4- معرفة الحقوق والواجبات وأداؤهما بِيُسْر وتلقائية يساعد على الاستقرار الأسري والاجتماعي


 

الأهداف السامية للزواج

إن نظام الأسرة في الإسلام ليس مجرد تنظيم لعلاقة الرجل بالمرأة، وما يرتبط بهذه العلاقة من حقوق وواجبات لأحدِهما، أولهما معا، أولمن يأتي من أبنائهما وأحفادهما. بَلْ إن نظام الأسرة في الإسلام هو جزءٌ  من نظرة الإسلام للخلْق، وللكون، ولمركز الإسلام في هذا الكون، وللهدَف من وجود الإنسان فيه.

لذلك كان النظام الأسري كلاًّ متكاملا، وكان جامعا مانعا : جامعاً لكل أسباب الخير للإنسان والمجتمع، ومانعاً لكل أسباب الشر للإنسان والمجتمع. والناظر إلى مفردات هذا النظام نظرة واعية يقفُ مبهوراً بما يراه من إحْكَام البناء، وتوافُقِ النتائج مع المقدّمات، وتسَلْسُلِ العناصر وتتابُعِها في نسَق بديع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه(1).

وإذا كانت الهجْمات الفكريةالصليبية نجحتْ في إحداث خَلْخَلاتٍ فكرية نتجَتْ عنها تصدُّعاتٌ أسريةٌ واجتماعية -إلى حدِّ ما- على مستوى العلاقات الرابطة بين المرأة والرجل داخِلَ بيت الزوجية، وعلى مستوى الحقوق والواجبات المتداخلة أو الخاصة بكل واحد منهما، وعلى مستوى الأهداف الدنيا والعليا، وعلى مستوى الارتباط بالدين قوةً وضعفاً، وتحْكيمه أو تحْييده، وعلى مستوى الإحْساس بالمسؤولية الدينيّة والخُلُقيةّ تجاه الأولاد والأقارب والأصهار.. إلى غير ذلك من مختلف الهزَّاتِ التي ما كان لها أن تنجح أو تحدِث أثراً كبيراً لولا ما كُنّا عليه، وما نحن عليه لحد الآن من الجمود القاتل في فهْم روح الدين، وروح مقاصِده العليا، إلى درجة انعِدام التمييز بين الجوْهر والشكل، بين الدين والعادات، بين النظر للمرأة على أنها كيان حيٌّ وإنسانٌ مكَرَّم… والنظر إليها على أنها دُمْيةٌ للتلهي والتمتع الرخيص، بين النظر إليها على أنها زينةٌ من زيناتِ الحياة، وبين النظر إليها على أنها خيرُ ما يُكنزُ ويُدّخر لتأسيس الأجيال الناهضة الراضعة لبانَ العزة والمروءة والشهامة من أثداء الصلاح والتقوى والعفة والنبل والحياء من الله والملائكة والناس.

فهذه الهجمات بقدْر ما تهدف إليه من إحْداثِ الشّلل الفكري لدى سماسرة الفكر، وتجُّار المبادئ المغشوشة.. بقَدْر ما تَشُدُّ العزائم، وتوقظ الهِمَم لدى الصّفوة المتجرِّدة لتطعيم أُسَرِ الأمة بالأمْصَال الواقية من العُقْم والجمود والشَّلَل الفكري.. عسَاها تُبصِر الطريق، وتُدْرِك خطورة المزالق.

وإذا كانت الأسرةُ ملاذَ الإنسان أولا وأخيراً، ومحطّ استقراره النفسي والعاطفي، فإن أعْمِدة الأسرة -في الإسلام وعُرف الفطرة السليمة- رجُلٌ وامرأة التقيا على هُدًى من الله عز وجل وبيّنة من نعمة الله تعالى المتجليّة في خَلْق الرجُل لباساً للمرأة، وخلْق المرأة لباساًللرجل، فتلك الملابسة الموَثّقة بشرع الله، والمباركة برضوان الله أعظم نعمةٍ لمَنْ تدبّر وشكر {ومِن آيَاتِهِ أنْ خَلَقَ لكُم من أنْفُسِكُم أزْواجاً لتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مودَّةً ورحْمةً إنّ في ذلك لآياتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون}(الروم : 21).

فما هي الأهداف الكبرى للزواج؟

يأتي على رأس الأهداف :

1) تصريف الطاقة الجنسية في مسارب البناء والتعمير : فالطاقة الجنسية شيء مذْخُورٌ في الإنسان لاستمرار النسل البشري {الذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِن طِين ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ من سُلاَلَةٍ من مَاءٍ مَهِينٍ}(السجدة : 7) فهذه الطاقة قوة كامنة جارفةٌ لا قِبل للإنسان بقمْعها أو رَدْعها، لأنها مخلوقة لغاية نبيلة، ولذلك أحْدث لها الإسلام مسارِبَ شرعية تصرف فيها لتكون وسيلة بناء، وطاقةَ خير، وعامِل إسعاد وفرح وسُرور، فكان الحثُّ على الزواج، والحث على الممارسة الجنسية الشرعية >وفِي بُضْعِ أحَدِكُم صَدَقة<(2)، وكان الحث على التناسل وكان الحث  على تحمُّل المسؤولية التربوية تعليماً وإصلاحاً ورعاية، وتوجيها، وكان الدّعاء في النهاية لمباركة الأسرة {ربَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزْوَاجِنَا وذُرِّيَاتِنَا قُرَّة أعْيُنٍ واجْعَلْنا للمُتَّقِينَ إمَاماً}(الفرقان : 74).

وإذا كان الإسلام لا يُقر أية علاقة بين رجل وامرأة إلا في الإطار الشرعي فإنه حثّ على تيسير أمور الزواج بإزالة كافة العوائق المادية والمعنوية من طريق الزواج، وإلا فعلى المجتمعات المُصَنِّعَة للعوائق المادية والقانونية والعرفية أن تتحمل عواقب الانهيار الخلقي، والتساقط العائلي الماسخِ للكرامة والمُذِل للعزة والسُّمعة.

2) تحقيق السكن والمودة والرحمة : إن اللقاء بين الرجل والمرأة ليْس -كما يفهم الشهوانيون- لمجَرّد إطفاء حرارة الغريزة الجنسية، فإن ذلك ليس غاية حتى عند الحيوان، ولكن الزواج هو لقاء بين الرجل والمرأة لتصريف الطاقة الجنسية من أجل الإنْباتِ والإثمار، ثم هو فوق ذلك وبعد ذلك البحث عن الراحة النفسية، والاستقرار الوجْداني الذي لا يجده الرجل إلا في قلب امرأة متحصنة عفيفة تقاسمه الاهتمام والمشاعر، ولا تجده المرأة إلا في قلبِ رجُلٍ واعٍ مخلص عطوف حنون يبادلها الحُبّ بالحُبِّ والإكرام بالاكرام، ويُقَابِل الإبداع بالشكر والتقدير، والهفوة بالتسامح والغفران، والجهل بالتعليم، والاعوجاج بالتوجيه، والنصح بالقبول. وتلك نعمة لا توجَدُ عند بائعات اللذائذ والشهوات، ولا عند المشترين لها من ذُكُورِ أشْباه الحيوان.

فالتحصين والإعفاف لا يوجدان إلا في الزواج قال تعالى : {هُنَّ لِباسٌ لكُمْ وأنْتُم لبَاسٌ لهُنّ}(البقرة : 85)، وقال  : >يا مَعْشَرَ الشّبابِ : من استطَاع منكُم الباءة فلْتَيَزَوَّجْ، فإنَّهُأغَضَُّ للْبَصَرِ، وأحْصَنُ للْفَرْجِ، ومن لمْ يَسْتَطِعْ فعَلَيْهِ بالصَّوْمِ فإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ<(الشيخان وغيرهما).

فإن كلمة >أغَضّ للبَصَر<  تحمل دلالةً كبيرةً، لأن غض البصر معناه غَضُّ بصَرِ القَلب، وبَصَر الشهوة والتطلع قبل غض بصر العين، ولذلك كان الزواج علاقة روحية ونفسية دائمة فوق العلاقة الشهويّة المادية القصيرة المَدَى، وذلك هو التمازُج المفهوم من التلابُس {هُنَّ لِبَاسٌ لكُمْ وأنْتُمْ لبَاسٌ لهُنّ} قال الغزالي في فوائد الزواج : >في الزواج إراحة للقلب وتقوية له على العبادة، فإن النفس ملول، وهي من الحق نفور، لأنه على خلاف طبعها، فلو كانت المداومة بالاكراه على ما يخالفها جمحت وثارت، وإذا رُوحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت، وفي الاستئناس بالنساء من الراحة ما يزيل الكرب، ويروح عن القلب، وينبغي للمتقين استراحات بالمباحات، ولهذا قال تعالى في شأن الزوجة {لِيَسْكُنَ إِلَيْها}(الأعراف : 188)(3).

3) ابتغاء النسل والولد : فالإنسان السويُّ يحْرِصُ على أن يكُون له ولَدٌ يحمل اسمه من بعده، ويُخلِّد ذكره بالعمل الصالح، ويكون خير عَوْنٍ له في الكِبَر قال تعالى : {والَّلهُ جَعَلَ لكُم من أنْفُسِكُمْ أزْوَاجاً وجَعَلَ لكُم مِنَ أزْوَاجِكُمْ بَنينَ وحَفَدةً ورَزَقَكُمْ مِن الطَّيِّبَاتِ أفَبِالْبَاطِلِ يُومِنُون وبِنِعْمَةِ اللَّه هُمْ يكْفُرُون}(النحل : 72)، قال  : >تزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُمَم<.

4) أداء الوظائف المتبادلة بين الرجل والمرأة : قال تعالى : {ولَيْس الذَّكَرُ كالأُنْثَى}(آل عمران : 36) لا من حيثُ التكوينُ الفسيولوجي، ولا من حيثُ المؤهلاتُ التي زَوَّدَ الله تعالى بها كُلَّ واحدِ منهما ليكون منسجما مع الآخر ومكمِّلاً له. فالحمْلُ والوضْعُ والإرضاع والحضانة من أولى وظائف الأنثى، يقابلها الإنفاق والرعاية والحماية التي هي أولى وظائف الذَّكَر المقدِّر للمسؤولية.

حـقـوق الـمرأة

أ- حق الموافقة على الشريك :

إذا كان الزواج شراكة دائمة بين الرجل والمرأة لتأسيس أسرة صالحة لها دورٌ كبيرٌ في بناء المجتمع السليم فمن المستحيل أن تَدُوم العشرة وتستمر في أجواء مرْضية إذا قامت من أول مرّة على أُسُسٍ مغشوشة.

ولذلك كفل الإسلام للمرأة حقَّ التعْبير عن رأْيها في الشريك الراغب في الارتباط بها، سواء بالرفض أو بالقبول. فعن أبي هريرة ] أن النبي  قال : >لا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُسْتأْمَرُ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حتَّى تُسْتَأْذَن< قالوا : يا رسول الله، وكيف إذنُها؟! قال : >أنْ تَسْكُت<<(البخاري ومسلم) وفي بعض الروايات : >وإذْنُها صُمَاتُها<.

قال الإمام ابن القيم >ثَبتَ عنهُ في الصحيحين أن خنْسَاءَ بنْتَ جذام زوّجَها أبوها وهي كارهةٌ -وكانت ثيّبا- فأتَتْ رسولَ الله  فردّ نِكَاحَها.

وفي السُّننَ من حديث ابن عباس ] أن جاريةً بِكْراً أتَتْ النبيّ  فذَكَرَت أن أبَاهَا زَوَّجَها وهي كارهَةٌ، فخيَّرها النبي  وهذه غيرُ خنساء، فهُما قضيتان، قضَى في إحداهُما بتخْيِير الثّيّب، وقضَى في الأخرى بتخْيير البكْر.

وموجب هذا الحكم : أنه لا تُجْبَر البِكرُ البالغٌ على النكاحِ، ولا تُزَوَّج إلا برِضَاها. وهذا قول جمهورِ السّلف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القولُ الذي نَدِينُ الله به، ولا نعتقدُ سواه، وهو الموافقُ لحُكم رسول الله  وأمْرِهِ ونهْيه، وقواعِد شريعته، ومصَالح أمَّتِه<(4).

أما مسألة الولي الذي قال فيه رسول الله  : >لا تُنْكَح إلا بِوَلِيّ< فإنّ دَوْره ينحصر في التقدُّم أمامَ المرأة تشريفاً لها وتكريماً، ونصحاً لها، وترغيباً لها إذا كان الزوج صالحاً على حسَب ما يراه- ولا يتعدى ذلك إلى إجبار المرأة وإكراهها على قبول الزواج بدون رضاها، إلا في حالة السَّفَه وخَوْف الفِتْنة عليها، فإن الولىّ آنذاك يُمكنُه أن يتصرَّف التصرف اللائق بمصلحة المرأة، كالقاضي الذي له حق الإجبار في حالة السفه والخوف على المرأة.

قال ابن العربي الفقيه المالكي المشهور في قوله تعالى : {إنِّيَ أُرِيدُ أنْ أنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ علَى أن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حَجَج}(القصص : 26) المسألة الحادية والعشرون : >مسألة تزويج البكر من  غير استئذانها< هذا -أي {إنّى أُريد أن أُنْكِحك}- دليل على أن الأبَ يُزوّج ابنتَه البكرَ من غير استِئْمَارِ -قاله مالك- واحتج بهذه الآية، وهو ظاهر قوي في الباب .

وبه قال الشافعي وكثير من العلماء.

وقال أبو حنيفة : إذا بلغت الصغيرةُ فلا يزوجها أحد إلا برضاها، لأنها بلغت حد التكليف.

قال : والحديث الصحيح : الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليّها.

والبكر تُسْتَأمرُ في نفسها واذْنُها صُماتُها، وفي رواية : الأيّمُ واليتيمة تُسْتأْمرُ في نفسها.

ثم قال : واحتجاج مالك بهذه الآية يدُلُّ على أنه كان يُعوِّل على الاسرائليات، وفيها : >أي الاسرائليات- أنهما كانتا بكرين -أي بما أنهما بكران يجوز تزويجهما بغير استئمار ولا استشارة-.

إلا أن ابن العربي قال بعد ذلك : وكذلك يقال : إن أباها لما قال : {إنِّيَ أُرِيدُ أنْ أنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} فأشَار إليْهِما كان هذا أكْثَر من الاسِتئمار أو مثْلِه، فإنّ الكَلاَم مع الإشارةِ إليها بضَمِير الحَاضِر إسْْماعٌ لَها(5).

إن تناوُل فقيهنا لمسألة حق البنت في اختيار الشريك في وقت ساد فيه الجهل، وعَمَّ  التجهيل للمرأة.. بشيء عظيمٍ من الاستنباط الذكّيّ النيِّر من النصوص، يدُلُّ على مقدار ما كان يتحلَّى به فُقَهَاؤنا من التقوى والنورانية المغترفة من مشكاة الوحي ونور النبوة. بدون تقليد أعْمَى للمذهب المُقْتَدَى به.

إلا أن الذي ينبغي التنبُّه إليه في معرض موافقة المرأة أو رفضها هو : هَلْ ترفُضُ أو تُوافق بدُون معرفة بالشخص الذي جاء يخطب رغبة في تأسيس شراكة أسرية؟!

إذا كان الرسول  قال للمغيرة بن شعبة -عندما ذكر له أنه سيخطب امرأة- : >اذْهَبْ فانْظُر إلَيْها، فإنَّهُ أجْدَرُ أن يُؤْدَمَ بَيْنَكُما<(الترمذي وغيره).

وإذا كان محمد بن مسلمة قال : خطبتُ المرأة، فجعلتُ اتخبّأُ لَها، حتَّى نظرتُ إليها في نخْلٍ لَها، فقيل له : >أتفعلُ هذا وأنْتَ صاحبُ رسول الله ؟! فقال : سمعتُ رسول الله  يقول : >إذَا ألْقَى اللّه في قَلْبِ امْرئِ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فلاَ بَأْسَ أن ينْظُر إليها<(صحيح ابن ماجة).

إذا كان هذا بالنسبة للرجل الذي منه يكون البدْءُ في الرّغْبة، والرغبة لا تتأتى إلا بعد توفر شروطها من : إعجاب بالصورة والمنظر، وإعجاب بالخُلُق المحسوس أو المسموع والمخبَر، وإعجاب بالثقافة أو الأسرة أو حسن التدبير وحُسْن الأدب والالتزام إلى  غير ذلك من المرغّبات والمحفّزات.

إذا كان هذا بالنسبة للرجل فهل يمكن أن تتصوّر الطرف الثاني يستجيب ويقبل بدون أن يكون له إلمامٌ كافٍ بالرجل الراغب، أي بالمُحسِّناتِ التي تدعو للاستجابة، وتدعو للقبول بالرضا المطلوب؟!.

إن هذا لا يمكن أن يتم إلا بمعرفة المرأة -أيضاً- للرجل الذي يرغب في الاقتران بها، ما صورته ومنظره؟! ما ثقافته؟! ما خُلُقه؟! هذا كله من حق المرأة أن تعرفه إما عن طريق العائلة إذا كان قريبا من عائلتها، وإمّا عن طريق المدرسة أو الجامعة، وإما عن طريق الاختلاط في مؤسسات الخِدمة والوظيف، وإمّا عن طريق السؤال عنه، وإمّا عن طريق التعرف عليه بواسطة طرف ثالث يسعى -في صدق- لتأسيس الأسر على الخير والمعروف والصلاح…. فالمُهم : أن للمرأة الحقّ في القبول أو الرفضالمؤسَّسَيْن على المعرفة الضرورية بالجانب الآخر، فهذه كلها أشياء تدخل في باب الاستشارة الشاملة، والتي لا بُدّ أن تُتوّج في النهاية بـ : >الاسْتخَارة< أي تفويض الاختيار في الأول والأخير لله تعالى.

والذي يؤخذ من قصة بنْتَيْ صَالح مدين مع موسى عليهم السلام جميعا :

أ- هو أن زوجة موسى \ رَأتْه وعرَفتْ قوته وأخلاقه من خلالِ السقي لها هي وأختها، ومن خلال المشي معها في الطريق الخالية مسافةً كافيةً لمعرفة المعدن الأصيل.

ب- أن موسى \ رأى زوجته واسْتَكْنه معدنَها ونفاسة أصالتها من خلال مشْيها على استحياء، وكلامها الفصيح الواضح الناضح بالصّدق والإحسان للمُحْسن.

جـ- جَوازٌ اختلاء الأجنبيّة بالأجنبيّ في وقْتِ الضرورة، فالرجلُ الصالِحُ لم يكن له رجلٌ يقوم بشؤونه ويُرْسله وراء موسى \، ولذلك كانت بنتاه ترعيان وتسقيان بين قومٍ غلاظ الأكْباد، لا يقيمون للمرأة وزناً.

د- جوازإفصاح المرأة عن رأيها، أمام أبيها أو أخيها أو أمها، فما بالك بالقاضي أو الحاكم، وسواء كان في الشأن العام أو الشأن الخاص.

هـ- جواز شهادة المرأة بالحق، وذِكْرها أوصاف الرجل الجميلة التي لَفَتَتْ انتباهها، والذي أعجبها في موسى \ شَهامَتُه التي دفعتْه إلى السّقي لها ولأختها وسط رجال محتقرين لهما، فهي شهامة رحيمة. ثم قُوّتُه المادية والمعنوية حيثُ رفع الغطاء عن البئر بقوة بَدَن، وبشجاعة نفس لا تبالي بالآخرين. ثم خُلقه الذي تجلى في انعزاله، وعدم تكليمها في الطريق بما ينبئ عن شعور الرجل المريض إزاء المرأة.

فكل ذلك جعلها تقول في جرْأة فطرية سليمة {يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إنّ خَيْرَ منِ اسْتَاجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ}.

وهذا لا يدُل على الرضا به زوجا فقط، ولكن يدُلُّ على ما فوق الرضا، وهو الاعجاب بالشهامة والعفة والقوة، زيادة على حُسن الصورة طبعا التي وهبها الله تعالى للأنبياء والرسل عليهم السلام.

ولهذا فلا معنى ـأبدا- أن يقال : إن الرجل الصالح زوَّج بنته بدون أخْذِ رأيها، فرأيُها عُرف من قولها، ومن إعجابها. واللبيب بالإشارة يُفهم.

—–

1- انظر : زواج فريند ومقاصد بناء الأسرة في الإسلام للدكتورة روحية مصطفى أحمد الجنش في مجلة : الأحمدية العدد التاسع عشر ص 136.

2- أخرجه مسلم كتاب الزكاة رقم 52، وأبو داود في صدقة التطوع وغيرهـما.

3- الزواج الإسلامي السعيد ص 43.

4- زاد المعاد 2/4.

5- أحكام القرآن لابن العربي 1465/3 وما بعدها. قال بعد ذلك : >يخْرُجُ من الآية مسألة الاكتفاء بصَمْتِ البِكْر، وهو في حديثِ محمد  ظاهِرٌ، وفي شَرِيعَة الإسلام أبْينُ مِنْه في شَرْعِ موسى \>.

ذ.المفضل فلواتي

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *