وذَكِّر.. فالذكرى نَافِعَة.. مـأسـاة المـوريسـكـوس -6


الثورات :

يقول Barajo في كتابه “Moriscos de Granada”: “لو ترك موريسكوس غرناطة يعيشون كما عاش اخوانهم المدجنون في القرون XII وXIII وXIV لما اضطروا إلى الثورات.

وقد كا ن على رأس العاصمة غرناطة شخصيتان تميلان إلى هذا التعايش السلمي : وهما : الحاكم العام لغرناطة Conde de Tendilla، واسقف غرناطة Fray Hernando de Talavera.

ولكن كان هناك أيضا من لم تعجبهم هذه السياسة، سياسة التسامح، فكانوا يرمون الى تنصير الموريسكوس بكيفية سريعة وصاحب هذه السياسة هو الكاردينال Cisneros الذي نظم سنة 1499م عملية التنصير اجباريا وجماعيا كما سلف ذكره، وكذلك الاسقف Ayala.

وأمام هذه الوضعية لم يكن هناك غير مصيرين : إما الخضوع للتنصير وإما الصبر على العذاب ومغادرة البلاد.

وقد اضطر كثير من رؤساء الموريسكوس، من جراء هذهالمعاملة القاسية إلى اعلان الثورة الأولى بحي البيازين بغرناطة سنة 1499م بين هتافات بالاسلام والصلاة على النبي.

وبمجرد أن انتشر خبر هذه الثورة في أنحاء المملكة، ثار سكان البشارات والمرية والرّنده، وقد توجه الملك فرناندو نفسه للقضاء على هذه الثورة ومعه فرسان حرب الاسترداد وعدد من الكونديات والنبلاء، فجرت معارك دامية في أعالي جبال لانجرون.. انتهت بتقرير التمادي في عمليات التنصير أو الطرد من البلاد.

وكانت هذه الاجراءات القاسية سببا في اندلاع ثورة أخرى بالبشارات والرندة سنة 1501م، وهبَّ فرناندو ومعه قواده لمحاصرة الثوار، إلى أن استسلموا بعد مقاومة عنيفة كان من بين الهالكين فيها أحد الكونديات.

ثم توالت اضطهادات وفتن عارمة وشاملة إلى أن أعلنت الثورة الكبرى بالبشارات التي قادها الموريسكي المعروف بابن أمية(1) وقد تجمعت حوله كل آمال الموريسكوس وبويع في 27 ديسمبر 1568ملكا عليهم.

وما إن انتشر هذا الخبر حتى عمت الثورة جميع نواحي البشارات alpujarras الى شواطئ Vera وجبل طارق، واستمرت هذه الحرب الحقيقية الى نوفمبر 1570 حيث استطاع D.juan de austria أخ الملك فليب II ومعه كثير من النبلاء أن ينهي هذه الحرب.. وكان من نتيجة اندحار الموريسكوس في هذه الحرب أن فر فليب II إجلاء سكان البشارات ونفيهم إلى نواحي قرطبة واشبيلية كما نفوا سكان غرناطة إلى داخل اسبانيا، ولكن الكثير منهم آثر الجلاء إلى عدوة المغرب.

الطرد النهائي :

وأما الطرد النهائي فقد وقع أيام فليب III لأسباب منها :

اتهامهم (الموريسكوس) بالاتصال مع الاتراك والملوك المغاربة والانجليز والفرنسيس إعدادا لثورة أخرى.

فصدرت بلاغات الطرد النهائي ما بين -1609 1614م، وتدخل في ذلك الدوكي De Lerma وJuan Rivera أسقف بلنسية اللذان أوعزا بفكرة الطرد النهائي الى فليب III الذي كان غرّاً منصرفا الى اللهو، ولا يفهم شيئا مما يجري في البلاد.

ولم تمض إلا سنوات قليلة حتى نفذ قرار الطرد النهائي على جميع الموريسكوس أينما كانوا في نواحي اسبانيا كلها، سواء منهم المتنصرون والذين كانوا يخفون دين الاسلام في عمليات متوالية وأهوال ومحن، على أن بعضهم تمكن من البقاء هناك والبعض تمكن من العودة إلى اسبانيا خفية.

وهكذا خرج من بقي من أهل مالقة في ثلاثة أيام إلى باديس، وأهل المرية إلى تلمسان وأهل الجزيرة الخضراء إلى طنجة، وأهل الرندة وبسطة وحصن موجر وقرية قردوش وحصن مرتيل إلى تطوان وأحوازها وأهل ترقة (Tarka) إلى المهدية، وأهل مانسي إلى بلاد الريف، وأهل دانية إلى تونس والجزائر والقيروان، وأهل لوشة وقرية الفخار والبعض من غرناطة وأهل مارَشِنة وأهل البشارات إلى قبيلة غمارة، وأهل بربارة وبرجة ويولة وانْدَرَشْ إلى ما بين طنجة وتطوان، وأهل مرينية إلى اصيلا، وأهل مدينة بلش وشيطة وشريش إلى مدينة سلا، وخرج ما بقي من أهل غرناطة إلى بجاية ووهران وقابس وصفاقص وسوسة، وأهل طريف إلى آسفي وأزمور، وأنفا، وخرج أهل القلعة إلى اجدير..

وقد بلغ عدد هؤلاء المهاجرين -حسب ما ذكره Baroja- نحو 3 ملايين عربي، لا يدخل فيهم مليونان من اليهود المطرودين، هذا وقد ثبت أن عددا آخر يقدر بما فوق المليون استطاعوا بوسائلهم الخاصة أن ينجو من عمليات الطرد ويندمجوا هم وأعقابهم في الشعب الاسباني نهائيا وتنصروا بما فيهم الامراء والنبلاء.. ويستدل عليهم باسماء علائلاتهم الباقية هناك إلى يومنا هذا.

هكذا بدل الله ديار أولئك بديار أحسن منها وتلقاهم إخوانهم في البلاد الاسلامية بالرحب والسعة واطلقوا عليهم كلمة “الاندلسيين” التي مازالت تطلق على أعقابهم إلى اليوم… والأخبار متواترة على أنهم كانوا يذوبون أسفا على مغادرة أوطانهم، ويتحسرون على ضياع أموالهم وممتلكاتهم، ولم يزايلهم الامل قط في العودة بوسيلة أو بأخرى، حتى إن بعض العائلات منهم ظلت تتوارث بعض مدخراتهم كصكوك العقارات والممتلكات وكمفاتيح الدور والخزائن المدفونة، وقيل لي إن عائلة الأحمر المعروفة في تطوان ما تزال تحتفظ بلواء بني الأحمر الذي توارثته منذ نزوحها الى تطوان، ومعروف أن هذه العائلة تنحدر من عائلة بني الأحمر النصريين ملوك غرناطة.

وإنا لنأمل نحن أيضا في العودة إن شاء الله ولكن بشكل آخر يناسب العصر الحديث، عودة بزوغ الاسلام وحضارته على تلك الديار، ولا سيما أن الدولة الاسبانية قررت في السنوات الأخيرة السماح بحرية الاديان وبمزاولة نشاطها من جديد في الديار الاسبانية.

ويجب أن أشير هنا أيضا إلى الصحوة الاسلامية التي يعرفها اقليم الاندلس والمتمثلة في الجماعات الاسلامية التي لها أميرها الملقب بأمير الأندلس والتي تعمل وتتحرق شوقا إلى ذلك اليوم الذي يشرق فيه نور الاسلام على الجزيرة كلها، وما ذلك اليوم ببعيد إن شاء الله تعالى.

انتهت السلسلة.

————————

(1) في أواخر سنة 1568م اتفق الرؤساء الموريسكيون على اعلان ثورة عامة في البلاد، ولكن فشل الثورة في غرناطة العاصمة أدى الى تمركز الثوار في البشارات لأكثر من سنتين، وفي وادي  نودي بابن أمية ملكا على الموريسكوس، وبعد ذلك بأيام تمت مراسيم التتويج  تحت شجرة زيتون ما تزال معروفة الى اليوم، ولد ابن أمية سنة 1520م وهو ينحدر من أسرة مسلمة قديمة كانت لها مصاهرة مع بني أمية، وكانت عائلته اعتنقت المسيحية بعد استسلام غرناطة فكان اسمه Fernando de Valor، وقد غير اسمه عند بداية الثورة فأصبح “ابن أميّة”، مات مقتولا بيد ابن عمه ابن عبُّو الذي خلفه في الحكم سنة 1569م ودفن هناك في البشارات في Andarax، ولكن الأمير D.juan de austria بعد انتهاء النزاع أمر بنقل رفاته إلى وادي آش، والجدير بالذكر أن ابن عبُّو قتل هو أيضا غدرا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>