حوار مع المفكر الإسلامي فهمي هويدي


حوار مع المفكر الإسلامي فهمي هويدي :

< العمل التربوي والثقافي ثغرة لافتة للنظر في العمل الاسلامي مقابل إغراءات العمل السياسي

< الشورى رأي والديمقراطية صوت       < الشورى مرحلة متقدمة عن الديمقراطية

< التنظيم الإسلامي تختبر عافيته وصلاحه بمعايير عدة منها الالتزام بالشورى

يعتبر المفكر الإسلامي فهمي هويدي من أكثر المفكرين مساهمة في تطوير الحقل المعرفي الاسلامي الحديث. وبالإضافة إلى غزارة إنتاجه الفكري يمتاز بجرأة كبيرة في مناقشة مجموعة من القضايا الحساسة في مجال العمل الإسلامي والصحوة الإسلامية عموماً.

زار المغرب بمناسبة انعقاد ندوة “نحو مشروع حضاري عربي” التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بمدينة فاس في الفترة 23- 26 أبريل 2001. على هامش الندوة التقته المحجة وكان لها معه هذا الحوار :

حاوره : محمد البنعيادي

< يكتسي حوار النخب أهمية كبيرة داخل المجتمع العربي الإسلامي، في هذا السياق كان الحوار القومي الإسلامي، ما هي حصيلة هذا الحوار لحد الآن؟

> أولاً : عمر هذا الحوار لازال قصيراً (5- 6 سنوات) فلا نستطيع أن نتوقع بأنه سيؤتي ثماره المرجوة على النحو الذي يرتضيه الجميع ولكن مع ذلك أظن أن مجرد اللقاء وإدراك كل طرف بأنه في حاجة إلى الآخر وإدراك كل طرف أن هناك مساحة مشتركة على مستوى المقاصد العليا يمكن أن نلتقي عليها مع الآخر خصوصاً في ظروف التحديات الكثيرة مثل التحدي الديمقراطي الذي يواجه الأمة داخلياً وتحدي الهوية والتحدي الإسرائيلي. على مستوى هذه الأصعدة الثلاث، حدث التحرك، وأظن بأنه أثمر قدراً كبيراً من التفهم سواء لدى التيار الاسلامي أو لدى التيار القومي، وربما لاحظتم هنا في هذه الندوة كلمة د.خير الدين حسيب(رئيس مركز دراسات الوحدة العربية) كيف أنه تحدث عن العقل الإسلامي والتطورات الموجودة في الساحة الإسلامية بشكل إيجابي.

إن الحملات الإعلامية والتشويه الإعلامي كان دائماً يركز على ما هو سلبي في الساحة الاسلامية ويبرز نموذج الجماعات المسلحة في الجزائر وكذا الوضع في أفغانستان هذا استثناء. لقد حصلت تطورات فكرية مهمة وتحولات بالغة الأهمية في الساحة الإسلامية وخصوصاً على صعيد الفكر السياسي.

ما حدث أنجز بقدر كبير من التفهم بمعنى أن يرى كل طرف الطرف الآخر ليس من خلال أجهزة الإعلام ولا انطباعات عابرة ولكن من خلال الحوار المباشر، وبعد الدخول في عملية التفهم أظن أن المشاركة في موضوع الندوة التي نحن بصددها حول المشروع الحضاري ننتقل إلى التفاهم بعد ما فهم كل طرف الآخر، بعد هذه المر حلة دخلنا مرحلة التفاهم حول رؤية مشتركة للمستقبل، أظن لايزال المعسكر العلماني يحتاج بذل مجهود آخر في التفاهم مع الاسلاميين لأن الرؤى السياسية الإسلامية تطورت تطورات مهمة، ولكن لا يزال قطاع غير قليل من العلمانيين غير مستعد للدخول في المشترك أو يستوعبه مع الاسلاميين، في الطرف العلماني لازالت هناك أصوات تسعى إلى الإقصاء في الوقت الذي نسعى فيه للاستيعاب، من ناحية أخرى لغياب الشفافية في العالم العربي ليست موازين القوى معروفة بالضبط، بحيث أحياناً يبدو في بعض الساحات أن المعسكر القومي هو الأغلبية الكبيرة، بينما نحن نظن أن هذا لا يشكل الخريطة الحقيقية للواقع في الساحة الثقافية بدليل أنه في تجربتنا في مصر مثلا كل القطاعات المهنية الاسلاميون يحققون مكاسب كاسحة فيها.

فأنت في الانتخابات الحرة تحصل على الأغلبية فوق 70%. بينما في الحوارات السياسية التي ينتقى فيها الأفراد تحصل على 10% بالكثير، إذن في غياب الشفافية السياسية لا أحد يعرف بالضبط ما هو حجم الآخر. لكن كلٌّ يعرف أن الآخر مهم، لكن مهم بأي درجة؟! لم تنضبط هذه ولابد أن نعترف أن الحوارات الجارية تديرها أطراف قومية تستحق الاحترام بما فيها مركز دراسات الوحدة العربية، بينما الظروف المعقدة التي تحيط بالنشاط الإسلامي لا تمكن الاسلاميين من إنشاء منابر من هذا القبيل تستطيع الدفع في عمل مواز.

< من المؤكد أنه لازالت هناك بعض العوائق بين التيارين لم تحسم بعد، كان يُظن أنها حسمت مثل الديمقراطية والهوية ما سبب ذلك؟

> هذا يرجع إلى أمرين :

الأول : أننا في حاجة إلى مزيد من الوقت لكي يتحقق التفاهم حول أمور من هذا القبيل.

الثاني : الخلل في التعبير عن القوة بمعنى أن هناك أصواتاً تواجدت ضمن الطرف القومي ليس لها وزن في الساحة، وكنت أقول دائما أن هناك  من العلمانيين معتدلين ومتطرفين. وهؤلاء المتطرفون ممثلون في هذا  المؤتمر مثلا ليس لهم حجم، ووزن في الساحة علت أصواتهم هنا، لكن في الشارع لا صوت لهم، وهذا الكلام الذي تلفظوا به هنا لا يستطيعون قوله في الشارع.

فهذا ناتج -كما قلت- عن غياب الشفافية والمعرفة المعقولة بأحجام القوى المختلفة. لو كانت لدينا معرفة بهذه القوى لما كان لمثل هؤلاء الناس أن يحضروا أصلاً لأنهم ليسوا شركاء في المستقبل ولا حضور لهم في الحاضر.

< أثيرت في السنوات الأخيرة قضية العولمة في الفكر الإسلامي، وتباينت حولها المواقف بين محذر من عواقبها الوخيمة على الإسلام والهوية والخصوصية وبين داع إلى الاستفادة منها ومن منجزاتها، أين تقفون أنتم؟

> الإ جابة عن هذا السؤال وثيقة الصلة بتعريف المقصود بالعولمة، أظن أن ما حدث عملياً مسألة انعكست في أمور ثلاثة :

المصالح الاقتصادية : يريد الغرب أن يفرضها على الأمة العربية الاسلامية ويفتح أسواقها لها.

العلاقات الثقافية : الغرب يريد أن يفرض نموذجه الحضاري مستخدماً قنوات الاتصال التي أصبحت تنقل كل شيء بين أطراف الأرض.

ثورة الا تصال : الحقيقة أن الطرف الاسلامي، الفائدة التي تحققت له من خلال العولمة لا تتجاوز وسائل الاتصال، تستطيع أن تسجل العديد من التحفظات حول القهر الثقافي والقهر الاقتصادي والحضاري، وسائل الاتصال أفادت كثيرا في التبليغ لأن الحصار الذي كان مفروضاً على الخطاب الاسلامي لم يعد ممكناً، وفي التواصل بين الاسلاميين فيما بينهم، وفي التوصيل لغير المسلمين ثم لجماهير المسلمين.

ثم مخاطبة قطاع واسع بعدما كانت القوى الصهيونية محتكرة للخطاب والذي ظللنا نشكو منه، لم يعد الخناق محكماً كما كان في الماضي.

وبالتالي تحققت لنا مصالح، وثورة الاتصال تحولت إلى آلية توظفها لصالحك أو يوظفها غيرك لصالحه أو ضدك، إنه موضوع يتوقف على كفاءتك.

< أثيرت في السنة الماضية عندنا في المغرب ما سمي “خطة إدماج المرأة في التنمية” كما أثير في مصر “قانون الأسرة” ألا ترون أن هذا يوحي بوجود خطة تشمل العالم العربي والإسلامي لتحطيم كيان الأسرة؟

> هذا جزء من فرض المنظومة الحضارية والثقافية الغربية، الذي نحن نرفضه وينبغي أن نقاومه سواء تعلق الأمر بإشراك المرأة.. هي مسائل تخفي تطلعات لفرض النموذج الثقافي والحضاري الغربي على كل مناحي الحياة.

< لننتقل الآن إلى الحديث عن منهج التغيير في الحركة الإسلامية، الملاحظ أن العمل الإسلامي في المجال التربوي والدعوي بدأ يضمر أمام إغراءات العمل السياسي في جل الدول العربية والإسلامية. ألا يشكل هذا خطراً على مستقبل العمل الإسلامي خصوصاً إذا تأملنا التراجع الواضح في المعاهد والجامعات ومجموعة من المواقع التي كانت معقلا للخطاب الإسلامي؟.

> هذا صحيح بصورة نسبية، طبعاً هناك فرق بين تنامي ظاهرة التدين وبين أن يستصحب هذا التدين عمل تربوي منظم وتمثل العقيدة في السلوك والأخلاق والملاحظة التي ذكرتها أنا أوافق عليها وكتبت مرة عن “الاسلام الاجتماعي” وقلت : إن الناس مشغولون بالاسلام السياسي بينما الإسلام الاجتماعي لم يلق العناية الكافية. والخطر موجود، وأظن أن أحد أسبابه ليس فقط إغراء العمل السياسي ولكن أيضاً ضغوط القهر السياسي التي وضعت كثيراً من الحركات الاسلامية  في موقع الدفاع أي حينما تكون ملاحقاً ومهدداً بالسجن والتضييق أو بغير ذلك… يكون هذا مؤدياً إلى صرف انتباهك عن الإعداد الطويل المدى والمتمثل في التربية وانشغالك بالدفاع عن النفس وتثبيت المواقع كأنه يكاد يفقدك المبادرة فتتحول إلى رد الفعل ولا تتحكم بقدر كاف في الفعل.

< نفس الشيء يقال عن البناء الثقافي، أي أن الفعل السياسي لابد أن يسبقه البناء الثقافي المؤسس لهذا الفعل، والمتأمل للتجارب الاسلامية يلاحظ ضمور الاختيار الثقافي؟

> هذا صحيح، وأستطيع أن أجد ما حدث في المغرب من انتقال سريع للعمل السياسي صدىً فى أقطار أخرى ولم يخْلُ الأمر من قوى أو أصوات تنادي بالاهتمام بالعمل الثقافي والتربوي والحضاري وتأجيل الاشتباكأو الانغماس في العمل السياسي وهذا حاصل في مصر أيضاً، مثلاً أخيراً أنشيء منبر سمي “مصر للثقافة والحوار” يعنى بالشأن الثقافي والتربوي ورافض لهذا الاستسلام لإغراء العمل السياسي وساعده على هذا أنه اكتسب شرعية لأن هناك حوائل قانونية ضد العمل الاسلامي كما تعرف، ولهذا تشكل مركز لإصلاح هذه الثغرة التي أوافق على أنها موجودة في الساحة الاسلامية بشكل لافت للنظر.

< أصبح موضوع الديمقراطية محورياً في الخطاب الاسلامي بين معارض ومؤيد، وقد سبق لكم أن تطرقتم إلى هذا الموضوع، وأريد أن أثير معكم مجموعة من القضايا المرتبطة بالموضوع مثل قولكم : الشورى رأي والديمقراطية صوت؟ فهل من مزيد توضيح؟

> أولاً : الإسلام لم يأت بشكل ولم يدافع عن عنوان ولكنه كان دائماً معنياً بالقيمة، حتى لفظ “الإسلام” من تسليم الوجه لله بخلاف المسيحية التي هي اشتقاق من كلمة “المسيح” التي هي المخلص أي إن المسيحية ارتبطت بشخص المسيح بينما الاسلام ارتبط بقيمة التسليم. أنا كتبت أن الإسلام لم يقدم شكلا من أشكال الحكم ولكنه دافع عن قيم، وكل ما ابتدعه المسلمون من أشكال لا إلزام فيه من الخلافة إلى أهل الحل والعقد كل ذلك مسائل ووظائف مثل المحتسب وغيرها… أشياء ومهام أنتجتها العبقرية والخبرة الإسلامية، وللمسلمين أن يبتدعوا مسميات أخرى تؤدي نفس القيمة، المحتسب مثلا لمراقبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكذلك في الشورى، نقول أولاً الشورى في إطار الإسلام هي التي لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً منضبطة بهذا، سقف الديمقراطية عندنا هو ما هو مقرر في الا طار الإسلامي، ولهذا أعتبر أنه إذا كانت الشورى شكلا من أشكال المشاركة وهذه المشا ركة تمت من خلال تسمية أخرى فلا بأس، وأضفت أن الشورى مرحلة متقدمة على الديمقراطية، وهذه المرحلة لا يمكن أن نصلها إلا إذا مررنا بالديمقراطية، ولهذا ينبغي ألا نختلف  على الديمقراطية، وغير صحيح أن الديمقراطية باب للتفلت من حاكمية الله. نحن نتحدث عن ديمقراطية في إطار حاكمية الله، ويجب أن نفرق بين مصدر السلطة ومصدر التشريع. أما السلطة فللشعب والتشريع مصدره المرجعية الإسلامية.

< يقول ذ. محمد قطب إن الديمقراطية تسمح بأن يستفتى الشعب في المر جعية التي تتحدثون عنها؟

> يا سيدي، أقول لا أحد يستفتى في المرجعية، أستاذنا محمد قطب ليس مدركاً أن الديمقراطية آلية تستخدمها في إطار منظومتك الفكرية في ما هو قطعي لا مجال فيه للاستفتاء، فيما هو ظني أهلا وسهلاً، الظني يحتمل الاختلاف، وكما قال الأخ الأستاذ طارق البشري “عندك حدود وأنصبة..” لا أحد يستطيع الاقتراب منها ما قوله الأستاذ محمد قطب فيه التباس شديد كأن الديمقراطية أن تطرح كل شيء للاستفتاء، أنا أقول بالديمقراطية في إطار السقف الإسلامي.

< قلتم بأن الشورى رأي والديمقراطية صوت، لكننا نلاحظ حتى داخل الصف الإسلامي أن الرأي، والصوت قد يتساويان.

> هذا ليس صحيحاً، مثلا : أنت تجري انتخابات كل خمس سنوات لن تستطيع أن تقول شيئاً أنت كمواطن خلال هذه المدة، لكن في ظل الرأي إذا عنّ شيء في خلال هذه المدة يمكن التصويب. دعني أقول إن الشورى قيمة عليا وأنك إذا أردت أن تبلغها لابد أن تمر بأطوار. الطور الذي ينبغي أن تمر منه هو الديمقراطية فإذا كانت الشورى هدفاً نهائياً فالديمقراطية هدف مرحلي، هذا ليس تنكراً للديمقراطية ولكن بناء عليها.

< هل يمكن اتباع هذا المنهج حتى داخل التنظيم الإسلامي في التسيير وا تخاذ القرارات الكبرى والتفصيلية؟

> الأمر يختلف، التنظيم الإسلامي مفروض أنه أقرب إلى الالتزام بالقيم الإسلامية ولا يحتاج إلى هذا المنهج، ولكن خا رج التنظيم الإسلامي عندك علمانيون وليبراليون وغير مسلمين.. لكن التنظيم الإسلامي تختبر عافيته وصلاحه بمعايير عدة منها الالتزام بالشورى.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>