بارقة لعنة النفط أم لعنة؟


قالت مُسلمة انجليزية كانت تُدَرس معنا بفاس عند سماعها اكتشاف النفط بالمغرب : أسأل الله أن يُبعد عنكم لعنة البترول، فما يجري في الشرق وبفلسطين وبالسودان وغيرها لم يكن إلا بسبب البترول لذلك أود من صميم قلبي ألاّ تكتشفوا هذا الزيت الذي يجلب المصائب على أصحابه.

والحقيقة أن الثروة نفطية كانت أو غيرها إذا لم يكن أصحابها قادرين على الانتفاع منها بعلمهم وخبرتهم ولم يكونوا قادرين على حمايتها بالقوة والارهاب أي إيقاع الرعب في قلوب الطامعين فيها ولم يكونوا رشداء نزهاء مقتصدين يجعلون موارد ثرواتهم تصب في تنمية بلادهم وتقويتها ونهضتها وكفاية شعوبها وإغنائهم عن السؤال والهجرة من بلادهم إذا لم يكن أصحاب النفط وغيرها من الثروات كذلك فلا كان نفط ولا ذهب ولا غيرهما فالفقر مع العفّة والسلامة خير من الثراء المقترن بالفساد والانحلال والطغيان والتمتع بالشهوات والسقوط الأخلاقي والوهن الروحي والتخلف العلمي والعقلي.

إن النفط وغيره من الثروات ومنها الثروات البشرية والعلمية نعمة من الله يجب أن تقابل بشكر الله وحمده وجعْلِ هذه النعم زُلفى لرضاه وتقرباً إليه سبحانه، وذلك لصرفها في خدمة الدين والأمة وازْدِهار البلاد والعباد. وما شقي أصحاب البترول أو غيره إلاّ لأنّهم كلما ازدادَ دَخْلُهم تضاعف سفهَهُم وتفاحشَ تبذيرُهم حتى أصبحوا مضرب الأمثال في الانغماس في الشهوات وعبادة الملذات والتنافس في الإسراف والتبذير وعبادة الفروج وتضخيم الكروش وتكديس الأموال في البنوك الأجنبية كأنهم عندما يُسألون في قبورهم وفي المو قف بين يدي الله ستنفعهم تلك الثروات الترابية الزائلة بل إن بعضهم يكدسونها وينفقون الكثير منها لتكون حسرة عليهم يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وإن من حق العلماء وأهل الحل و العقد أن يصدروا فتاوى بوجوب الحجر على هؤلاء السفهاء لقوله تعالى : {ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما}(النساء : 4) والضرب على أيدي المبذرين فإنهم مفسدون في الأرض لأنهم إخوان الشياطين : {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراَ}، ومن المعلوم أن الله قرن الترف بالظلم والاجرام والكفر والهلاك والعذاب والفسق كما قال تعالى : {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً}.

لقد أكرم الله المسلمين بثروات عظيمة وكثيرة، ومتنوعة وخصّهم بأخصب الأراضي بل وأنصع السماوات وأكثرها بركة وأجمل الأجواء، وأعطاهم أعظم البحار والشواطئ وأنفس المعادن، وحباهم بأعظم دين وأشرف كتاب وخير رسول وأشجع شعوب إلى غير ذلك من النعم الكثيرة التي لا تحصى، فضيعوا كل ذلك وقابلوا تلك النعم بالسفه والبلادة والبلاهةوالغفلة ولم يعتبروا بما وقع للمسلمين بالأندلس وبالهند وبما يقع لهم الآن في كل مكان وبما يُسلَّط علينا من ظُلم أنفسنا بأنفسنا وإعانة ا لأعداء علينا، بل والرغبة أن نظل عبيداً لهم ومع ذلك ما زال بعضنا يبذرون أموال الأمة سراً وعلانية ومازال بعض “الثوار” يوزعون على شعوبهم صورهم وهم يدخنون السجارة، ويلبسون أفخر الثياب، ويسكنُون أنفس القصور، ويعيشون في البدخ والاسراف ويشتتون أموال الأمة فيما يعود عليها بالضرر، كما اعترف بعضهم بأنه أنفق أكثر من 20 مليار دولار على الحركات التحررية بأوربا وإفريقيا (البوليساريو مثلا)وغيرها!!!

إنها لعنة السفه، وقلة العقل، وغلبة الجهل، وطغيان الشهوات، وصفاقة الوجه وانعدام الحياء وضعف الدين وغياب الوعي، وخلُوّ الساحة من العلماء القادة الذين كان يجب أن يواجهوا هؤلاء بالنصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة فإذا لم يرتدعوا فليواجهوهم بالفتاوى الشرعية التي تجبرهم على أن يتصرفوا في أموال الأمة بما أمر الله ورسوله فكفى إذلالاً لهذه الأمة الغنية الفقيرة والعزيزة الذليلة والعظيمة الحقيرة.

أ. د. عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>