شخصيات معاصرة كتب  عنها الفقيد : -3 الداعية الكبير الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي منشئ جماعة التبليغ والدعوة


رجل نحيل نحيف تشف عيناه عن ذكاء مفرط وهمة عالية، على وجهه مخايل الهم والتفكير، والجهد الشديد، ليس بمفوه ولا خطيب، بل يتلعثم في بعض الأحيان، ويضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، ولكنه كله روح ونشاط، وحماس ويقين لا يسأم ولا يمل من العمل، ولا يعتريه الفتور ولا الكسل، رأيته في حالة عجيبة من التألم والتوجع، والقلق الدائم، كأنه على حسك السعدان، يتململ تململ السليم، ويتنفس الصعداء، لما يرى حوله من الغفلة عن مقصد الحياة، وعن غاية هذا السفر العظيم، رافقته في السفر والحضر، فرأيت نواحي من الحياة لم تكشف لي من قبل، فمن أغرب ما رأيت يقينه الذي استطعت به أن أفهم يقين الصحابة، فكان يؤمن بما جاءت به الرسل إيماناً يختلف عن إيماننا اختلافاً واضحاً كاختلاف الصورة والحقيقة، إيماناً بحقائق الإسلام أشد وأرسخ من إيماننا بالماديات وبتجارب حياتنا، فكان كل شيء صح في الشرائع وثبت من الكتاب والسنة حقيقة لا يشك فيها، وكأنه يرى الجنة والنار رأي عين.

ولد في الهند سنة 1303هـ، في أسرة عريقة في الدين والعلم، والدعوة إلى الله، والتمسك بعقيدة التوحيد الخالصة.

وكان لسلف الشيخ محمد إلياس دور في تاريخ الاصلاح الديني، ومساهمة فعالة في حركة الجهاد، والدعوة إلى الدين الخالص، التي قادها الامامان : السيد أحمد الشهيد، والشيخ محمد إسماعيل الشهيد، وتتلمذ رجال هذه الأسرة على مسند الهند وإمام الحديث فيها العلامة الشيخ عبد العزيز بن الامام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، صاحب “حجة الله البالغة”، ومسند الهند العلامة الشيخ محمد إسحاق بن محمد أفضل العمري، حفظ القرآن في صباه، وكان تحفيظ القرآن عرفاً متبعاً في الأسرة، وجبل على الحمية الدينية، قرأ على أخيه الشيخ محمد يحيى، ثم درس في مدرسة “مظاهر العلوم سهارن فور” وارتحل في سنة 1326هـ إلى ديوبند، وحضر دروس الشيخ محمود حسن المعروف بشيخ الهند، رئيس هيئة التدريس وشيخ الحديث بدار العلوم “ديوبند” في جامع الترمذي، وصحيح البخاري، وأتم دراسة الحديث، وقرأ بقية الصحاح الستة على أخيه الشيخ محمد يحيى، وكان كثير العبادة، مشغولا بخاصة نفسه، وكان موضع احترام بين المشايخ والعلماء يعترفون بتقواه وورعه، والانابة إلى الله، واشتغل مدرساً مدة في مدرسة “مظاهر العلوم” بمدينة “سهارن فور” التي تمتاز بالاعتناء الزائد بعلم الحديث، وتخريج الدعاة إلى الله، والقائمين بالدعوة الدينية الشعبية، والمشتغلين بتدريس الحديث الشريف والافتاء، وتأسيس المدارس والكتاتيب.

وكان أبوه الشيخ محمد إسماعيل، ثم أخوه الشيخ محمد، قائمين بالدعوة إلى الله، وتعليم أطفال المسلمين، وتثقيف الطالبين الأميين، في مسجد في جنوب “دهلي”، وكان أكثر هؤلاء الأطفال وطلاب الدين من “ميوات” التي كانت تغلب عليها الأمية، والبعد عن الحضارة، والخضوع للعادات والتقاليد الهندكية، فلم تحظ بعناية الدعاة المسلمين والمعلمين والمربين من قرون عديدة، وكان هذا المسجد وهذه المنطقة التي أقام بها والده وأخوه مدخل هذه الولاية العظيمة التي كانت لا تزال على بداوتها وسذاجتها، وبعد وفاة الشيخين -الوالد والأخ الكبير- انتقل الشيخ محمد إلياس إلى هذا المركز الديني والتعليمي، الذي كان يعتمد على روح التطوع والاحتساب، فكان نقطة تحول في حياته، ومنطلقا لدعوته، التي شرقت وغربت بعد وفاته، وعرفت بحركة الدعوة وجماعة التبليغ.

وقد كان ذلك الزمن زمن نشاط حركة الردة، والعودة إلى دين الآباء الوثني البرهمي، وكان أكبر مركز نشاط هذه الدعوة المناطق التي يسكنها المسلمون الذين يقال عنهم أنهم أسلموا أيام الحكومات الاسلامية، وأنهم ينتمون إلى أسر وبيوتات هندكية قديمة، وقد آن الأوان -في الحكومة الانجليزية التي تمنع لكل فرد وجماعة حرية الاعتناق بأي ديانة تريدها، والعودة إلى ماضيها السحيق، وتشجيع كل حركة تضعف المسلمين الذين انتزعت منهم الحكم، وورثتهم البلاد، ولا تأمنهم في المستقبل- أن يرجعوا إلى دينهم القديم، ونشطت هذه الدعوة في المناطق التي يمعن سكانها المسلمون في الجهالة، والتمسك بالحضارة الهندكية ومشاركة مواطنيهم في كثير من العقائد، والعادات والأعراف، وقد ارتد فعلا كثير من القبائل المسلمة المنحدرة من الأصول الهندوكية عن الاسلام، وعادوا إلى دين آبائهم على زعمهم.

أفزع ذلك الشيخ محمد إلياس الذي رزقه الله من الحمية الدينية والغيرة على الاسلام، النصيب الأوفر، وطير نومه، وكدر صفو حياته، وشغل باله، وأفزعه كذلك بقاء هذه المنطقة العريضة الواسعة، ذات المواهب والطاقات، والبساطة والتقشف في الحياة، على جهلها المطبق، وأميتها الفاشية، والخضوع للتأثيرات الهندكية، وتناسى العلماء والدعاة والمصلحين، لهذه الولاية المغمورة المجهولة تقريباً، الوضع الذي يهدد بكل خطر، ويغري كل طامع وطامح من دعاة الافساد، والردة العقائدية، والوثنية الجاهلية، بالهجوم عليهم، وافتراسهم، فأقبل أولا على الجولات التي كان هدفها الدعوة والوعظ والارشاد، ثم على إنشاء الكتاتيب وبثها في القرى والأرياف، وعين فيها مدرسين وأساتذة، كان ينفق عليهم من جيبه، ومن إعانة أصدقائه المخلصين، وقد نفع ذلك بعض النفع، ولكنه توصل إلى نتيجة أن الخطب أعظم من ذلك وأوسع، وأن ما هم فيه من جهل وفقر، واشتغال بالفلاحة والزرع، يمنعهم من الانتفاع بهذه الكتاتيب والمدارس، وتفريغ أولادهم الذين يعتمدون عليهم في رعي الماشية وحراسة (الزرع) للدراسة فيها وأن شأن المدعو غير شأن الداعي.

وإضافة إلى تجربته العملية، ونتائجه التي توصل إليها في المجهود الذي بذله في “ميوات” لحماية هذه المنطقة من خطر الردة، ووقوعها فريسة في براثن دعاة الافساد والالحاد، والارتداد والمجهود الذي بذله في نشر الدين، والحث على تعلمه، والتمسك به، راع الشيخ محمد إلياس ما أصاب المسلمين -في العالم الإسلامي بصفة عامة، وشبه القارة الهندية بصفة خاصة- من الضعف والتدهور في الايمان والروح، وجفاف منابع الشعور الديني في هذه المدة، وما أثرت فيهم الحكومة الانجليزية والحضارة الغربية، والتعليم المدني، وغفلة الدعاة والاشتغال الزائد بالحياة، حتى صارت مدارس العلوم الشرعية، ومراكز الحياة الاسلامية الدينية كجزر في بحر محيط، وأصبحت تتأثر هي نفسها بمحيطها الثائر على الدين، فاقتنع أخيراً بأن التعليم وحده لا يكفي، والاعتزال لا مسوغ له ولا مجال، والانزواء والانطواء يزيدان في قرب الخطر، فلابد من الاتصال بطبقات الشعب -على اختلافها- مباشرة، ولابد من التقدم إليها من غير انتظار، لأنها لا تشعر بمرضها وفقرها في الدين، وما في ذلك من خسارة وخطر، وشقاء وحرمان، وتعرض للمصائب في الدنيا، وأهوال في الآخرة.

واقتنع كذلك بأن الواجب أن يبتدئ بغرس الايمان في القلوب، وتصحيح العقيدة، وفهم مبادئ الاسلام، والعمل بها، ثم العمل بأركان الاسلام العملية، الأربعة -الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج- مع الاقبال على العلم والتعلم، لما يحتاج إليه المسلم من عقائد وعبادات ومسائل، هذا مع الاشتغال بذكر الله الذي يربط القلب بالله تعالى، ويدفع عنه الشيطان ويقويه على مداومة هذا العمل.

وقد لاحظ الشيخ محمد إلياس بفراسته الايمانية، وإخلاصه للدعوة وتجاربه العملية، أن الدعوة إلى الله، والقيام بحركة إصلاحية، ينتقل سريعاً إلى أمور سلبية، ونقد لاذع، ويتحول ذلك سريعاً إلى إثارة الخلافات، وإيجاد المشكلات، وإهانة كثير من المسلمين الذين لا يكونون على مستوى هذا الداعي (المتخيل عنده) فيثير ذلك فتناً كثيرة، وقد تنتقل هذه الدعوة الايجابية البناءة، السليمة الهادئة، المجردة عن الأغراض الدنيوية، ومطامع الملك والسلطان، إلى معسكرات خلافية، أو منظمات سياسية، أو مخططات إرهابية، فأضاف إلى أسس هذه الدعوة -التي شرحناها في إيجاز- حمايتين حكيمتين دقيقتين لهذه الدعوة البريئة، الخالصة المخلصة لله، وهما إكرام المسلم -على علاته ومواضع ضعفه، ومواضع نقده- نظراً إلى الركيزة الايمانية المودعة في قلبه، وإيمانه بالله ورسوله، وعدم تمرده عليها، والثاني عدم الاشتغال بما ليس بسبيل الداعي، وما هو في عداد الأمور الجانبية أو الهامشية في حياة المسلم، وترك ما لا يعنيه، وقد كانا حصناً حصيناً وسياجاً متيناً لهذه الدعوة التي قد تقوم عمليتها في بيئات موبوءة يستغلها المغرضون لتحقيق أغراضهم، ويتخذونها قنطرة للوصول إلى كرسي الحكم، وقد كان لهاتين الدعامتين فضل كبير في صيانة هذه الدعوة في جو مكهرب بالسياسة والانتخابات، وبالخصومات السياسية والحزبية في شبه القارة الهندية، وفي بعض البلاد الاسلامية.

وقد اهتدى أخيراً إلى أن هذه الدعوة لا تقوم على قدميها، ولا تنتشر في العالم، ولا تحقق المطلوب، إلا إذا كان لها رجال متطوعون محتسبون، لا يريدون عليها جزاءاً ولا شكوراً، ولا يعتمدون فيها على الاعانات والاكتتابات، ومساعدة الحكومات، والصندوق والميزانية، وتجنيد الناس، وتسجيل أسمائهم في دفاتر وسجلات، وبث الفروع المنظمة التابعة للمركز على غرار الجمعيات والمنظمات، وأن تعيش بعيداً عن المجال السياسي، والشعارات الاستفزازية، واللافتات الجذابة، وتعتمد على الاخلاص، وابتغاء رضوان الله، والامتثال لأوامر الله، والتقرب بكل ذلك إلى الله، كما كان الشأن في العصر الاسلامي الأول.

وفي ضوء ما شرح الله له صدره، وما اهتدى إليه عن طريق دراسته العميقة للكتاب والسنة والسيرة النبوية، وأخبار الصحابة رضي الله عنهم. وعن طريق تجربته العملية وممارسته للدعوة -غير معتمد في ذلك على الخطابة والكتابة، والذكاء المحض- فتح الله له الطريق إلى دعوة الناس إلى الخروج في سبيل هذه الدعوة، والاكتتاب بالوقت والنفس، وتقديم جزء من الحياة، والتفرغ عن الشواغل بدل الاكتتاب بالمال، وبدأ دعوته بمنطقة هي أحط المناطق الهندية خلقاً وثقافة وحظاً، وأبعدها عن الدين، وأعظمها جهالة وضلالة، وهي منطقة “ميوات” في جنوب دلهي، عاصمة الهند، والذين كان القتل عندهم أهون شيء، وقد يقتلون الانسان لأمر تافه ودرهم زائف، فدعا الناس فيها -كتجربة أولية- إلى انقطاع مؤقت عن أشغالهم -لا إلى انصراف عن الحياة والرهبنة- والخروج عن أوطانهم لمدة محدودة تقصر وتطول بحسب أوضاع المتطوع، وحاجته وهمته، لأنه عرف معرفة لا يرتقي إليها شك، أن هؤلاء القرويين الفلاحين أو التجار المدنيين، أو الموظفين المشغولين، لا يتعلمون الدين ولو إلى درجة الضرورة، وما لابد منه لمسلم، ولا يتغيرون في الأخلاق والسلوك، ولا يتركون عاداتهم الجاهلية إلا إذا خرجوا من هذا المحيط الفاسد، الذي يعيشون فيه، ومع أنه قد توفرت فيه المدارس وكثرت فيه المناسبات الدينية، إلا أنهم لم ينتفعوا بها في قليل أو كثير، لتأثير المحيط الفاسد الذي أمسك بتلابيبهم، ووقف حاجزاً بينهم وبين الانتفاع بالفرص المتاحة لهم.

وقد أثرت هذه الدعوة التي أذاب فيها مهجته، ووضع فيها مواهبه، رغم ما كان فيها من مصاعب، فقد قبل دعوته مئات وألوف من هذه المنطقة، وخرجوا شهوراً وقطعوا مسافات بعيدة مما بين شرق الهند وغربيها، وشمالها وجنوبها، ركباناً ومشاة، فتغيرت أخلاقهم، وتحسنت أحوالهم، واشتعلت فيهم العواطف الدينية، وانتشرت الدعوة في الهند وباكستان من غير نفقات باهظة، ولا مساعدات مالية، أو نظم إدارية، بل بطريقة بسيطة تشبه طريقة الدعوة في صدر الاسلام، وتذكر بالدعاة المخلصين المجاهدين المؤمنين الذين كانوا يحملون في سبيل الدعوة والجهاد متاعهم وزادهم، وينفقون على أنفسهم، ويتحملون المشقة محتسبين متطوعين.

هذا مع استغناء تام عن مساعدات أو تيسيرات تقدم عادة من الجهات الرسمية لجماعات نشيطة، ذات نفوذ شعبي، أو دعوات وحركات تتمتع بثقة الجماهير واحترامها.

وقد توفي إلى رحمة الله تعالى في رجب عام 1363هـ.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>