في الجزء الثاني من حواره مع المحجة د. فريد الأنصاري يتحدث عن : الـمرأة الـعالـمة والداعية المرأة والمسألة العلمية


< ما علاقة المرأة بالمسألة العلمية بين الواقع وما ينبغي أن تكون  عليه؟

> المرأة في المسألة العلمية لاشك أن لها اختصاصات يجب أن تتقنها. من المنظور الحضاري الاسلامي، لا بد أن تكون المرأة مبرزة في كثير من الاختصاصات التي ينبغي أن تحسنها. معروف أن هنالك مجالات قد يظن في بعض الأحيان أنها خاصة بالرجال، لكنها أيضا يجب أن تكون المرأة مبرزة في هذه المجالات، وأقصد بالضبط المجال الفقهي الشرعي، فالعَالِمِيَّة صفة ليست حكرا على الرجال بل يجب -وقد وقع هذا في التاريخ- أن تتحقق في نساء اليوم. المجتمع الاسلامي اليوم في حاجة الى عالمات وفقيهات في فتاوي النساء وفقه النساء وما يتعلق بالنساء والرجال أيضا، نحن في حاجة إلى عالمات في هذا المجال للنهوض بطرف كبير فيما يتعلق بعلاقة المرأة بالرجل وما يتعلق بفقه الأسرة، فقه الأسرة في أغلبه متعلق بفقه المرأة من حيث هي مركز  الأسرة بما هي أم، بما هي زوجة، بما هي مربية، بما هي راعية البيت، فهي المديرة الحقيقية للبيت من الناحية العملية إن صح التعبير، المديرة التنفيذية في البيت. فيجب أن تكون فقيهة بقضايا أسرتها، فقيهة بقضايا التربية، فقيهة بأحكام كثيرة تتعلق بالعبادات، بتربية الأطفال ذكرانا وإناثا، وأيضا الأحكام التي تربط بينها وبين زوجها بصفة عامة في مؤسسة الأسرة . أضف إلى ذلك أن قضية المرأة بصفة عامة الآن يجب أن يبادر إليها النساء في الدرجة الأولى .

< لماذا النتاج  النسائي في المجال الشرعي ضعيف؟

> هذا يرجع غالبا الى انحراف ثقافي ومفاهيم معوجة في المجتمع المعاصر،  المغربي والاسلامي، ليس في المجال الشرعي بل في المجالات كلها تقريبا، إلا أن المرأة  أصبحت متخصصة الآن في شتى المجالات، لنتحدث مثلا عن المجال الطبي، المجال الطبي واضح جدا أن هناك طبيبات بالآلاف في المغرب، لكن -وهذا يعرفه كل من وقف على هذه الحقيقة- حينما يجد الجد لن تجد غير الرجل مع الأسف الشديد : مثلا وقفت على حالات كثيرة بحيث المرأة طبيبة ومبرزة من حيث الكلام والفحص واختصاصية في مجالها لكن إذا تعلق الأمر بعملية جراحية تستدعي الرجل الطبيب الى جوارها، أما الطبيب  فلا يبحث عن امرأة لتساعده وتعينه، فإذن يتبين فعلا أن حضور المرأة ما يزال ضعيفاً، فهناك مشكلة ليست في المجال الشرعي فقط بل داخل المجتمع بصفة عامة. وما ترسب من الرواسب التقليدية لا علاقة لها بالدين قطعا تجعل المرأة تتأخر، لكن هناك أشياء قد لا تليق بطبيعتها كأنثى، وهناك أشياء تليق بشكل كبير جدا بطبيعتها كأنثى.

< هل يجوز للمرأة أن تفتي؟

> طبعا ما المانع أن لاتفتي؟ هذا هو السؤال . هل هناك مانع يمنع المرأة من أن تفتي؟  لامانع،  بل يجوز وهذا معلوم من الدين بالضرورة، بل يجب أن تكون لنا فقيهات مفتيات، وكثير من الأمور لايمكن أن يفتي فيها غير النساء، وقد ورد في الفقه المالكي بشكل خاص أن مالكا كان يرجع في كثير من الأمور الى النساء .

المرأة والعمل الدعوي

< العمل الدعوي النسائي يعرف صحوة هذه الأيام . ما هو تقويمكم لهذا العمل؟

> ليس هناك ميزة للعمل الدعوي النسائي، هناك العمل الدعوي العام وليس النسائي فقط، هذا في تقديري، لأن الدعوة تستيقظ في النساء، في الرجال، في الأطفال، في كل المجالات والإقبال الحاصل على التدين هو في الرجال والنساء. هي ظاهرة فعلا أن المساجد في هذه الأيام وللــه الحمد تعرف الوافدين الجدد بين الرجال والنساء والشباب ذكرانا وإناثا، هذا يرجع أولا الى أمر اللــه جل علاه وإلى قدرته وتقريره، لكل شيء إبان، ولعل نضج التدين على المستوى الاجتماعي قد بدأ، وهناك على هذا مبشراتومؤشرات تدل على أن الاقبال على الدين سيزداد بشكل كبير في السنوات القليلة جدا المقبلة، هناك مبشرات واقعية تدل على هذا، والمرأة جزء لا يتجزأ من المجتمع، ولذلك فهي تقبل أيضا، لكن اشتغال النساء بالدعوة باعتبارهن داعيات فهذا ضعيف جدا، ليس هناك تميز أبدا، بالعكس ما زال الرجال يقودون سفينة الدعوة والنساء لازلن بطيئات في هذا الأمر، لايعرف المغرب مثلا داعيات مشتهرات مبرزات متخصصات مؤثرات، هناك أسماء نعم، لكن لازالت متواضعة جدا .

الأسرة في الاسلام من منظور جديد

< هناك مفاهيم شتى للأسرة في الغرب، هناك أسرة تتكون من رجلين وأخرى تتكون من امرأتين وأخرى من امرأة وكلب، وأصبحنا نسمع عن الاطفال الطبيعيين والأم العازبة .. وهكذا. نود أن نقف معكم حول مفهوم الأسرة في الإسلام ودورها في الحفاظ على الدين والنسل؟

> الذي يراد مع الأسف للأسرة والإسلام خطير جدا، وذلك لأنه قد وصلت التجربة الاستعمارية، بما جربت وبما خبرت المجتمع العربي الاسلامي، وصلت الى نتيجة مفادها ألا دمار للبنية الاسلامية إلا بتدمير مفهوم الأسرة لأنه جرب التدمير العسكري فلم يفلح، والتدمير الاقتصادي ولم يفلح، كل أنواع التدمير لم تفلح، حتى الاعلام الذي أثر جدا وبقي مع ذلك أثره محدودا لأن الناس في نهاية المطاف ترجع إلى الدين، لكن السر في الرجوع هو بقاء مفهوم الأسرة في المجتمع، يعني حياة الحضارة وحياة الدين وحياة الثقافة الخاصة بكل بيئة رهين بطبيعة القناة التي تنقل تلك الثقافة جيلا عن جيل، والقناة التي تنقل الثقافة والعقائد والدين وكل ما يتعلق بخصائص الاجتماع البشري، القناة التي تنقل ذلك في المجتمع الاسلامي هي قناة الأسرة، وقد تبين هذا بالتجربة في الدول التي استعمرها الاتحاد السوفياتي البائد، بلاد إسلامية ككزاخيستان وشيشان وما شابه ذلك، ورغم أنه قد مر ما يقرب من قرن من الزمن من الابادة والتقتيل للمفاهيم الدينية بحيث سيطر الإلحاد، لكن بمجرد أن انهار الاتحاد السوفياتي نهض الاسلام أقوى ما يكون من القوة، ما كانت عندهم وزارة أوقاف ولاجماعات إسلامية وإنما بقوا يتناسبون ويتناكحون بناء على سنة الـلـه ورسوله أي بقيت الأسرة في هذه البلاد محافظة على إسلاميتها من حيث بناء الأسرة بناء إسلاميا. فهذا ضمن الاستمرار للأمة الاسلامية في هذه المواقف، بهذه التجارب استطاع الغرب أن يصل الى هذه النتيجة . حاول الغرب تدمير المفهوم الديني للأسرة وتعويضه بالمفهوم الغربي المدني البهيمي مع الأسف في المجتمعات العربية الاسلامية، وإذا دمر المفهوم الاسلامي للأسرة لاقدر اللـه سيؤدي الى نتيجة خطيرة وفورية وهو فقدان الاحساس بالانتماء للدين للجيل الذي ينتج عن هذه المؤسسات اللاشرعية غير الدينية، لأن مفهوم الأسرة في الاسلام مفهوم تعددي ولذلك مفهوم أسرة، مفهوم أب مفهوم أم، أخ، أخت، عم، خال، جد …. كل هذه الأسماء التي تسمى الأصول والفروع المكونة من الأسرة، المكونة للرحم كلها مفاهيم تعبدية جعل اللــه فيها معنى تعبديا مقدسا، فنحن نقدس هاته المعاني بما نقدس اللـه جل وعلا ولذلك قال تعالى : {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} فربط تقوى اللــه بتقوى الارحام بينما الارحام جمع رحم وهو الغشاء العضلي الذي يحتوي الجنين، فهذا من الناحية البيولوجية وظيفته حيوانية، فأي رحم عند كل امرأة يمكن أن يلد بطريقة شرعية أو غير شرعية لكن مع ذلك خصه الاسلام بمعنى في صورة شرعية فسمى الرحم هي تلك العلاقة التعبدية التي تربط الولد بوالده والأم بابنها . أمرنا الشارع الحكيم بصلة الرحم باعتبارها نوعا من العبادة التي يؤجر عليها العبد . هذا المفهوم هو الذي يجعل الابناء حتى وإن انحرفوا في وقت من الاوقات يعودون الى التوبة الى الدين لأنه ترسخ في وجدانهم، إنهم أبناء لآباء مسلمين وكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما قال  والأب يربي بطريقة إرادية وغير إرادية، فالثقافة العامة الشعبية التي تدور في البيت هي ثقافة مسلمة فيها مصطلحات إسلامية فيها مقدسات دينية فيها احترامات دينية، كل ذلك يؤثر لا شعوريا في التربية حتى وإن انحرفت فإنها تتوب في وقت من الأوقات .

< فرنسا منعت الحجاب في المؤسسات التعليمية. فهل الحجاب ذلك الغطاء الذي يوضع على الرأس يخيف الى درجة اتخاذ قرار منعه من طرف الرئيس؟ أم أن هناك أشياء وراء هذا القرار؟

> العبرة التي يمكن أن نستخلصها من هذا الأمر عبرتان : الأولى أن فرنسا أصيبت بالعمى، والعمى هذا هو عمى البصيرة ولعل في هذا خيرا للمسلمين وللاسلام، لأن التصرف مع الدين بهذه الصورة لن يؤدي إلا الى ازدهاره وأحسب شخصيا أن هذا العمى إنما هو صادر من المتطرفين اليهود، لأن أوروبا في كثير من عاداتها وفرنسا بشكل خاص سيطر عليها اللوبي الصهيوني، وهذا اللوبي الصهيوني متعصب متطرف ليس بحكيم ولو كان من وراء هذا القرار يهود عقلاء لما وصلوا الى هذه النتيجة بعقلهم وبحكمتهم، ولذلك كان أحد الكتاب اليهود الفرنسيين يكتبون في مجلة point le الفرنسية فكتب مقالا ينتقد فيه السياسة الأوروبية في البوسنا والهرسك، ذلك السكوت رهيب والتكتم العالمي الذي وقع على تذبيح المسلمين في البوسنة والهرسك، فهو انتقده ليس رحمة بالمسلمين قطعا كلا، وإنما علله بأن قال إن هؤلاء المسلمين يشربون الخمر، وهو فعلا تدين أولئك تدين باهت بارد لكن اقتضت حكمة اللــه على أن يذبحوا ليستيقظوا من الاساليب التربوية ما يسمى بالسنة الكونية، حينما يتخلف الناس عن السنة التشريعية تتدخل السنة الكونية، ولاتكون إلا قاسية، اللــه تعالى استعمل سيوف النصارى  في هاته الأقاليم لإحياء المسلمين وبالفعل حدثت نهضة وصحوة في ألبانيا والبوسنة والهرسك. أنا شخصيا لقيت بعض الافراد، فهؤلاء لهم حيوية عجيبة جدا ورغبة عالية جدا في الالتزام بالدين وفي الدعوة إلى اللــه . قلت هذا اليهودي الحكيم أدرك أن التعصب الأعمى الذي قاد الغرب الى ما قاده إليه في البوسنة وألبانيا سيؤدي الى عكس ما أرادو ا. وهذا الذي يحصل في فرنسا اليوم، فهي ستجني العكس مما قصدت بل سينتشر الخير في أوروبا بأكملها . والعبرة الثانية هي تنفذ اللوبي الصهيوني في المؤسسات الفرنسية. وهناك عبرة ثالثة يمكن إضافتها وهي أن المسلمين عليهم أن يدركوا بأن المكان الآمن للدين هو بلاد المسلمين أصلا، رغم الجورالذي يمكن أن يقع، رغم الظلم، كل ما يقع في بلاد المسلمين فأنت حينما تظلم في دينك في بلاد المسلمين تشعر بالقوة مع ذلك . المسلم في الغرب يشعر بغربة معقدة مركبة مكعبة، يعيش غربتين غربة البلد وغربة الدين، صحيح أن الدين غريب بين أهله، لكن تختلف الغربة لأن غربة الدين في بلده غربة نفسية لا أقل ولا أكثر لكن الغربة في بلاد الغرب حقيقة معقدة ومركبة .

< شكرا  شيخنا الكريم.

> حاوره محمد البويسفي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>