تأملات إيمانية : حكمة ظاهرة التكرار في العبادة


من حكم ” ظاهرة التكرار ” في حياة الإنسان خاصة : هي أنها قانون من قوانين الكون وهو مغروز في أعماق وجدان الوجود ذاته. ألا ترى أن الحياة أينما تلفّت  أزواج :

فهي شهيق وزفير، وليل ونهار، وصحة ومرض، وفقر وغنىً، وعلو وسفل، وجهل وعلم، وقوة وضعف، ونصر وهزيمة، وربح وخسارة، وذكر ونسيان، وكفر وإيمان، وحق وباطل، وفضيلة ورذيلة، وخير وشر، وسلام وحرب، وحب وبغض، وجمال وقبح، وموت وحياة.. وهكذا إلى ما شاء الله.

والحياة سلسلة لا تنتهي من الوعي والغفلة، من الذكرى والنسيان، فكل لحظة من لحظات الحياة تتخللها ظاهرتا الذكر والغفلة. فلابدّ للمرء إذن أن يكثر من مساحات الذكر ويضيق من مساحات الغفلة في نفسه، إذ هكذا هي طبيعة النفس : تذكر وتنسى، وتنسى وتذكر.. فإذا ما تركتها وشأنها يغلب عليها النسيان وينمحى فيها الذكر.

هنا يكمن الخطر كل الخطر على الإنسان المكلّف المشّرف بحقيقة الذكر وفضيلته، بل لعله لم يخلق إلاّ ليعلى مجد الذكر ويرفع قواعده كما كان سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان قواعد الكعبة وهما يدعوان ربهما ويبتهلان إليه في وادٍ غير ذي زرع ليكون بيته المحرم مثابة للناس وأمناً.

أليس إذن من الضروري حقاً أن يعيد المرء النظر في، أقواله وأفعاله حتى يبلغ حدّ التوازن المطلوب من حالاته والتزاماته ؟

ثم إن التربية أساس من أساسيات حياة الإنسان في كل حال، وهي تتطلب منه أن يؤدي مهمته فيها. فلولا ظاهرة التربية لما تغير شيء في وجوده ومسيرته بل ولَتحّجر كل شيء وتوقف كالنهر المتجمد من الحياة والنصر والمجد.

فلا بد للمرء أن يجاهد ويجاهد، ولا بد أن يحاول ويحاول للوصول إلى الأطيب والأحسن و الأفضل والأعلى والأرضى!

ولا بد أن يغير منكرا في نفسه أو في أهله أو في محيط بيته أو في محيط عمله أو في مجال نشاطه وقدراته، فالخير كل الخير عمل صالح جديد مفيد، والشر كل الشر أن تبقى مغبونا أي أن يستوي يوماك كلوثة الروتين والألفة.

فالإنسان مطالب  منذ الأزل بـ :” أحسن عملاً ” كل يوم إن لم يستطع كل ساعة.

والحياة تتنامى فيها الحقائق والفتائق فهي سيل عارم من الوجود الجديد، لا تتوقف لحظة ولا لمحة، فكل ما يأتي فهو شئ جديد، وكل ما تراه العين أو تسمعه الأذن أو تلمسه اليد، أو يشمه الأنف أو يتذوقه اللسان قد يخيل إليه أنه قديم عتيق ولكنه جديد. جديد. جديد.! جديد مادة، جديد حالاً، جديد ظهوراً، جديد واقعاً.

إذن ألا تدفعك هذه الحقيقة أن تنظر إلى ما تؤديه وتعمله وتنجزه أنك تعمل جديداً وتخلف جديداً وتبرز جديداً وتقّدم جديداً من قول أو فكر أو عمل أو أثر أو أي شئ آخر ؟!

فالتجديد رمز الحياة، سحر الحياة، روح الحياة.

والرابعة :

أن الحياة بذاتها دعوة. وأن المؤمن داعية بفطرته وسليقته، فلا بدّ أن يدعو المؤمن ، فكلما دعا أحداً بوسيلة أو بحجة، فلا بدّ أنك تجده يفعل ذلك وكأنه يعيد ويكرر، ويكرر ويعيد والحال أنه يدعو والدعوة تقتضي هذه الظاهرة وليست هي في ذاتها تكراراً بل هي ما تستوجبه الحالة والحقيقة والأمر ؛ فهي كالذكر والتربية والزوجية الكونية والتجديد  وهي سنة من سنن الدعوة الإلهية في أوساط عباده ومضامير جهاده.

إن الحياة والدعوة والتجديد والتذكير والتربية والسنة الإلهية الكونية بناء.

فلابدّ في فن البناء وعبقرية البناء أن يتكرر العمل ويتكرر القول ويتكرر الأسلوب ويتكرر المنهج وتتكرر الطريقة.. فهي في ظاهرها وضع لبنة على لبنة عمل روتين محض وعمل ممل مكرور إلاّ أن الحقيقة في نهايتها بناء بيت أو مسجد أو عمارة أو مؤسسة في غاية الجمال والكمال والجلال فهنا التكرار ليس ذلك التكرار المعاد كما يبدو في الوهلة الأولى للفكر والنظر بل هو عملية بناء شامخ من شوامخ عبقريات الإنسان الخليفة وإنجاز من إنجازات روائع الفن المعماري المذهل المدهش أجيالاً إثر أجيال وقروناً بعد قرون في معرض الآثار والأمجاد لعظمة سرّ يد وعقل الإنسان الفذ الذي أنيط به شرف عمارة الأرض فكان أهله وحقه في جوانب هذه الحقيقة التي لا تنسى ولا تُنكر.. فهي معروضة للأنظار والأفكار بلا حجب ولا أستار.

ولذلك ألا يجدر بالبّناء العبقري الأصيل أن يزاول مهنته المقدسة الشريفة بكمال الراحة والقناعة والأعتزاز من غير أن يوسم علمه بالتكرار والمعتاد والمعاد بل يوصف بالإبداع والإختراع الذي يتميز الإنسان وحده به إن كان حقاً مسلماً عبداً صالحاً يسعى لتحقيق ذروة آماله في سماوات وجوده وهي حلم أحلامه العظيمة : غفران، ورضوان وقربان : الثالوث الإسلامي المقدس الوحيد في مسيرة عبد الله المكرم المرتضى : الإنسان!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>