يوم بلا رجال .. في كلية الإمام للبنات بالرياض


 

كان الوفد المغربي الثامن والتاسع المكون من اثنين وخمسين فردا منهم رؤساء الجامعات وعمداء الكليات والأساتذة والأكاديميون والاعلاميون والمثقفون على موعد مع فرصة ثمينة أغنت المعارف لدى الكثيرين وأشبعت حب الاستطلاع عندهم خلال زيارة للديار السعودية مدة خمسة عشر يوما من السنة الجارية في حفاوة وتكريم بالغين حيث اطلع الوفد المغربي على مختلف جوانب الحياة الجديدة بالسعودية . وكم كان الاعجاب ممزوجا بالدهشة والإكبار حينما تعرفنا عن كثب على التقدم العظيم الذي حققته الشقيقة السعودية في مختلف مناحي الحياة العلمية والاجتماعية والثقافية مما يعجز القلم عن رصده واللسان عن وصفه ودعانا إلى تصحيح بعض المفاهيم التي لم تكن إلا صنع المخيلة.

صبيحة يوم من أيام الضيافة الكريمة، كان وفد الرجال على موعد مع ندوة أدبية بجامعة الإمام بالرياض، واقترح علينا نحن النساء وكنا تسعة أن نزور كلية البنات.  حين وصلنا استغربت لأنني لم ألمح مستقبلات بالباب و رأيت فقط حراسا خارج أبواب الكلية .

دلفنا وأنا أتفحص المكان، فلم أعثر للنساء على أثر، وما كدنا نجتاز المجاز الخارجي حتى وقعت عيني على طالبات في مقتبل العمر وأستاذات جامعيات في استقبالنا تتقدمهن وكيلة الكلية والعميدة . كان الاستقبال حارا والحفاوة بالغة أدركت أنهن كن مستعدات تمام الاستعداد للزيارة من خلال وجبة الغذاء الفاخرة التي كانت في انتظارنا ببهوالكلية . بعد أن قضت النساء واجب الضيافة بالقهوة العربية والتمور النادرة تمت مراسيم التعارف بيننا كانت قراءات شعرية قامت بها طالبات يافعات حيث تقدمن إلى منصة الإنشاد واحدة تلو الاخرى . حمدت الله في سري على أنني لا أحمل من الشعر الا زادا روحيا متوضئاً  بالكلمة الطيبة ذلك أن الشواعر لم يلغين ولم يرفثن في شعرهن ولميتغنجن ولم يقلن إلا شعرا ساميا يعلو كعبه عند الله بإذنه تعالى . بحثت في ما سمعت عن الكلمة النابية والصورة العارية في أشعارهن فلم أجدها . وكانت إحداهن تقرأ مناجية روح والدها المتوفى طالبة « إماما يرشدها ويقود خطاها على النهج السوي ففاضت عيناي بدموع التأثر وأنا أقول في نفسي : ما زالت الدنيا والشعر بخير.

ومما قالته الشاعرة جوهرة آل جهجاه :

أبغي إماما يقوي درع إيماني

أبغي إماما يجليـني بأستاري

لا يسهر الليل عندي غير أقلامي

ولا مع الصبح غاد غير أذكـاري

بعد وجبة الغذاء أخذتنا الوكيلة صحبة الاستاذات في جولة لمرافق الكلية التي كانت غاية في النظام، وأثناء الجولة تسمرت قدماي أمام لافتة كبيرة كتب عليها نظام المؤسسة ومنه :

– لا يسمح للطالبات أن يلبسن اللباس المفتوح أيا كان ولو كان يسيرا.

– عدم لبس القصير أو الضيق أو الشفاف .

– ضرورة الالتزام باللباس الشرعي أثناء الدخول والخروج .

– عدم جلب الاشياء المخالفة للشرع والآداب مثل الصور والأشرطة وآلات التصوير.

– عدم نمص الحاجبين……..

كانت الطالبات والاستاذات يرتدين ثيابا عصرية أنيقة وقد اعتنين بمظهرهن غاية العناية .ويبدو أن أجمل الثياب عندهن يلبس داخل الحرم الجامعي إذ لا حرج في التأنق بينهن. لكنني لمحتهن عند المغادرة يسارعن إلى وضع النقاب ولبس العباءة فلا يبدو منهن شيء,  قلت في نفسي : ما أعظم المفارقة! هنا تتجمل المرأة وراء الجدران  وفي مناطق أخرى من العالم الاسلامي تتجمل خارج الجدران . بل يُدَافَعُ عن العري والتبرج, وتساءلت،  هل يفترض أن تتجمل المرأة لنفسها وأمام قريناتها ؟ أم للغرباء؟

كان أيضا مما أثار استغرابي وإعجابي أن أعلم أن الطالبات يتلقين بعض المحاضرات من أساتذة رجال عن طريق مركز البث التلفزي الذي تتوفر عليه الجامعات السعودية …علق بعد ذلك أحدهم : وهل يفترس الأستاذ الطالبات ؟ علقت إحدانا « ألا يتم فعلا هذا الافتراس في التعليم المختلط الذي كان من أسباب تردي الأخلاق والقيم وتدني المستويات وإصابة المتعلمين بعقد نفسية؟ ».

ما الضرر في أن تنفرد النساء بحياتهن الخاصة دون حضور الرجال؟ وأي إضافة نوعية يمكن أن يضيفها الرجال مختلطين بالنساء في التعليم وغيره ؟ وقد أعطت كلية الإمام للبنات بالرياض وكلية أم القرى بمكة المكرمة نموذجا رائعا في الريادة والقيادة التي يمكن أن تبرز فيها النساء . كما أدركت بعض الدول الغربية الحكمة من الفصل بين الجنسين في التعليم فعادت اليه .

هكذا قضينا يوما بلا رجال . كان يوما عاديا …ممتعا …منفردا عن باقي أيام حياتي أحسست بدفقهً روحية ربانية سامية وكنت بين الحين والآخر أطرق إطراقة الغبن لأتصور حفلات ومدارس وشواطئ للنساء فقط …ما الذي يمنع المرأة من أن تمارس هذا الحق ؟ أليس ذلك أبسط حق من حقوقها وهي التي ينادى   بتكريمها لكن بأي طريقة وعلى أي قياس ؟

للإشارة ففي المدن السعودية التي زرناها لم نر النساء في الشوارع يزاحمن الرجال بالمناكب . وإن خرجن فإنهن لا يخرجن الا بعد الغروب مع الازواج والابناء . ولم تقع عيني إلا على مشاهد الحياء والحشمة والوقار والعفة . حين زرنا المراكز التجارية الكبرى بالرياض ونحن نلبس حجابنا المألوف نضيف إليه عباءة سعودية سوداء فضفاضة رفض بعض التجار أن يبيع لبعضنا قائلا :انصرفن وإلا تعرضت لكن (الهيئة ) يقصد هيئة الامر بالمعروف . هذا بالضبط ما أشعرني بالخجل داخل كلية الامام للنساء لأنني على حجابي كنت بالنسبة للنساء -حقيقة- دون حجاب …

ذة.أمينة المريني

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *