موقع الـمرأة في التنمية الشاملة (الحلقة الأخيرة)


المساهمة في قلب

المعركة المسلحة

> أ- المرأة وإمداد المجاهدين:

من صميم التنمية استعداد أفراد المجتمع الإسلامي -نساءا ورجالا- للدفاع عن التنمية بمفهومها الأصيل، بالمال والنفس والوقت… وهو ما قامت به المرأة المسلمة في العهد النبوي إلى جانب الرجل. صحيح أن المرأة بصمت التاريخ الإسلامي بوقوفها القوي بالمال إلى جانب المجاهدين المسلمين، حيث ورد في غزوة تبوك -مثلا- أن النبي عليه الصلاة والسلام حضّ على الجهاد ورغب فيه، وأمر بالصدقة فحملت صدقات كثيرة … وأتت النساء بكل ما قدرن عليه، فكن يلقين في ثوب مبسوط، بين يدي النبي  المَسَكَ، والمعاضد، والخلاخل، والأقرطة، والخواتيم، والخدمات، والصحيح أيضا، أن مساهمة المرأة لم تتوقف عند حدود دفع ضريبة الأمان المالية فقط، بل كانت تنتصب محرضة على القتال وترد المنهزم من الرجال، الأمر الذي لا يستطيعه العديد من رجال اليوم.

ذكر صاحب “تفسير المنار” أن الخنساء رضي الله عنها كانت تحرض أبناءها على القتال بشِعْرِها كلما قتل واحد، حتى إذا ما قتل الثلاثة قالت : >الحمد لله الذي أكرمني بشهادتهم<.

إن أحاديث خروج النساء مع النبي عليه السلام ومع المسلمين في الغزوات للسقي ومداواة الجرحى ورد القتلى إلى المدينة كثيرة جدا، منها على سبيل المثال لا الحصر ما أخرجه البخاري عن الربيٍّع بنت معوٍّذ، وعن أنس رضي الله عنه وكذلك ما أخرجه مسلم عن أنس بن مالك وعن ابن عباس، وعن أم عطية الأنصارية التي غزت مع رسول الله  سبع غزوات. بل ولقد خص النبي عليه السلام رفيدة الأنصارية بخيمة داخل المسجد، نقل إليها سعد بن معاذ لما أصيب. قال  : >اجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد حتى أعوده من قريب<.

… وغير هؤلاء النسوة كثيرات منهن أمهات المؤمنين اللواتي كُن يصحَبْن رسول الله  في الغزوات ويحضرن الابتلاء إلى جانبه، تماما.

ولا يتصور عاقل أن هؤلاء النسوة وبعضهن من بيت النبوة ومن الصحابيات الجليلات الفاضلات-  خرجن للغزوات والحروب لمواجهة نساء العدو، بل لمواجهة الرجال خاصة. كما لا يتصور أنَّهُن قمن بمداواة نساء المسلمين، بل رجال المسلمين خاصة. وتعامَلْن معهم مباشرة، دون أن يكون في الأمر فواصل.

فهل يتصور الناس مداواة المرأة جروح الرجل أو سقيه والحجب منصوبة بينهم، لا يكلم بعضهم بعضا، لأن صوت المرأة عورة!؟

وهل يتصور عاقل أن الخروج للحرب، والتعامل المباشر مع الرجال، خاصُّ بنساء عهد النبوة فقط!؟

>  ب- المرأة تباشر القتال :

- أخرج ابن سعد عن هشام عن أبيه أن صفية بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنها جاءت يوم أحد وقد انهزم الناس وبيدها رمح تضرب في وجوههم، فقال النبي عليه السلام: (يا زبير- المرأة).

وكما تحدث صلى الله عليه وسلم عن قتال المرأةفي الحروب العادية في البر، تحدث أيضا عليه السلام عن المرأة تغزو في البحر.

أخرج البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله  إذا ذهب إلى قُباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمُهُ، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل  يوما فأطعمته، فنام رسول الله  ثم استيقظ يضحك. قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: ناسٌ من أمّتي عرضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله يركبون ثَبَجَ هذا البحر ملوكاً على الأسِرّة، أو قال: مثل الملوك على الأسِرَّة. قلت: ادعُ الله أن يجعلني منهم فدعا. ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ يضحك. فقلتُ: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناسٌ من أمّتي عرضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله يركبون ثَبَجَ هذا البحر ملوكاً على الأسرة -أو مثل الملوك على الأسرة- قلتُ : ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: أنتِ من الأولين. فركبتْ البحر زمن معاوية فصُرعت مندابتها حين خرجت من البحر فهلكت.

- ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة شهدت الخندق وقتلت رجلا من اليهود كان يطوف بالحصن الذي هي فيه، وهي أول امرأة قتلت رجلا من المشركين.

- وذكر صاحب “الإصابة” أن أم عمارة رضي الله تعالى عنها شهدت قتال مسيلمة الكذاب، وجرحت يومئذ اثنتي عشرة جراحة، وقطعت يدها، وقتل ابنها خبيب.

- وذكر صاحب “البداية والنهاية” عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت: شهدنا القادسية، زمن عمر بن الخطاب، مع سعد بن أبي وقاص مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا وأخذنا الهراوي، ثم أتينا القتلى فمن كان من  المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه.

- وذكر ابن حجر وابن عبد البر أن أم حكيم بنت الحارث خرجت مع زوجها عكرمة بن أبي جهل إلى غزو الروم فاستشهد زوجها. وتزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص وقاتل الروم حتى قتل، فلما رأت ذلك شدت عليها ثيابها فقتلَتْ يومئذ بعمود فُسْطَاطٍ سَبْعَةً من الروم.

خاتمـــــة

- لابد في النهاية من الحث على دور المرأة الحضاري الإسلامي للتنمية، المطلوب أداؤه. وهو مطلب مشروع بل واجبٌ خدمةً للحضارة  عامة وليس للإسلام فقط، وليس للمرأة فقط، وذلك من خلال المساهمة النوعية للمرأة المسلمة في التنمية.

- ولا يسع في نهاية هذا الموضوع، سوى التوجه بنداء خاص وخالص إلى المرأة من أجل الانخراط الواعي في عملية التنمية. والانخراط الواعي يشترط أول ما يشترط:

مراجعة صلب التنمية، الملخص في تصحيح العلاقة مع الله تعالى وتنميتها وتزكيتها، قبل الشروع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لقول الله تعالى : {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}(سورة الشمس).

إِذْ من المعلوم جدا، أن تزكية النفس تفضي إلى تزكية القول والفعل.

ولا يسعنا في النهاية :

إلا التوجه إلى المكونات الفاعلة في الأمة عامة، بطلب تسهيل وتيسير انخراط المرأة في العملية التنموية، الانخراط الفعلي الذي ينطلق من الأهداف الإسلامية، التي تلتزم حدود الله. إذ إن انسحاب المرأة الملتزمة الغيورة على دينها، يفسح المجال أمام المرأة التي تحمل مخططات غربية تهدم المجتمع.

كما نتمنى من الجميع أيضا، أن يساهم في تغيير حياته وحياة أسرته وفق شريعة الله عز وجل، كخطوة أولى نحو هذا المسار التنموي الذي لن تكون فيه المرأة سوى حلقة مهمة جدا من حلقاته.

فإن التنمية لا تتحقق في المجتمع إلا إذا استطاع أفراده رجالا ونساء، توظيف الوقت قدر المستطاع، والارتقاء علميا وخلقيا. فالوقت يمر بسرعة فائقة على العالم العربي والإسلامي، ليس أمامه ما يتدارك به الركب غير تكوين الإنسان، في الوقت الذي تخصَّص فيه الغرب في تكوين الآلة متجاوزا الإنسان.

يقولابن الجوزي رحمه الله تعالى : (لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة، عملت فكري في حالة راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره). وبهذا الحرص على الاستفادة من الوقت، يمكن أن نؤسس مشروعنا التنموي في كل المجالات

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>