هذه العلوم جدل الغيب والإنسان والطبيعة، كما هوفي القرآن وكما قدمته السيرة النبوية والقرون الأولى الخيرة، حيث كان النسق مفتوحا وحيث كانت الرؤية كلية، تنظر إلى الإنسان على أنه أسرة ممتدة وإلى الأرض على أنها مجال الاستخلاف والتعمير. وإلى الرسالة على أنها للناس كافة .. قبل أن ينغلق النسق وتنكمش الرؤية في أطر مذهبية ومدرسية.

2- يضاف إلى هذا الإشكال، إشكال آخر متفرع عنه متعلق بتصنيف هذه العلوم وترتيبها، المنهجي والمدرسي التعليمي، كالتمييز بين العقيدة والشريعة والعادات والعبادات، ومدرسة الرأي ومدرسة الآثر، والعقل والنقل والحكمة والشريعة الخ، حيث تطور الأمر إلى صيغ معاصرة تعكس الصراع نفسه (كالأصالة والمعاصرة -والحداثة والتقليد- والتراث والتجديد … والعقلانية والشرعانية – والبيانية والبرهانية …إلخ. مما أسس، من جهة، ثنائيات تقابلية لا يقوم أحدها إلا على نقيض الآخر، توجه ثقافة وفكر الأمة إلى مزيد من الصراع والاحتراب الداخلي، ويمنع أوعلى الأقل يؤجل، بناء الفكر الموحد المستوعب لهذه الثنائيات في سياق تكاملي لا تقابلي. وإن القران كله خطاب عقل وفكر وتدبر واعتبار وسنن وآيات، مما بإمكانه أن يؤسس معرفة برهانية وعقلانية سننية، كونية وإنسانية بما في ذلك قضايا الإيمان والاعتقاد الصرف. ويحتاج في هذا السياق إلى تحرير الثنائيات من الصراع التاريخي والمعاصر، بين الجوهر المادي للفلسفة الغربية قديمها وحديثها، وبين جوهر الفلسفة الإسلامية الغيبي، الذي كان سببا رئيسا في ظهورها وبنائها بناء معرفيا ذاتيا وفق منهج تتكامل فيه مصادر المعرفة (نصا وعقلا وواقعا)، حيث بالإمكان استيعاب أطروحات الغرب وتجاوزها.

من جهة أخرى، أسس تصنيف العلوم المتقدم إلى التمييز بين العقيدة وأحكامها، باعتبارها إطارا مرجعيا. وبين السلوك والمعاملات أوالشريعة وأحكامها، وبين الفكر وتأملاته ونظراته. فبدت الأعمال والأفكار وكأنها مستقلة ولا علاقة لها بأطرها العقدية الموجهة، فنمت في الأمة وشاعت مظاهر الإرجاء والجبر والتعطيل والتواكل والسلبية … ما تزال تشتغل في الأمة فكرا وسلوكا بصيغ وأشكال مختلفة إلى الآن (فهناك مرجئة جدد، وجبرية جدد، ومعطلة جدد ، وسلبية وتواكلية وانتظارية ضاربة الأطناب). ويحتاج في هذا السياق كذلك إلى وصل الفكر والعمل، كل الفكر والعمل، بالمقومات العقدية والإيمانية لكونهما كيانان لا ينفصلان فلم يرد الإيمان في القرآن إلا مقرونا بعمل، وكل صفات ” الذين آمنوا”، أعمال بالفكر والقلب والجوارح. وإلى الاشتغال على تحرير العقيدة المؤطرة للفكر والعمل ، من كل دواخلها وشوائبها الكلامية والخرافية البدعية عبر التاريخ. بما يسمح لها أن تكون منطلقا وقاعدة للرؤية الكلية للإسلام عن الإنسان والكون والحياة. وذلك ببنائها على القطع لا الظن والمحكم لا المتشابه، كما يعرضها منهج الهيمنة والتصديق القرآني. وأن تحسم بالبحث والدراسة كثير من الإشكالات العقدية.

كتلك المتعلقة بمبدأ ختم النبوة وإكمال الدين بمحمد  والتراث المتعلق بعودة المهدي والمسيح، وكتلك المتعلقة بمبدأ حجب الساعة حتى على النبي  نفسه وكونها لا تأتي إلا بغثة، والتراث المتعلق بأشراطها الكبرى والصغرى، وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى تمحيص وبحث.

3- الإشكال الثالث هنا، يتجلى في كون التحديات القائمة بوجه الأمة الآن، تحديات جماعية أكثر منها فردية وميدانية أكثر منها نظرية. وعلومنا كما هي بطابعها النوازلي الفردي والنظري التجريدي الغالب، مادة ومنهجا، لا تسعف في مواجهة هذه التحديات وتقديم الإجابات اللازمة. وإذا كان الأصل في الأصلين (أصول الفقه وأصول الدين) وضع القواعد العملية للفقه والفكر. نجد أن الفقه نجح في أن تكون له أصول، لولا أن اغتالها التجريد لطروء الدخيل المنطقي الصوري عليها. أما الفكر فلم ينجح علم الكلام في أن يضع له أصولا، لا عملية ولا نظرية. خاصة تلك التي تنبني على كليات مفاهيمية هي تكاليف جماعية للأمة. وفي اعتقادي أن التحديات التي تواجه الأمة كأمة، لا يمكن أن ترتفع إلا بالنهوض الجماعي للأمة بتكاليفها كأمة. وهذا أمر لا يسعف فيه الفقه الفردي والجزئي التفريعي على سعته وإحاطته. فلا بد من فقه للأمة يعمل على إخراجها وبعثها، ينبني على أصول فكرية كلية مستوعبة، يكاد حضورها ينعدم في تراثنا الفكري على خطورتها وبالرغم من النكبات والأزمات، وإن كان لهذا الأمر تبريره السياسي، في احتكار السلطة وممارسات كثير من الخلفاء والسلاطين القمعية للخوض في الشأن الجماعي نقدا وتوجيها، فإنه ليس بمانع من بنائه فكريا تأصيلا وتقعيدا. وبالنظر في القران الكريم نجد أنه لم يرد حديث عن الأمة n في الغالب- إلا مقرونا بتكليف جماعي. وتلك التكليفات هي ذاتها أصول تحتاج إلى مزيد بناء واستكشاف وتفعيل على الساحة الفكرية والعلمية، كأصول: الخيرية والوسطية والاستخلاف والتعمير وحمل الأمانة والعالمية والشهادة وغيرها.. وهناك من الآيات والأحاديث ليس فقط مايكفي لهذا البناء، بل ما يفرضه ويوجبه ومايدفع إليه ويحفز عليه، إذ لاسبيل للنهوض الجماعي إلا به.

إننا بحاجة عموما إلى إعادة بناء هذه العلوم، لا من خلال تشكلاتها التاريخية، بل من خلال الأصل الذي انطلقت منه (كتابا وسنة) بالشكل الذي تبرز فيه وحدتها وتكاملها، وتنتفي كل أشكال التعارض والانفصال الزائف فيها، وتبرز تكاليفها وأحكامها الجماعية كما برزت الفردية. وبالشكل الذيتعطي للخلق والحياة معنى وغاية وتنفي عنها كل أشكال العبث والعدمية التي تغذيها فلسفات الغرب المعاصرة الآن والتي أمسى الإنسان فيها كائنا طبيعيا بسيطا تجري عليه القياسات والتجارب الطبيعية ذاتها.

—–

 

د. سعيد شبار

جامعة القاضي عياض كلية الآداب والعلوم الإنسانية -بني ملال

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>