النورسي وفقه الدعوة


إن “إنقاذ الإيمان” الذي جعله النورسي محور تفكيره في رسائله ومؤلفاته كان يعني عنده التقاء الأعداء ومواجهتهم في قلب المعركة، ومحاصرتهم في المكان نفسه الذي اختاروه لحشد قواهم وقدراتهم وإدارة معركتهم، لأن معاولهم وفؤوسهم كانت موجهة بالأساس ومباشرة إلى الإيمان وجذوره وأصوله في وجدان الأمة وتراثها الروحي والفكري، ومن يطلع على ما يسمى ب”دائرة المعارف التركية” المؤلفة في زمن الكماليين، وينظر إلى ما كُتب في لفظ الجلالة “الله” يكاد يصعق لهذه الجراءة الوقحة، ولهذا الجهل الأعمى الذي أُريد إلباسه لباس العلم.

لذا كان من همّ النورسي تعزيز ثقة الأمة بإيمانها بالله تعالى، وتوثيق هذا الإيمان وتقويته بالأدلة التصديقية القائمة في الكون والحياة والانسان، وتحطيم الربوبيات الكاذبة التي طُلب من الأمة أن تستبدل بها عقيدتها في الاله الواحد الأحد، كالطبيعة والصدفة،وأمثال هذا الجهل المركب الكثير الذي قُدم للأتراك مقرونا بالعقلانية والعلم والتقدم والمدنية.

فالتشويش على “الإيمان” وإثارة الشكوك حوله يفضي ـ كما هو ملاحظ ـ إلى هدم الأساس الذي يقوم فوقه صرح الأمة وبناؤها المتماسك، وإلى زعزعة ثقتها المطلقة بالشريعة وأحكامها وعدالتها التي ظلت تحتكم إليها في شؤونها الحياتية عبر قرون مديدة.

فالإيمان هو لب الشريعة وجوهرها وقوام حياتها ووجودها، وحين يضعف الايمان أو يختفي، يستهين بها الناس، ويديرون ظهورهم لها، وتقل أو تنعدم استجاباتهم لها، وانصياعهم لحكمها، وربما انزلقوا إلى حد إشهار السيوف في وجهها، وما أمر “الردة” والمرتدين في زمن أبي بكر الصديق ] بخاف على أحد، وما أمر الردات اليوم في أماكن مختلفة من العالم الاسلامي بخاف على أحد كذلك.

وبالعكس من ذلك، فكلما زاد الايمان وعمق في وجدان الأفراد والمجتمعات، كان استسلامهم للشريعة وخضوعهم لها، واستجابتهم لأمرها في غاية السهولة، حتى ليستعذب الناس أحكامها مهما ظنوا بها المرارة، ويقبلون ما تفرضه عليهم من حدود إيمانا واحتسابا مهما بدت لهم شديدة وقاسية، وحتى ليستقبل أحدهم الموت راضيا مطمئنا لعلمه أنه السبيل إلى تطهيره مما اقترفه من إثم ليكون مقبولا عند الله تعالى.

والايمان… والايمان العميق وحده هو الذي حمل تلك المرأة المؤمنة لكي تأتي الرسول  وتنادي على ملأ من الناس :

(طهرني يا رسول الله)، وهو يعرض عنها، حتى كررت ذلك ثلاثا فقال لأصحابه : أتعهدون في صاحبتكم الجنون؟ قالوا : لا.

فلما اطمأن إلى عقلها، واعترفت بما في بطنها أنه ثمرة فعلها الشنيع، قال لها  : انصرفي حتى تضعي ما في بطنك.. فغابت زمنا ثم عادت تحمل طفلها بين يديها، فقال لها : اذهبي حتى تفطميه… فغابت زمنا ثم عادت تحمله وبيده كسرة خبز يقضم منها، وعندئذ أمربها فرجمت. ولما سبَّها خالد بنالوليد ] وأقذع في سبها، قال له الرسول  : على رسْلِكَ يا خالد، فوالله لقد  تابت توبة لو قسمت على أهل الارض لوسعتهم، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه.

فتنفيذ شرع الله تعالى، وإقامة حدوده يتطلب إيمانا عظيما فيمَنْ يقع عليه الحد، وفيمن ينفذ هذا الحد. فالجلاد الذي يقيم حد الموت ـ أو أي حد آخر دونه ـ ينبغي أن يتجرد لحظة تنفيذ الحكم من أي شعور بالكراهية والحقد أو الرغبة في الانتقام وأن يقدم على عمله بنية أنه أداة بيد الشرع الالهي ليس إلا.

أما حين يُنزِلُ العقاب بالضحية وهو مشحون با لكراهية والحقد والرغبة في الانتقام فإنه يتحول في هذه اللحظة الحرجة والحاسمة إلى قاتل بالنية يُعاقَبُ على فعله يوم القيامة.

“فالنورسي” رحمه الله ينبهنا إلى هذه الشعرة الرفيعة ـ التي قلما ينتبه إليها أحد ـ التي تفصل بين أن يكون الجلاد قاتلا يُقْتَصُّ منه يوم القيام، وبين أن يكون أداة طيعة بيد الشرع يُثاب على فعله.      د.أديب الدباغ-تركيا

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *