رؤية إسلامية للصحة الإنجابية


للزواج مكانة مقدسة في الإسلام، لأنه حاجة الفطرة، التي فطر الله الناس عليها، ونداء الطبيعة، به يرتفع الإنسان عن الحيوان، وبفضله تعمر الأرض، ويبقى الجنس الآدمي، ولذلك رغب الاسلام في الزواج، بل حثّ عليه من أجل الإحصان والعفاف، وتكثير النسل، ولأنه هو أسلم طريقة لتصريف الغريزة الجنسية، كما حثّ الإسلام قرآناً وسنة قبل الإقدام على الزواج، على اختيار أحد الزوجين لقرينه، كخطوة أولى لإنشاء أسرة متماسكة ومستقرة، ولإنجاب ذرية سليمة صالحة، قال تعالى : {وأَنكحوا الآيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم}(النور : 32)، وقال صلى الله عليه وسلم : ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير))(رواه الترمذي)، وقال صلى الله عليه وسلم : ((تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس)) وقال صلى الله عليه وسلم : ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة))(رواه أبو داود).

ومما لا شك فيه أن الإسلام جعل الولد حقاً مشتركاً بين الوالدين والأمة، وعلى الوالدين أن ينشئانه تنشئة حسنة، ويغرسان فيه المبادئ الإسلامية السامية منذ الصغر. والإسلام يحث على القوة والعزة واتساع العمران، وكثرة الأيدي العاملة المؤمنة، والعقول المفكرة، والسواعد المدافعة عن الدين والوطن حتى تستقيم الحياة وترتقي. قال تعالى : {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}(الكهف : 45). قال صلى الله عليه وسلم : ((تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة))(رواه عبد الرزاق) إذن هناك اعتبارات قوية لوجود النسل وكثرته من بينها:

-1 حق الأمة للنهوض بها وحفظ كيانها والدفاع عن مقدساتها.

-2 حق الفطرة وهو عدم معاكسة الطبيعة عن كف أجهزتها عن القيام بوظيفتها.

والاعتباران معاً يلتقيان من ناحية في دفع الضرر الذي يلحق بالزوجة أو النسل أو الأمة من جراء إطلاق الحرية في تحصيل النسل، كما أن الفطرة ويدعمها الطب لا تقر حملاً فيه إضرار بالزوجة والنسل، ولتجنب ذلك الإضرار، أباح الشرع للزوجين أن ينظما نسلهما بالطرق التي أقرها منها المباعدة بين فترات الحمل للمحافظة على صحة الأم والطفل، ومنها العزل، فقد ثبت عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، أنهم كانوا يعزلون لأسباب تتعلق بالأطفال، أو تعود إلى المرأة نفسها أو لرغبة الزوجين، فعن جابر رضي الله عنه قال : ((كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك نبي الله، فلم ينهنا))(رواه مسلم). والعزل هو القذف خارج رحم المرأة، ولا يتم ذلك إلا برضاها، وقد تستعمل وسائل أخرى حديثة بشرط ألا تكون مضرة بصحة الزوجة وبرضا الزوجين.

أما الاجهاض وهو اسقاط الجنين من الرحم بعد تكوينه ونفخ الروح فيه فحرام، لا يحل لمسلم أن يفعله، باعتبار أن الجنين في هذه المرحلة نفس مؤمنة يحرم قتلها، وقد أجمع الفقهاء على هذا التحريم بلا خلاف بينهم، ما لم يكن هناك ضرورة شرعية. كما لا يجوز أيضاً منع النسل بتاتاً، أو وقفه عند حد معين إلا لضرورة، أو العمل على تعقيم أحد الزوجين، كإجراء عملية جراحية تؤدي إلى تعطيل الجهاز التناسلي بصفة دائمة.

إن الدعوة إلى إباحة الإجهاض فيه مصادمة وطعن صريح في الأحكام المتعلقة بنظام الزواج في الاسلام، فإذا تقرر ذلك وطبق، كان دعوة صريحة لتسويق الفاحشة بين الناس، وهذا مناقض لمقاصد الشرع الحكيم، قال تعالى : {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة}(النور : 19).

الاسلام عندما حث على الكثرة، قضى بصيانتها من عوامل الضعف والفتور، فتعهد الجنين في بطن أمه بالتغذية والحفظ والرعاية وهو نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر، ورفع عن أمه المشقة التي تعود عليه وعليها بالأذى والضرر، فرخص لها الإفطار في نهار رمضان خوفاً على جنينها وعلى صحتها.

فالدين حريص على تقوية النسل، وتنظيم الأسرة تنظيماً يحفظ للأسرة قوتها وصحتها الإنجابية، قال تعالى : {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة}(البقرة : 231)، وهذا يؤدي إلى أن ينشأ الرضيع في صحة جيدة، ومنع الأم من الحمل في هذه الفترة لتستريح وتستعيد قوتها، وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الحمل أثناء الرضاعة غيلاً، قال صلى الله عليه وسلم : ((لا تقتلوا أولادكم سراً فإن الغيل، يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه))(رواه أبو داود)، إن الرضاع وقت الحمل يضر بالطفل الرضيع حتى ولو كان في قوة فارس.

إذا كان انجاب الأطفال نعمة من الله تعالى، وزينة للحياة الدنيا، فإنه من جهة تبعة خطيرة وأمانة تحتاج إلى الرعاية، بتوفير الجو الملائم نفسياً ومادياً وتربوياً، حتى يكونوا أهلاً لخدمة أمتهم والذود عن عقيدتهم، لذا تجب المحافظة عليهم من الضعف، حتى لا يكونوا غثاء كغثاء السيل، وحتى لا يتعرضوا للزوال أو الانحراف والخبال.

فالكثرة التي تنشدها الأمة، والتي يحق المباهاة بها، هي الكثرة القوية في دينها وجسمها وعقلها وعلمها وعملها، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

إن الاسلام بتشريعاته وتعاليمه السامية، عمل على تنظيم النسل، والتضييق من روافده، بحيث لا يكون إلا من الوجهة التي تقرها الشريعة الإسلامية وهي الزواج، حتى يحيا المسلم والمسلمة في هذه الدنيا حياة الشرف والفضيلة، ومن أجل ذلك حرم الزنا وأغلق الطرق المؤدية إليه، كالمجون والاستهتار، لما يترتب عن هذه الفاحشة من مفاسد وخيمة، وعلى رأسها اختلاط الأنساب، وعدم الإبقاء عليها نقية نظيفة طاهرة، إضافة إلى ما ينتج بسببها من أمراض فتاكة كالسيدا، والسيلان أو الانحرافات السلوكية من لواط وسحاق، قال تعالى : {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً}(الاسراء : 32).

ذ. حُسني أحمد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>