مقال : حوار الحضارات : أزمة حوار أم أزمة حضارة


كلما حلت بالعالم أزمة تبرز على السطح نداءات للحوار بين الحضارات هذه النداءات استفحل وقعها الإعلامي بعد 11 سبتمبر لتصبح شعارا يرفعه الجميع، يرفعه الضعيف خوفا من بطش القوي كما يرفعه القوي لتهدئة روع الضعيف، لكن هذا الحوار لا يعدو أن يكون حوار أزمة يلجأ إليه في الظروف العصيبة لكي يأفل أثره بعد الهدوء.

لكن من حقنا أن نتساءل : هل هناك فعلا حوار بكل ما تحمله الكلمة من معاني التبادل والاعتراف والاحترام؟

في شروط الحوار

الإجابة عن هذا السؤال ستنقلنا إلى الحديث عن الشروط والمبادئ التي يجب توفرها لإيجاد أرضية للحوار. فبداية نقول : إن  المبدأ الأساس لقيام حوار بناء هو التكافؤ بين الأطراف. وبالنظر إلى واقع العلاقات الدولية في عصرنا الراهن نلاحظ غياباً تاماً لهذا المبدأ. لأن هناك شمالاً وجنوباً، هناك حضارة تنتمي إليها شعوب لا تملك شيئا من عناصر القوة المادية وهي بالخصوص الشعوب الإسلامية ، وحضارة مندفعة تريد بسط سيطرتها على العالم  بفعل القوة الاقتصادية والعسكرية لشعوبها وهي الحضارة الغربية. كما أن هناك حضارة تريد تعميم قيمها على الكون وحضارات أخرى تصارع من أجل البقاء ونخص بالذكر منها الحضارة الإسلامية التي وضعت رغما عنها في واجهة الأحداث.

لكن رغم غياب مبدأ التكافؤ فإن فرص الحوار تبقى واردة بشرط أن يكون الطرف القوي عادلا منصفا ومعترفا بالآخر رغم ضعفه وقلة حيلته، بالنظر مرة أخرى إلى واقع العلاقات الدولية نلاحظ أن هناك انعداماً شبه تام لهذه المبادئ رغم وجود هيئات دولية تتولى  تطبيق  وتعميم هذه المبادئ. فمثلا مواقف  وقرارات الأمم المتحدة لا تطبق إلا على الدول النامية، أما الدول القوية فأحيانا تربأ من اللجوء إليها، مثال ابريطانيا في  أزمة المالوين لما طرح عليها اللجوء إلى الأمم  المتحدة قالت على لسان رئيس وزرائها:  هذا خاص بالدول المتخلفة، وأحيانا تضرب بقراراتها عرض الحائط مثال الولايات المتحدة في نزاعها مع نيكاراكوا. هذا ناهيك عن التدخلات والاعتداءات السافرة التي تمارسها هذه الدول مما يتنافى مع الأخلاق والأعراف الدولية. وهذا ما أشار إليه بوضوح نعوم شومسكي في مقال بعنوان: الإرهاب سلاح الأقوياء(1).

فواقع العلاقات الدولية خاصة بعد 11 سبتمبر لا يوحي بوجود أرضية خصبة للقيام بحوار بناء، لكن المتتبع لوسائل الإعلام الغربية وكذلك لتصريحات كثير من مسؤوليها ومفكريها سيخرج بنتيجة مفادها أن أزمة الحوار وسبب انتكاستها هو “الآخر”.

لأن هذا الآخر لا يتقن إلا لغة العنف. وقد تكرس هذا المنحى الخطير عندما قام الإعلام الغربي بالربط بين الإرهاب والإسلام. انظر مثلا مجلة نيويورك (2) التي نشرت مقالا بعنوان عريض “عصر حروب المسلمين” واضعةالصورة الخلفية للحرم النبوي وهذا فيه إيحاء بأن مهد الدعوة الإسلامية هي نقطة انطلاق الإرهاب. هذا المنحى ترجع بوادره إلى عقدين من الزمن حيث تم التركيز على أطروحة مفادها أن الغرب بحكم قيم الحداثة (دمقراطية، حرية، لبرالية) التي يحملها تجعله متفتحا على الآخر مستعدا للحوار، لكن المشكل يكمن في الآخر الذي يحمل رواسب ثقافية ويعيش ظروفا اقتصادية (تتجلى في الأزمة وضعف النمو..) واجتماعية (بطالة ، فقر) وسياسية (انعدام الحريات، القمع) تجعله ميالا إلى تبني العنف كوسيلة من وسائل التعبير عن مواقفه. ولذلك فإنه يجد في الثقافة الإسلامية أرضية خصبة لتعبئة وتزكية منحاه العدواني، ولتبرير هذه الأطروحة يتم الاعتماد على بعض  الحالات الشاذة في العالم الإسلامي كما يتم تضخيمها لإضفاء صبغة الإرهاب على كل الحركات الإسلامية في العالم أحيانا وأحيانا أخرى في حالات الأزمة، على كل من يحمل عقيدة الإسلام، مع العلم أن المجموعات التي تؤمن بالعنف كأساس للتغيير محدودة في عددها وفي عدد أفرادها ومحدودة في مجال تأثيرها. ولابد هنا من استثناء حركات المقاومة التي تؤمن كل الشرائع بشرعية نضالها. ولو قمنا بإحصاء للملل التي تقوم دعوتها على العنف في العالم الغربي فقد يكون عددها وعدد منخرطيها مقارنة مع عدد السكان أكبر مما هو عليه الأمر في العالم الإسلامي. إلا أن الصدى الإعلامي لعمليات هذه الملل يبقى محدودا. والسبب الأساسي في ذلك هو أن تلك العمليات تنسب فقط إلى أهلها أي إلى الأفراد المتورطين وقليلا ما تدان الجماعة التي ينتمي إليها المجرم لأن العملية  تدرج في إطار الجنح المدنية. وهنا يبقى تأثير القضية محليا وصداها الإعلامي باهتا. لكن الأمر يختلف تماما عندما يتعلق الأمر بالمنظمات التي تنتمي إلى الإسلام. فصك الاتهام لا يوجه فقط إلى الأفراد المتورطين، بل يعتبر هؤلاء منفذين فقط لأوامر المنظمة التي يتبنى موفقها بكونها محرضة على العنف، ثم جميع الحركات الإسلامية بصفة عامة لأنها مستنبت لهذه  المنظمات ثم الشعوب الإسلامية لكونها أصل الشر ثم الحكومات لأن هذا (الإرهابي) أو ذاك يحمل جنسيتها. حتى نظم التعليم لم تسلم من الاتهام بحيث أن الدول الإسلامية مطالبة تحت الضغوط الأمريكية بإلغاء المدارس الإسلامية والقرآنية. وفي هذا الإطار فإن كل عمل ضد غربيين يقوم به أي مسلم من أجل قضية ما سوف يحول من دائرة الجنح المدنية إلى دائرة المحاكمة السياسية بل إلى دائرة محاكمة أمة من أجل تأديبها ومحاكمة حضارة من أجل تقويضها ومحاكمة دين من أجل تقليل نفوذه. هذه الازدواجية من التعامل الإعلامي تكيف الفعل الإجرامي حسب الفاعل، فإذا قام به غير المسلم يدرج في المتفرقات كحدث ويحكم على فاعله إما بالشذوذ إذا كان فردا أو طائفة أو بضرورة الدفاع عن النفس إذا كان دولة. أما إذا قام به المسلم فالحدث يدرج في العناوين الأولى والكبرى لوسائل الإعلام وتلصق به مهما كان فاعله (فرد أو دولة) ومهما كانت الدوافع صفة الإرهاب الذي يهدد أمن واستقرار العالم بأسره.

“ارهاب” وتعدد المعايير

وقد تسرب مفعول هذا التحليل إلى البحث الأكاديمي وإلى الكتابات ذات البعد التحليلي. وهذا ما دفع صامويل هو تنكنون إلى القول إن خلال العشرين سنة الأخيرة جل الأعمال الإرهابية هي من فعل المسلمين وجل الدول المدعمة للإرهاب هي دول إسلامية(3).  نفس المنحى تبنته مجلة دي إكونوميست اللندنية.

أمام هذا الوضع لابد من التساؤل : ما هو رد فعل المسلمين إزاء هذه الحملة التي لم تبدأ في الشهور الأخيرة وإنما تأسست قواعدها منذ عقدين من الزمن أو أكثر؟

المستقرئ لردود الأفعال التي يتصورها الخطاب الرسمي متبوعا بمواقف كثير من الجماعات والعلماء والمفكرين يلاحظ أن معظمها يعتمد على أساسية واحدة وهي أن الإسلام دين تسامح وتعايش وحوا ر ودين سلام. وكل ما يحدث وإن كان من فعل المسلمين فهو لا يمت إلى الإسلام بصلة. هذا الخطاب له تداعيات كثيرة.

- أولا هذا النوع من الخطاب فيه اعتراف ضمني باننا لا نحسن الحوار لسوء فهمنا للإسلام. وبالتالي ما علينا إلا أن  نرجع إلى الإسلام التسامحي لكي نحسن صورتنا لدى الآخر. وهذا أيضا فيه اعتراف ضمني ثان فحواه أن الآخر مستعد للحوار  ويحسن الحوار ولا يملك إلا ملكة الحوار، وبعبارة فهم حضارة حوار ونحن حضارة عنف.

- ثانيا  إذا سلمنا بفرضية أننا لا نحسن الحوار لقلة فهم ديننا الحنيف فإننا في نفس الوقت نسلم بالنعوت والأوصاف التي يصف بها الآخر أعمالنا، فما دام هو صاحب حوار فإنه يملك المعيار الدقيق وما علينا إلا أن نعرض عليه أعمالنا ليقر منها ما هو إرهابي وما هو غير ذلك.

- ثالثا يمكن إذا  أن نصل إلى النتيجة التالية وهي أن كل ما وصفه الآخر بأنه إرهابي فإنه في تقديرنا خارج عن الإسلام وما علينا إلا أن نحكم بالكفر على كل من يمارس ويدعم الإرهاب،  وبالتالي فعلينا أن نعيد النظر في إسلامية الدول والجماعات الإسلامية التي تصنفها أمريكا كمدعمة للإرهاب.

- رابعا: إن هذا الخطاب التبريري المفعوم بالإحساس بالذنب يعفي الآخر ويبرئه من كل مسؤولية. وهذا فيه بعد عن ملامسة خصوصية أزمة الحوار بين الحضارة الإسلامية والغرب.

لكن إذا سلمنا بأننا لا نحسن الحوار علينا بدل جهد من أجل تحسينه فلننظر إلى الآخر كيف أدار ويدير الحوار، فلنحاول أن نصرف هذا الفعل إلى الماضي والحاضر والمستقبل لإعطاء صورة أوضح لإشكالية الحوار عوض الدخول في إشكالية الاتهام والاتهام المضاد.

عندما نسأل الماضي عن الحوار نلاحظ أن بعض الكتاب الغربيين المؤمنين بفكرة الصراع  يرجعون في تحليلهم إلى أحداث العقدين الماضيين فقط للقول بأن المسلمين هم مصدر كل أحداث العنف. لكن لماذا لا نأخذ بعين الاعتبار فترة القرن الماضي (العشرين) بأكملها؟ هذا القرن الذي تميز نصفه الأول بطغيان الحرب المدمرة ونصفه الثاني بسيطرة لغة الحرب الباردة. قرن من الحرب لم يقده صراع الأديان ولكن قادته النزعات القومية والعلمانية التي أدت إلى فقدان الحوار بين المكونات التي تنتمي إلى حضارة واحدة ودين واحد.

وتجدر الإشارة هنا أن نظرية صراع الحضارات التي قال بها هو تنكنون ليست رأيا شاذا لا يعتد به وإنما هي من صميم مكونات السلوك الحضاري الغربي منذ قرون من الزمن. فهي تقوم على أساس مبدأ الثالث المرفوع الذي كرسه المنطق الأرسطي والذي اقتبست منه الممارسة الغربية التي تنبني على فكرة أنا أو الآخر والتعامل التاريخي للحضارة الغربية مع الآخر يؤكد ذلك، وأبلغ مثال على ذلك إبادة حضارة الهنود في أمريكا والقضاء على الوجود الإسلامي في إسبانيا. ناهيك عن الممارسة الاستعمارية التي كان من ثوابتها إلغاء كل ما هو محلي (تعليم، قيم…) واستبداله بالبرامج الاستعمارية.

إذا، من المنظور التاريخي لا يمكن اعتبار الحضارة الغربية التي صنعت أحداث التاريخ خلال القرون الماضية حضارة حوا ر بل الحوار فيها لا يشكل إلا جزيرة مغمورة في بحر ممتد من الحرب والعنف والإرهاب. من المنظور التاريخي أيضا يمكن  اعتبار  الحضارة الغربية غير مؤهلة لإدارة الحوار لأنها لم تحسنه  تاريخيا حتى بين مكوناتها وفترة محاكم  التفتيش والحروب العالمية شاهدة على ذلك. من الأجدر بالأستاذية في الحوار : حضارة حافظت على وجود “الآخر” لمدة أربعة عشر قرنا (نموذج أقباط مصر) أو حضارة ألغت وجود الآخر خلال قرنين أو ثلاثة (نموذج الأندلس)؟

موقع العالم الإسلامي

ولنرجع إلى القرن العشرين وما ميزه من حروب ساخنة وباردة لنتساءل عن موقع العالم الإسلامي، خلال هذه الفترة كانت أطراف العالم الإسلامي كأحجار على رقعة شطرنج تستخدم حسب ما تمليه لغة الحروب السائدة، فقد استعمرت  جل بلدانه وقطعت أوصاله ومزقت أطرافه إربا إربا وشوه تعليمه وعلمنت شرائعه وأهينت حضارته ودينه وقيمه. وقد جندت كل الطاقات لتجريده من كل مقومات الوجود الثقافي والحضاري كما فعل بحضارة الهنود في أمريكا.

هذا الأسلوب من التدخل في الرقعة الإسلامية  يمكن أن يوصف بكل النعوت غير أسلوب الحوار، بل هو نية القتل (بالمفهوم الحضاري) مع سبق الإصرار والترصد. أمام هذا الوضع لابد من انتظار ردود الفعل التي قد تأخذ في بعض الأحيان أبعادا دموية وجنونية. لابد من انتفاضة فردية أو جماعية هنا وهناك قد تكون دوافعها احتلال، تدخل أجنبي، قهر سياسي، دكتاتورية مظلمة، حكم فردي مستبد، قمع لحرية الرأي، أو تكون مسبباتها ظهور الفقر وانتشار البطالة، والتفكك الاجتماعي. هذه الأعراض المرضية كلها متفشية في البلدان الإسلامية. فتفاعل الوضع الداخلي الذي يتميز بالفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتدخل الخارجي الذي يتعامل مع هذه الدول بعقلية الشيخ والمريد من شأنه أن يخلق أوضاعا مشحونة ستدفع تلقائيا بعض الأفراد والجماعات إلى تبني ممارسات مثل تلك التي حدثت أخيرا. وليس هذا تبريرا لما حدث ولكن قراءة لبعض مسبباته. هذه المسببات كلما توفرت عناصرها في مجتمع ما إلا ودفعت إلى نفس القراءة ولو اختلفت الديانة والثقافة خاصة إذا كان هذا المجتمع يحرص على الحفاظ على خصوصيته الثقافية.

خصوصية الحوار في الوضع الراهن

ولنرجع الآن إلى الحاضر ولنتساءل عن الوضع العالمي الراهن لمعرفة خصوصية الحوار الذي يسوده، قلنا فيما سبق بأن القرن الذي ودعناه كان قرن حروب، وهذه الحروب لم تضع أوزارها إلا في عشريته الأخيرة عند انتهاء  الاتحاد السوفياتي والذي غاب معه عالم ذو قطبين ليحل محله عالم ذو قطب واحد. وقد استبشر العالم بانتهاء  عهد الحروب وبقدوم عهد السلام والحوار. وظن ا لجميع أن الغرب قد تعقل واستفاد وأصبح أكثر حضارة بانتقاله إلى عهد يسوده السلم و الحوار بين مكونات الحضارة الإنسانية. لكن هذا لم يحدث، إذ بمجرد القضاء على (محور الشر) الذي تمثله الإيديولوجية الماركسية بدأ البحث عن محور آخر ليدار حوله الصراع. وهذا الآخر هو ما يسميه الغربيون أنفسهم الخطر الأخضر عوض الخطر الأحمر الذي تمثله الشيوعية، وقد سلك الغرب من أجل إدارة هذا الصراع الذي يسميه الغرب حواراً عدة سبل:

- في المجال الجيوسياسي ظهرت مقولة النظام العالمي الجديد الذي يكرس مفهوم هيمنة القطب الواحد والذي تم تحت  تطويع المؤسسات الدولية لخدمة هذه الهيمنة بما فيها الأمم المتحدة.

- في المجال الاقتصادي برز إلى السطح مفهوم العولمة الذي روج له بشكل منقطع النظير في العشرية الأخيرة. وهذا المفهوم في عمقه ليس إلا رفعاً للقيم الأمريكية (في مجال الأعمال والسوق والاستهلاك والثقافة…) إلى مستوى الكونية وبالتالي تصبح مفروضة على الشعوب والثقافات الأخرى، وهنا يصعب الحديث عن الحوار بل الذي يحكم منطق العولمة هو الغزو بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقد جندت حتى المؤسسات المالية لتحقيق ذلك بحيث بدأ البنك العالمي وصندوق النقد الدولي يختار في الدول النامية بعض المنظمات غير الحكومية المتناغمة مع المشروع الغربي ويمولها  لطرح -تحت مظلة حقوق الإنسان- مشاريع تستهدف الوجود الثقافي المحلي في العمق، ويأخذ هذا التوجه صيغاً مختلفة  منها الدفاع عن الطفولة أو المرأة… هذه المؤسسات المالية التي كان دورها يقتصر عن الجانب الاقتصادي بدأت تستعمل ضغوطها على كثير من الدول لحملها على تغيير منظومتها التشريعية والقانونية والتربوية.

وهنا نتساءل مرة أخرى، هل هذا التعامل فيه ولو حبة خردل مما يمكن أن يوصف بالحوار؟ بل أكثر  من ذلك لم يتعامل الغرب دمقراطيا مع التيارات المناهضة للنمط الذي تفرضه العولمة أو الأمركة على العالم إذ جندت وسائل الإعلام ضد كل رأي مناهض إما بالتعتيم عليه حتى يبقى في حكم الشاذ الذي لا يقاس عليه وإما بالتشهير به ونعته بالأوصاف المشينة (تطرف، إرهاب، أصولية…)

- في المجال الاستراتيجي والعسكري، من إفرازات النظام العالمي الجديد هي بروز مفهوم “دركي العالم” و”شرطي العالم” والذي بموجبه أعطي الحق لدولة أن تصنف أقطار العالم إلى أقطار خير وأقطار شر وكل من دخل في التصنيف الثاني أو اقترب منه يستحق التأديب. والتأديب يتم عبر وسيلتين: الحصار الاقتصادي أو الضرب العسكري. في خضم هذه الممارسات لا أجد لكلمة الحوار وجودا اللهم إذا اعتبرنا أن هذه الممارسات هي معنى الحوار عند الغرب.

- في المجال الثقافي، إذا أردنا أن نقيس نسبة الميل للحوار عند الغرب فلننظر إلى أكثر النظريات شيوعا فيه، النظريات الأكثر رواجا في هذا المجال هي:

نظرية صراع الحضارات لهوتنكتون والتي تقول بأن المستقبل سيكون عبارة عن صراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، ولا ننسى أن هذه النظرية اقترحها الكاتب لأول مرة في تقرير قدم للخارجية الأمريكية، ولا يستبعد أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة مؤطرة من طرف هذه النظرية والتي سوف تكون لها تداعيات على البانتكون.

نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما والتي تقول إن مصير العالم سيؤول إلى انتصار وتعميم القيم الغربية على بلدان العالم. وهذه النظرية لا تختلف في عمقها عن الفكر التوسعي الاستعماري الذي حمله الغرب للدول المستعمرة بحجة أنه جاء ليقدم للناس حضارة سامية تخلصهم من أدران ثقافتهم المحلية.

وقد أدلى هذان الكاتبان بدلوهما(4) في أحداث 11 سبتمبر، فجاء الأول يقول إن هذا الحدث يؤكد نظريته. أما الثاني فقد قال أن تعميم القيم والنظم الغربية سائر  المفعول  في كل المناطق باستثناء  الرقعة الإسلامية التي تقف عائقا أمام امتداد النموذج الرأسمالي الديمقراطي. وقد حرص الكاتب أن يستثني من البلدان الإسلامية المتمردة عن هذا النموذج دولة تركيا التي اعتبرها مثالاً لنجاح المشروع الديمقراطي  في العالم الإسلامي.  ومن حقنا أن نسأل الكاتب : هل النموذج الديمقراطي العلماني الذي تبنته تركيا بفضل اختيار ديمقراطي  للشعب  التركي أم أنه فرض ولا زال يفرض من طرف دكتاتورية عسكرية؟ ويبدو أن الكاتب مستعد أن يصفق حتى للنظام الشمولي إذا كان هذا الأخير يسعى إلى فرض القيم الغربية على شعبه رغم رفضه لها.

- النموذج التركي  يشاد به لأنه حاول أن يمحي من الوجود الثقافة المحلية حتى في أبسط مظاهرها ويستبدلها بالثقافة الغربية، حتى اللغة المحلية بدأت تكتب بالحروف اللاتينية. هل هذا هو الحوار الذي يريده الغرب مع الثقافات الأخرى؟ إذا كان هذا هو الحوار في منطق الغرب فإنه غير ذلك في منطق العقلاء وفي منطق التاريخ، لأن ما وقع في  تركيا ويقع في بلدان إسلامية أخرى يعتبر إجراما حضاريا لا يقل خطورة عما تفعله اسرائيل بالموروث الحضاري الإسلامي في فلسطين.

الغرب وحوار المستقبل

قلنا فيما سبق إن الغرب لم يحمل ثقافة حوار  مع الآخر لا ماضيا ولا حاضرا فهل مستقبلا يمكن أن يغير من موقفه؟ كل الدلائل والمؤشرات تدل على أن الغرب بزعامة أمريكا ليس على استعداد للحوار  مع الآخر، بل نلاحظ أنه بعد أحداث سبتمبر قد زاد من عدوانيته -ويستشف ذلك من خلال كثير من الجوانب منها :

ميزانية التسلح فالولايات المتحدة ستنفق في غضون السنة المقبلة مليار دولار يوميا في المجال العسكري. وهذا مؤشر أساسي على النية العدوانية لأن من شروط الحوار كما يقال عند العرب وضع السيوف في أغمادها.

الحملة ضد الإرهاب التي وضعتها أمريكا من أساسيات سياستها الخارجية وسينتج من الممارسات الأمريكية الراهنة كون هذا البلد يسعى مستقبلا لإعطاء مفهوم مطاط وواسع للإرهاب يمكنه أن يسع كل الآراء والثقافات والشعوب والحكومات التي لا تتجاوب والمشروع الغربي. والحملة ضد الإرهاب سوف لن تتخذ فقط شكل الاستعراض العسكري كما  وقع في أفغانستان وإنما ستتفرع إلى مجموعة متداخلة من السياسات سيتم إخراج مستوى عدوانيتها  حسب البلد أو الشعب أو الجماعة المستهدفة.

وكبداية لهذا المسلسل لجأت أمريكا إلى استعمال مصطلح محور الشر لتحديد نوعية تعاملها مع مجموعة الدول الأكثر مناهضة للمشروع الأمريكي. كما قامت بالضغط على السعودية لتغيير نمطها التعليمي وبصفة غير مباشرة هذا الضغط يعني حمل هذا البلد على نفض يده من الحركة الوهابية حتى يتسنى تقويضها عالميا هذا دون اعتبار الترابط التاريخي الموجود بين الأسرة الحاكمة في السعودية  وهذه الحركة التي وصفها فوكوياما بالإسلام – الفاشي مضيفا إليها كل الحركات الإسلامية، ولا يستبعد مستقبلا أن تخضع كل الدول الإسلامية لتصنيفات أمريكية متفرعة عن حملة مكافحة الإرهاب.

المجال الاستراتيجي، فالسعي إلى تطويق العالم الإسلامي وضبط أنفاسه ليس رؤية وهمية يروجها أصحاب نظرية المؤامرة بل هي ممارسة واقعية لا يمكن إغفال مراميها وأبعادها سواء تعلق الأمر بالتدخل في منطقة الخليج أو بالسلوك المريب للمضاربين (5) الماليين والذي نتج عنه افتعال أزمة مالية في دول الشرق الأقصى، كانت الدول الإسلامية أكثر تأثيرا بها. أما الاستعراض العسكري الذي حدث في أفغانستان فلم يكن هدفه هو محاربة الإرهاب ولكنه تمهيد لأخذ موقع أهم في آسيا الوسطى لمراقبة الوضع هناك عسكريا واقتصاديا. كما أنه تمهيد للتحكم في القوى النووية في المنطقة خصوصا باكستان، إضافة إلى كون أمريكا تريد أن تقترب من أبواب الصين للضغط عليها عسكريا بعد أن تمكنت من الضغط عليها اقتصاديا: نظرا لحجم الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة التي تبلغ 50 مليار دولار فإن أمريكا دائما تهدد بالتضييق على هذه الصادرات.

من خلال قراءتنا لتفاعلات 11 سبتمبر وما تمخض عنها من سيناريوهات مستقبلية نلاحظ أن الوضع  مرشح للتصعيد خاصة من طرف أمريكا  التي لم تنس سوابقها الحضارية لما  لجأ رئيسها إلى استخدام مصطلح الحروب الصليبية. مما يدل على أن الغرب سوف يتبارى لخوض حوار من نوع جديد مع الآخر. حوار لن يترك فيه للآخر إلا خيارين إما أن يكون مع أمريكا أو أن يكون مع الإرهاب. لكن هذين الخيارين ليس الآخر هو الذي يحددهما بمحض إرادته، وإنما أمريكا هي التي ستحدد الطرف الذي تنتمي إليه.

كما أن أمريكا بممارساتها الراهنة قد قامت بتحيين قانون العقاب الجماعي الذي طبقته الحضارة الغربية خلال القرون الوسطى ونبذته بعد ذلك مع ظهور الحرية والدمقراطية. ويقوم هذا القانون على مبدأ أن أي أمة تتحمل أوزار كل جرم يقوم به أحد أعضائها. وهذا القانون سرى وسوف يسري مستقبلا على الأمة الإسلامية، سرى من الناحية الإعلامية وسوف يسري من الناحية الدبلماسية والعسكرية. أفصح من ذلك هو أن أمريكا تؤسس الآن وضعا “قانونيا” يتنافى وكل الأعراف المتداولة حول حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية. هذا الوضع يمكن أمريكا من أن تسجن دون اتهام وأن تعذب دون رقيب وأن تصدر الحكم دون محاكمة أو دفاع أو صك اتهام، فما يقع في قاعدة كوانتانامو أبشع من أن يوصف نظرا لنوع التعذيب الذي يتلقاه السجناء، فالقاعدة المعروفة في التعذيب مهما كانت صنوفه تقضي بتعذيب الحواس، أما أمريكا فقد ابتكرت نوعا جديدا من التعذيب وهو إلغاء الحواس أو الحرمان منها، إذا كان المغرب قد أسيئت سمعته بسبب وجود معتقل تازممارت فإن أمريكا تلمع صورتها بمعتقل كونتنامو وصنوف التعذيب في هذا الأخير أشرس وأبشع من الأول.

هذه الأساليب الجديدة التي تنوي أمريكا التعامل بها مستقبلا ظنا منها أنها ستؤدي إلى ردع كل من تسول له نفسه تحدي أمريكا إضافة إلى كونها تفضي إلى اقبار مبدأ الحوار فإنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية لأن هذه الممارسات المنبعثة من عقلية الكووبوي  Cowboy سوف لن تغذي في نفوس الشعوب الأخرى حب أمريكا بل الحقد والكراهية والإحساس بالانتقام،  ولا يستبعد أن تجد كل إيديولوجية عنف تناهض أمريكا ما يكفي من الاتباع لضرب مصالح أمريكا. كما لا يستبعد أن تنشأ منظمات أخرى على غرار القاعدة أو أشد بأساً منها.

وهنا لابد من تصحيح المبدأ الأمريكي القائم على  النظرة الاستعمارية  للشعوب والتي تتلخص فيما يلي: كلما زاد البطش الأمريكي زاد خنوع وخضوع الشعوب الأخرى. وهنا لابد من تذكير أمريكا أن الشعوب هي أيضا تخضع لمبدأ فيزيائي بسيط يقول: كلما ازداد الضغط تولد الانفجار، فلا مناص من تأسيس عالم يسوده الأمن والسلام من ارصاء قواعد الحوار. أما من جهتنا نحن فقد كنا حضارة حوار والتاريخ شاهد لنا على ذلك إذ لا زالت بين ظهرانينا  لحد الآن ثقافات الآخر تنبض بالحياة لمدة أربعة عشر قرنا أو يزيد. فإذا كنا الآن لا نحسن الحوار كما يقول الغرب فلأننا قد نهلنا من ثقافته هذا السلوك، فأصابنا الغرب (نتيجة التلاقح الاستعماري) بداء فقدان المناعة الحوارية.

د. عبد الله الحسيني

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>