ابدأ ميلادك ..بفقه السنن الربانية


وسط ذهول الملايين سقط النظام العراقي، لكن العالمين بالأمور والمقدرين للسنن الربانية لم يفزعهم ذلك، لأنه نتيجة طبيعية لحالة الغثائية التي تعيشها الأمة عموما، وكذلك لأن السلطان الجائر معول يخرب  العمران”فحق عليها القول فدمرناها تدميرا”إما بقوة الله المباشرة أو قوة مسخرة ولو كانت كافرة.

لكن الأمر يتطلب الوقوف عند الحدث، عند “معركة الحواسم”  كما سماها النظام البعثي في العراق، وفعلا كانت معركة الحواسم بامتياز على مستويات كثيرة منها:

1- حسم ما بقي من تعلق البعض بالشعارات الأمريكية والغربية مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان ، والحرية، والمساواة ، وحوار الحضارات… والإقرار بهزيمة كل القيم الغربية.

2-حسم ذلك التردد في كراهية أمريكا وحلفها….

3- حسم العلاقة بين الأنظمة العربية المتخاذلة وشعوبها، فلا أظن أن نظاما عربيا واحدا بعد الآن، لم يصبح يخاف أن يجر تمثال زعيمه في الأزقة والحواري والساحات، مما يستوجب إعادة بناء علاقة متينة بين الحكام والمحكومين على أسس سليمة،  تؤسس لمرحلة مقبلة تتماسك فيها الأمة قيادة وشعبا ومنظمات و… ولعل ما حدث في العراق يؤشر لمدى السوء الذي بلغته العلاقة بين صدام وشعبه الذي أصيب بهستيريا أفقدته صوابه أدى إلى تسيب أمني  وفوضى لم يستطع محدثوها التعالي على جراح الماضي، فنهبوا وكسروا وأحرقوا ظانين ذلك انتقاما من النظام البائد، وبإيعاز من الموساد الذي نظم ذلك بعد دخوله مع القوات الغازية من الكويت والأردن كما تردد في أكثر من وسيلة إعلامية…إنها فوضى لا تمثل الإرث الحضاري  والإسلامي لهذا الشعب الذي اكتوى بنار الانقلابات والحروب طيلة القرن الماضي، وظل صامدا  مصابرا..

4- الحسم في الاعتراف بالسقوط الثاني -بعد سقوط عبد الناصر- للقومية العربية.

5- حسم العلاقة بالله-في ضوء ما سبق-فما من شك أن هذا الزلزال أبان عن فشل كل الارتباطات والاختيارات والعلاقات،  إلا العلاقة بالله التي لابد أن ترجع إلى الواجهة، قوية واعية مخلصة… حتى تنتقل الأمة من حالة الذهول الذي تعيشه اليوم إلى استفاقة مؤمنة واعية،  مع أن هذه الحالة ليست الأولى،  وربما لن تكون الأخيرة  في حياة  المسلمين،  فالتاريخ شاهد على أكثر مما وقع هذه الأيام، و شاهد كذلك على قدرة الأمة على النهوض والاستئناف الحضاري أكثر قوة ومنعة وعطاء بسبب المخزون الديني والمعنوي الذي تدخره في وجدانها.

وحسم العلاقة بالله -فرديا وجماعيا- أصبحت أولى الأولويات،  وجب الإعداد لها الإعداد الجيد حتى تؤتي أكلها بإذن ربها.

وهناك حواسم أخرى كثيرة يضيق المجال لحصرها.

لكنني أحب  أن أركز على الحسم الأول لأقول بأن الذين كانوا يطربوننا بأغاني وأناشيد الديموقراطية والحرية والعلمانية و.. استنساخ النموذج الغربي، قد أُسْقِطَ في أيديدهم بعدما رأوا الحرية والديموقراطية تذبح في شوارع المدن العراقية -ولم تكفهم مثيلتها الفلسطينية- وتعجن بدماء الأطفال والشيوخ والنساء بشكل همجي بربري يترجم حالة الجنون والانتقام التي أصابت الهمجية الأمريكية،  فما الفرق من أن تأتي الديموقراطية على ظهر دبابة كما هو الحال مع الانقلابات العسكرية العربية والتي مازال أصحابها يصولون ويجولون، وديموقراطية على ظهر  بارجة أو حاملة طائرات أو قنابل عنقودية أمريكية أو صواريخ >بليدة<؟؟ ما الفرق يا دعاة تحرير العراق ؟فلا نامت أعين الجبناء …

إن غرور القوة الأمريكية لا يستطيع تحقيق الانتصار، فقد تدمر العراق لكنها قطعا لا يمكن أن تحتله، وحتى إذا احتلته فهي بكل تأكيد لن تحتل قلوب العراقيين، ولعل أولى الصيحات في وجه”رامبو” التي بدأت في مجموعة من المدن العراقية،  تؤشر إلى ردفعل شعبي قد يتصاعدوينتظم مع الأيام، ويعمق  من بروز الهزيمة الأخلاقية الكبرى التي مُنِيَ بها الأمريكيون ابتداء  من تجاوز المنظمات الدولية ومعارضة المؤسسة الدينية المسيحية وقطاعات واسعة من الشعب الأمريكي للعدوان ، بالإضافة إلى استعمال التكنولوجيا المحرمة وانتهاج أسلوب التضليل الإعلامي لكشف  حقيقة أهداف العدوان:من ادعاء التفتيش على أسلحة الدمار الشامل إلى تحرير العراق من ديكتاتورية متخلفة،  الحق الذي أريد به باطل .

إن للعدوان أهدافا متعددة خفية ومعلنة منها :

- تركيع الأمة واستباحة أراضيها .

- القرصنة والسطو على مقدراتها وثرواتها.

- حماية إسرائيل-كما قال بارول وممثل بريطانيا في الاتحاد الأوروبي- من أي خطر محتمل قصد التسوية النهائية والإقبار للملف الفلطسيني الذي ظل خنجرا في خاطرة الصهانية والمعرقل الأكيد والدائم للمصالح الأمريكية في المنطقة .

- تثبيت دعائم “إسلام أمريكي” بإعادة صياغة الدين والتراث على الهوى الأمريكي ، ولعل في دعاوى صياغة برامج التعليم في العالم الإسلامي والتحرش ببعض المفاهيم ومنها الجهاد ، لعل في ذلك دليلا واضحا على إرادة كبح جماح الإسلام المقاوم الذي يرهب أعداء الله، ووسيلة هذا التثبيت نخبة عراقية قادمة على ” سنابك” الدبابات الأنجلو أمريكية ، وإبدال حكم عائلات لم يعد يَجِدْ هوى لدى الصهاينة ، بحكم عائلات جديدة تربى كثير منها في أحضان الغرب.

كذلك  لا ننسى البعد الثقافي للغزو الهمجي ، حيث إرادة صياغة ثقافة المنطقة صياغة غربية خالصة اقتداء بتجارب عربية سابقة.

وأخيرا :فإن أمريكا  ليست قدرا لا يرد ، فمتى نفهم هذا ونحسم أمورنا؟.

ولنبدأ ميلادنا بالثبات على الحق والأمل في المستقبل و… وبكراهية أمريكا ومقاطعة أمريكا..نفسيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا..مقاطعة شاملة تبدأ بالشعوب قبل الأنظمة.

.. وتحية إلى العراقيين الذين يخطون صفحة  جديدة بدمائهم وشهدائهم  -إلى جانب الفلسطينيين- في تاريخ الأمة ، وإننا لمحزونون لفراقهم،  لكننا فرحون بهم وبمصيرهم ، فخورون بهم لكننا غاضبون لما حصل لهم.

فاللهم ارحمهم واجعلهم رفقاء رسولنا في الجنة. أمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>