التأله الأمريكي في العالم – كيف نفهم المرحلة الاستعمارية الثالثة؟


هل استلهم الشاعر العراقي الأصل أحمد مطر الحكمة القرآنية حين تحدث عن لحظة تولي رئيس الإدارة الأمريكية الحالية جورج بوش (2000) الحكم، بقوله:  أهذا الغبي الصفيق البليد../إله جديد؟!أ.

كان اختيارًا ينم عن حساسية بالغة أدرك به الشاعر أحمد مطر جوهر ما تحاول إدارة الرئيس الأمريكي الحالي فعله، والذي ربما مثّل نموذجًا لسلوك عدد كبير من الإدارات الأمريكية المتتالية؛ التي أزاحت مفهوم الإله من مركز حياة البشر؛ محاولة أن تصوغ محله مركزًا جديدًا متمثلاً في القوة الأكبر من حيث القدرة الاقتصادية في العالم، والأقوى من حيث امتلاك الأسلحة على مستويات متعددة كمًّا ونوعًا، والأكثر بريقًا على الصعيد الإعلامي لامتلاكها أكثر وسائل الإعلام جاذبية وتأثيرًا وفعالية في السيطرة على الوجدان العالمي، ومحاولة تغييره باتجاه التوافق مع المصالح التي يحددها ممولو هذه الوسائل الإعلامية.

هذا ناهيك عن التقدم التقني العالي الذي يغذي سائر صور وركائز القوة الأمريكية.

استعارة إدراكية صادقة:

هل تتأله الولايات المتحدة فعلاً؟ أو على الأقل: هل تتأله الإدارة الأمريكية الحالية؟

الدلائل من حولنا تشير إلى أن أمريكا لم تكتف بدور الشرطي في العالم على نحو ما أفادته الكتابات التي حاولت مناقشة المفهوم الذي طرحه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، وحاولت أن تصوغ لنفسها دورًا أكثر تمددًا على اعتبار أن حالة السيولة التي كان العالم يعانيها عقب انهيار الاتحاد السوفيتي الغابر لا بد من استثمارها لتحقيق طفرة نوعية في امتلاك مقدرات العالم. فسعت نحو هذا التمدد لدرجة أن الناظر لوضعية العالم الآن يخيل إليه أن الولايات المتحدة صارت إله هذا العالم. كيف؟ هذا الوضع هو ما نحاول توصيفه عبر هذه الاستعارة الإدراكية السريعة.

الله هو خالق الإنسان:

فالله هو الذي خلق الإنسان، وهو به عالم خبير، وعليه شفوق وحان، وكلا التركيبين، العلم والرحمة، محددان لسلوك الإله مع هذا الإنسان، ومحك لقياس مواءمة وملائمة المنهج الذي ارتضاه له.

وفي أواسط القرن المنصرم، القرن العشرين، كتب عدد كبير من المفكرين والمصلحين الإسلاميين، لعل منهم العلامة محمد الغزالي وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب، أن ثمة علاقة وثيقة بين الخلق وبين منهج الحياة، وأن من خلق الإنسان كان عليمًا بما يصلحه، فاختار له جملة من الأوامر والنواهي، والمندوبات والمحاذير، جعل في التزامه بها صلاحه، وفي انحرافه عنها الاضطراب كل الاضطراب.

كانت ملامح هذا المنهج إذن هي ذلك الاتجاه التشريعي لوضع خطوط عريضة عامة، تمثل مفردات هيكل الحياة الذي يجب أن تسير فيه حياة المسلم كفرد ومجتمع وأمة. وقد عمد القرآن، كتاب الله الحاوي لملامح هذا المنهج إلى توفير أساسين مهمين، بالإضافة لبعض الملامح الإجرائية والاجتماعية التي تضمن تطبيق هذا المنهج وسيرورته السرمدية بصورة دائمة.

الأساس الأخلاقي لألوهية الله:

كان من المهم في تأسيس هذا المنهج أن ينبني على مجموعة من الأخلاقيات العامة والخاصة التي تتولى ربط المسلم في حياته العامة والخاصة برباط الله. هذه الأسس الأخلاقية، كما رأى المفكرون الإسلاميون، كانت تستهدف الحفاظ على ذلك الرابط اليومي بين منهج الحياة وبين الفرد، بحيث يظل المسلم على علم ويقين دائم بأن هذا المنهج ذو وظيفة حياتية وليست روحية فقط، وأن الهدف من الارتباط بهذا الدين حمله إلى الآفاق الاجتماعية الوثيقة. وكان الأساس الأخلاقي مرتبة تمثل المرحلة التأسيسية لممارسة هذا المنهج على المستوى التشريعي المؤسسي الملزم.

الأساس العبادي:

استهدف هذا الأساس ربط حياة المسلم بخالقه، لتظل تلك الوشيجة حاضرة في حياة المسلم خمس مرات كل يوم، ومرتين عميقتين كل عام: الزكاة والصوم، ومرة ذات عمق أكبر في ممارسة شعيرة الحج.

وكانت هذه الأسس تحاول التأكيد على مفهوم العبودية لله، باتجاه تدشين المنهج في الحياة. فالفرد المسلم على هذه العلاقة الوطيدة بإلهه، منه يتلقى الأوامر والنواهي، وإليه يتجه بكل فعاله وأقواله، وحتى حالات انعدام الفعل هي التزام لتلك النواهي التي حدد الله ضرورة الانتهاء عنها، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم عليها: “ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا”.

وكان الاتجاه الأخلاقي مستوى التزام ذاتي، مثل أولى درجات السلم لحضور الشريعة في حياة المسلم. ولكن تبع ذلك بعض العمليات الإجرائية والاجتماعية والنفسية.

 الثواب والعقاب:

كان الثواب والعقاب أحد أهم أركان تحقق هذا المنهج كنظام حياة. وهو الذي أسس للحقبة السالفة من الفكر الحركي الإسلامي، وصبغه بصبغه السياسي.

فالحديث عن الركن الأخلاقي في ممارسة المسلم الحياتية هو حديث عن سلوك غير ملزم في غالب الأحيان بموجب القانون المنبثق من الشريعة، لكنه كان ضابطًا مهمًا من ضوابط ممارسة الحياة بتفاصيلها، وربما تحول إلى شكل مؤسسي حين أخذ العلماء يدشنون للنظام العمليللشريعة استنادًا للأساس الأخلاقي. فما كانت التقوى أحد معايير القياس في الشريعة إلا بمقدار ما حاول بعض الفقهاء الاستناد إليها في تقرير بعض الأحوال مثل عدالة الشهود، أو نقل الأخبار وتوثيقها.

لكن ما أرسته الشريعة من نظم جزائية كانت المفتاح لإثبات ضرورة التحرك لغدو هذه النظم قوانين رسمية تطبق على معاملات الأفراد، وتحكم علاقة هؤلاء الأفراد بحكومتهم وببعضهم البعض. ولهذا اصطبغت الحركة الإسلامية طوال القرن العشرين بالصبغة السياسية؛ إذ كان شعارها رفع المنهج لمستوى التطبيق القومي بعدما ابتعدت الأمة عن تطبيقه، وما حاق بها إثر ذلك من انحراف ثم ضعف.

نحن وهم: المؤمنون وغيرهم:

حاول البعض شرح أهم ملامح المنهج الذي أمر به الله من خلال مدخل الولاء والبراء، وتأسيسه على قاعدة الإيمان. وذلك حال أي منهج حياة يراد تطبيقه.

إن تأسيس القاعدة الاجتماعية/ العقائدية (الولاء والبراء) مثلت أحد أهم عوامل الفرز التي صاغتها الشريعة لتنتج ذلك الرباط القوي الذي ربط بين المسلمين عبر حدي الزمان والمكان، وكان تعبير القرآن {الذين سبقونا بالإيمان} إشارة للأخوة عبر الزمان، وكان تعبيره: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم} في إشارة لهذه الأخوة عبر المكان.

ويشير الباحثون في علم الاجتماع السياسي إلى أن أحد أهم ملامح الفكر الثوري الوضعي بصفة عامة تبلور فكرة “نحن وهم”، في إشارة لتمايز فكري يلف المؤمنين بمنهج ما في مواجهة كل من لا يؤمن به.

مقصد الشريعة الأعظم:

ربما هنا نتحدث حديثًا قد ينظر إليه علماء الأصول بعين الفحص العميق، لكن من وجهة نظرنا هو الحاكم لحركة الشريعة في الواقع الأرضي.

المفهوم الأساسي الذي نقصده هو: مركزية حضور الله في حياة البشر. الله هو الرحمن الرحيم، وهو المنعم وهو الحكيم الخبير… إلخ. وهذه الأسماء، وما يرتبط بها من موضوعات هيالمستهدف تحقيقها في حياة البشر جميعًا في إطار علاقتهم ببعضهم البعض.

انظر يرحمك الله إلى اسمه تعالى العدل، ووصيته: “إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي. فلا تظالموا” (رواه مسلم)

وانظر إلى اسمه تعالى الرحمن الرحيم، وأمر نبيه: “الرَّاحمونَ يرحمهُمْ الرَّحمَنُ، ارحموا من في الأرضِ يرحمكُمْ من في السَّماءِ، الرَّحمُ شجنةٌ من الرَّحمَنِ فمنْ وصلَهَا وصلهُ اللهُ ومن قَطَعَها قطعهُ الله” (رواه الترمذي)

ويمكن لنا أن نقيس على هذه المزاوجة كل اسم من أسماء الله تعالى. وفي ذلك الموضوع كتبت مؤلفات عدة تتناول المباشرة الحياتية لمعاني ودلالات أسماء الله الحسنى.

ولعل هذا المعنى هو ما عبر عنه أبو الأعلى المودودي وسيد قطب حين ربطا مفهوم الحاكمية الحاكم لمنهج الشرع في إبعاد مضار مقاربات السياسة الفردية (بالنسبة للحاكم المطلق) والطبقية (بالنسبة للطبقة الغنية وحتى بالنسبة لطبقة العمال)، والنخبوية (بالنسبة للعسكريين والفنيين) عن الحكم. لقد كان الفكر المستبطن لدى أولئك المفكرين أن الحاكمية تقي البشر عمومًا من تسلط الأفراد والجماعات والطبقات على التشريعات التي تمس حياة آلاف الملايين من البشر.

فكيف يكون التشريع حين تتسلط الطبقات الغنية عليه؟ وكيف يكون إذا تسلطت الطبقات الفقيرة عليه؟ وكيف يكون التشريع إذا تسلط عليه حاكم فرد مستبد ضعيف النفس؟ هذا الأمر جربت البشرية ويلاته طيلة حياتها، والتاريخ حافل بالنماذج إن كان الواقع لا يشفي غليل المتعطش للنماذج والأمثلة.

هكذا كان المقصد الأساسي للشريعة أن يكون الله تعالى هو المركز في تأسيس النظر إلى حياة البشر (خلق الله)، لا أن تكون طبقة بعينها، أو نخبة بعينها، أو حاكم مستبد، أو حتى دولة تدعي لنفسها حق حكم العالم والتسلط عليه.

في العدد القادم : الإدارة الأمريكة…  الإله الجديد

أ. محمد الخطابي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>