عودة إلى الـتراث


إن شخصية أي أمة من الأمم تنبني من ذلك الكم الهائل والمتشعب من المعارف والعلوم والإبداعات والاعتقادات والأفكار التي يصطلح عليه باسم “التراث”. وبدونه أو تجاوزه تنمحي شخصية الأمة وتذوب في خضم ثقافات متنوعة، قد لا تنسجم مع ما تبقى من ملامح تراثها وثقافتها، فتسقط في فقدان الحس النقدي الذي يجعلها لا تستفيد من الماضي ولا تفهم الحاضر ولا تعي كيفية استقبال المستقبل..وتراث الأمة الإسلامية يمتد في الأرض طولا وعرضا، ويتنوع كما وكيفا بتنوع مجالاته واهتماماته، ويختلف عمقا وسطحية وإبداعا وتكرارا حسب طبيعة العقلية التي أنتجته، وقربها أو بعدهـا من ثوابت الأمة ومقوماتها المستنبطة من أصليها : القرآن والسنة . وتراث بهذا الحجم والسعة لاشك في إسهاماته الوافرة في بناء الحضارة الإنسانية في مختلف المجالات من طب وفلك ولغة وتاريخ وقانون واجتماع وغير ذلك، فهل نعدم فيعمقها ما نقوم به شخصيتنا الحضارية المتسربة منا؟؟

ومن خلال ما ينتجه البحث في  التراث من دراسات وأبحاث وتحقيقات نجد أنه يعرف تثبيطا للعزائم مستفحلا في مختلف المجالات، باعتبار أن هذا التراث من زمن مضى وانتهى عهده ، وأنه قد يقف عائقا أمام أي تغيير أو تطور نبتغيه للأمة، وغير ذلك من المثبطات التي تعبر عن تضخم وتعميم وتبعية. ومن هنا تأتي مشروعية التساؤل، إلى جانب المجهودات الإسلامية الأخرى، عن دور التراث في إعادة بناء تشكيل حاضر الأمة بعد فهمه وغربلته ونقده،خاصة وأن جميع الباحثين،  المحسوبين على الأمة أو من خارجها, يعترفون  بأهميته في تشييد صرح حضارتها، بل المساهمة في تشييد الحضارات الإنسانية، وعن مسؤوليته في ترشيد الذات وإمكانية انخراطه في الحياة السوسيو-ثقافية، وفي الحياة السوسيو- اقتصادية أيضا، بوصفه عبّر في جوانبه الإيجابية عن كفاءة وحضور ونفع وإشراق في كل المجالات الحياتية والحضارية التي عاشتها الأمة .وهذه الاستفادة لا تتم على مستوى الرصد السطحي لمكونات التراث، أو الإسقاط القسري لبنياته ومختلف مفاهيمه، وإنما يجب أن تتم عبر تقديم مفهوم متجدد ينطلق من جدية استقراء الواقع الحقيقي الذي يعيش المسلمون اليوم تحت زخمه، ويستجيب للتحديات الحضارية الحاضرة التي تحاول أن تشكك الإنسان المسلم حتى في أبسط معتقداته وسلوكياته. كما يجب أن تتم أيضا عبر رصد التحولات الجارية في فهم حقيقة التراث، والكشف عن قدراته الإيجابية في بناء الإنسان الحضاري الفاعل والمساهم في بناء حضارته وتحقيق التوازن بينها وبين الحضارات الأخرى، والقادر على تفعيل طاقاته ومواهبه وقدراته، وتوظيف إمكانياته المختلفة في النهوض بالأمة لتسترجع مكانتها الطبيعية في قيادة البشرية نحو الخير والعدل والفضيلة.

———–

1- من بحث مفصل حول التراث .

دة.أم سلمى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *