العمل الاسلامي بعد 11 شتنبر: دعوة للمراجعة 2/1


إذا أردنا أن نغتنم الأزمة التي حلت بعد 11 سبتمبر ونحولها إلى فرصة لمراجعة ملف العمل الإسلامي، فسنجد أن به أمورا عدة تحتاج إلى تصويب وإعادة نظر. ولا أخفي إنني استثار حرجا في إطلاق تلك الدعوة إلى المراجعة، لا لأنها تحتاج إلى مصارحة وجرأة في نقد الذات، فذلك شأن مقدور عليه، وإنما لأنها تتزامن مع مطلب أمريكي ملح لإجرائها، بأساليب أخرى، ولمقاصد أخرى، وهذا أسوأ ما في الأمر. وهو بُعد في المسألة ينبغي تحريره قبل أي دخول في الموضوع.

 

تحديث الاسلام على الطريقة الغربية

ثمة شيء غلط في المسلمين، وفي الثقافة الإسلامية السائدة، وربما في الإسلام ذاته، هذه الفكرة الأساسية التي يعبر عنها اغلب المثقفين والسياسيين الغربيين، خصوصا في الولايات المتحدة (البعض عندنا يرددها أيضا)، وهذا الغلط في رأيهم هو الذي افرز المجموعةالانتحارية التي قامت بالهجوم على نيويورك وواشنطن، ولكي لا تتكرر مثل هذه الكارثة ينبغي أن يصحح الغلط، وان تجفف منابعه ـ كيف؟

الإجابة نجدها ـ مثلاً ـ فيما تسرب من أنباء عن اعتمادات أمريكية خصصتها واشنطن لباكستان (مائة مليون دولار) لكي تراجع كتب الثقافة الإسلامية، وتحكم السيطرة على المدارس الدينية، بحيث يعد ملف لكل أستاذ وطالب، نجدها أيضا في تلك الأنباء الأخرى التي نشرت نموذجا لها في هذا المكان، ذلك الذي تمثل في مذكرة قدمتها السفارة الأمريكية في إحدى العواصم العربية إلى الحكومة المعنية ـ ولا نعرف أن كان قد قدم نظير لها إلى حكومات أخرى أم لا ـ طالبت باتخاذ إجراءات معينة لتقليص جرعة التعليم الديني، كان في مقدمتها اختصار ساعات تدريس مواد الثقافية الإسلامية من 20 ساعة إلى أربع ساعات فقط وإعادة النظر في مضمون المناهج التي تدرس، بحيث تخضع “للتنقيح” جنبا إلى جنب مع الاختصار.

فكرة أن الغلط في جانبنا مسيطرة أيضا على الخطاب الإعلامي في الغرب، وقد لفت نظري أنني ما لقيت صحفيا أجنبيا خلال الأسابيع الأخيرة إلا وسألني عن الجهود التي تبذل “لتحديث الإسلام” بعد أحداث سبتمبر، أدركت مما سمعت انهم يفكرون في المسألة على النحو التالي: طالما أن الذين قاموا بالهجوم على الأهداف الأمريكية من “الأصوليين المسلمين” والأصولية في مفهومهم معادية للحداثة، ولما كان من غير الممكن التراجع عن الحداثة وإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، فثمة حل وحيد للإشكال هو: أن يتم تحديث الإسلام ذاته الأمر الذي يحل العقدة ويفض الاشتباك.

المنطق مسكون بالتبسيط المخل، ويعبر عن درجة عالية من سوء التقدير والفهم تعرضت لها في كتابات أخرى، لكن أسوأ ما فيه هو قصور النظر الذي لا يرى المشكلة والغلط إلا في الجانب المتعلق بالمسلمين وحدهم، وهو ذات القصور الذي يقع فيه بعض المسلمين حيث يعجزون عن نقد أنفسهم، ويرون الغلط في الغرب وحده، أو في سياسته إن شئت الدقة، وفي الوقت نفسه يبرئون أنفسهم من كل عيب.

حذف الجهاد من المناهج الدراسية

لن يحذفه من العقل الإسلامي

في شتاء عام 82 تمرد جناح من جماعة الإخوان المسلمين في مدينة “حماة” ضد الرئيس السوري حافظ الأسد، واشتبك أعضاؤه بالسلاح مع “سرايا الدفاع” التابعة للدولة، فرد الرئيس الأسد بدك المدينة جوا وبرا، الأمر الذي أدى إلى قتل ما بين 8 و10 آلاف شخص من أبنائها، وبدعوى استئصال ذلك الجناح المتمرد من الإسلاميين، دعا عدد من القيادات اليسارية في حزب البعث إلى إغلاق المعاهد الدينية، التي اعتبرت ضمن ينابيع ذلك التيار، وعلم بالأمر الشيخ احمد كفتارو مفتي سوريا، الذي سمعت منه القصة، فذهب للقاء الرئيس الأسد، وعبر له عن تحفظه إزاء تلك الخطوة المقترحة. ومن بين ما قاله إن إغلاق المعاهد سيؤدي إلى زيادة التطرف وليسإلى تقليصه، لان المعاهد وهي قائمة تحت أعين الدولة يمكن ضبط وترشيد ما تقدمه من ثقافة إسلامية، ولكن إغلاقها سيدفع الشباب إلى البحث عن تلك الثقافة من منابع أخرى غير مأمونة، ولا يتاح للدولة دائما أن تكون على علم بما يجري فيها، لأنها ستتحرك في الظلام، وستكون بعيدة عن أعينها، ذلك فضلا عن أن قيام دولة بإلغاء المعاهد الدينية يسيء إليها ويوحي بان الدولة لها موقفها الرافض للدين أو الساعي لإضعافه بين الناس، الأمر الذي يعمق من أسباب التوتر في علاقة السلطة بالمجتمع.

هذا المنطق اقنع الرئيس حافظ الأسد بأهمية البقاء على المعاهد الدينية، الأمر الذي أدى إلى استبعاد فكرة إغلاقها.

أسوق هذه الفكرة لتبيان خطورة علاج التطرف بتطرف آخر في الاتجاه المعاكس، وللتنبيه إلى أن إضعاف التدين لا يحل مشكلة التطرف، الذي هو في شق منه أحد ثمار ذلك الإضعاف، وإنما ترشيد الفكر الديني وتشجيع مدارس وتيارات الاعتدال، هو الذي يحصن الناس ضد الوقوع في براثن التطرف، فإلغاء الجهاد من المناهج الدراسية مثلا لن يحذفه من العقل الإسلامي، ولكن وضعه في إطاره الصحيح هو الكفيل بالحيلولة دون إساءة فهمه أو توظيفه، وفي التجربة الإيرانية نموذج طيب في هذا الصدد، تمثل في إنشاء وزارة خاصة للتنمية الريفية أطلق عليها اسم “جهاد البناء” الأمر الذي وضع القيمة في سياق إيجابي للغاية، في ظروف مجتمع غير خاضع للاحتلال، ولا يحتاج إلى الجهاد في صورته القتالية، كي يدافع عن نفسه ويستخلص حقه.

دعوة المراجعة :

إضعاف للتدين أم استرداد للعافية

ثمة دعوة للمراجعة تبطن محاولة لإضعاف التدين وتهميش دوره في الحياة، وأخرى تستهدف التصويب واسترداد العافية، وتفعيل دور الدين وترشيد إسهامه في صياغة الحياة، والفرق بين المقاصد في الحالتين كالفرق بين الإماتة والإحياء، وأرجو ألا أكون بحاجة إلى تبيان المربع الذي تقف فيه المراجعة التي أدعو إليها.

وإذ أذكر بضرورة أن يراجع كل طرف موقفه ويعيد تقييم سياسته، بحيث يدرك حصته من المسؤولية عما جرى، فإنني أخص بالذكر أطرافا ثلاثة هي: الأنظمة المسؤولة عن إدارة المجتمعات العربية، ودعاة المشروع الإسلامي بمختلف فصائلهم، ثم واضعو السياسات في العواصم الغربية، خصوصا في الولايات المتحدة، التي أصبحت اكثر دولة مرفوضة شعبيا في العالم. (الفيلسوف اليهودي الأمريكي نعوم تشو مسكي يقول إنها اكثر دولة إرهابية).

وضعت الأنظمة السياسية في المقدمة، لأنها بحكم مسئوليتها عن إدارة كل مجتمع قادرة بحسن الإدارة على أن تستنهض المجتمع وتستخلص منه افضل ما فيه، وبسوء الإدارة تستخلص منه أسوأ ما فيه. ذلك أن الأفكار والقيم السائدة لا تتخلق أو تتحرك في فراغ، ولكنها تتأثر سلبا وإيجابا بمجمل التحولات السياسية والاجتماعية المساندة في كل مجتمع، إذ حين تنبت تربة ما الشوك والحنظل بغير توقف في ظروف معينة، فالقضاء على تلك النباتات لا يكفي، وإنما يتطلب الأمر أيضا تحليل التربة لمعرفة التحولات التي طرأت عليها، وطبيعة البذور التي ألقيت فيها.

عند التربويين الأمريكيين نظرية تقول انه إذا تكرر رسوب بعض الطلاب في إحدى المواد، فينبغي مساءلة المدرس وليس الطلاب، لان ذلك معناه انه لم ينجح في أن يستخلص من الطلاب افضل ما فيهم، فجاءت نتيجة تقاعسه على ذلك النحو. والأمر كذلك، فمن المهم للغاية في سياق المراجعة المنشودة، أن يجيب المعنيون بإدارة المجتمعات العربية بصراحة وشجاعة على السؤال التالي: لماذا أصبحت بعض تلك المجتمعات “طاردة” لبعض أبنائها، الذين اصبحوا بمضي الوقت عربا أفغانا أو ألبانا أو غير ذلك، ولم يعودوا عربا عرباً؟… بكلام آخر: لماذا فضلت تلك الألوف المؤلفة من الشباب العربي، أن تتشرد في بلاد الدنيا، وان تعاني من أهوالها، وتغامر بالانخراط في أنشطة العنف والإرهاب، ولم تفكر في العودة إلى أوطانها، ولماذا لم يعد بعضهم يعود إلى وطنه إلا مخفورا أو في تابوت خشبي؟

إننا إذ نأخذ على الولايات المتحدة استعلاءها واستكبارها على المراجعة ونقد الذات، فإننا نستطيع أن نطالبها بذلك أو نأخذ عليها تقاعسها فيه، ما لم نطالب الأنظمة العربية بإجراء تلك المراجعة، ومن ثم العمل على معالجة القصور أو سد الثغرات التي أسهمت في إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه.

فهمي هويدي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>