أمريكا تتوب إلى الله


يستحق الخبر الذي نشرته جريدة الأهرام القاهرية يوم الخميس الموافق 99/7/1 على مساحة صغيرة في صفحتها الأولى أن يكون واحداً من الأخبار المهمة ونحن على أعتاب قرن جديد وألفية جديدة أن يكون تعليقاً موجزاً، وفي الوقت نفسه غاية في الدلالة على ما يجب على الأمم جميعاً وبخاصة المنكوبة منها أن تفعله إزاء الأزمات والمشكلات العضال التي نعاني منها، يقول الخبر : إن مجلس النواب الأميركي كان بصدد الاعلان عن يوم للتوبة يدعو فيه الشعب الامريكي أن يصوم ويتوب إلى ربه بعد أن اجتاحته النوائب الداخلية ولاسيما ما حدث من قتل وترويع للأبرياء في إحدى المدارس منذ فترة ليست ببعيدة ((بعد نشر هذا الخبر بأيام قليلة فُجع الشعب الأميركي على مختلف طوائفه بمقتل جون كنيدي الابن والذي كان يتمتع بشعبية كبيرة وكان يُعد -مجازاً- سليل الأسرة المالكة فيأميركا)).

هذا، وقد علل أعضاء المجلس تلك الأزمات الطاحنة، بأن الشعب الأميركي أدار ظهره لله لفترة طويلة، ورغم أن المجلس المذكور لم يستطع تمرير هذا القرار لاحتجاج بعضهم على إقحام الدين في السياسة، فإن ما يهمنا هنا أن عدداً كبيراً من الأميركيين -وغيرهم كثير في المجتمعات المادية- قد أدركوا أخيراً أن الوقت قد حان ليراجعوا أنفسهم، وألا يركنوا إلى ماديتهم وعقلانيتهم. كما يعكس ذلك الخبر المثير توجهاً مهماً في الفكر العالمي المعاصر، بدأت معالمه تتضح على وجه الخصوص في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ خرجت طائفة كبرى من مفكري العالم تنادي بضرورة التسلح بالإيمان بالله ولا سيما بعدما اكتوى العالم بنيران المادية والإلحاد والفردية والأمراض النفسية والعضوية المستعصية على الحل والاختراعات التكنولوجية المدمرة كالقنبلة الهيدروجينية وغيرها، وبعدما أفلحت الشيوعية في “تخدير” عقول قطاع كبير من المجتمعات وإقناعها أن “الدين أفيون الشعوب” مما ساعد على تصاعد المد الإلحادي في العالم بأسره، ورغم ذلك اندثرت الشيوعية في معقلها الرئيس منذ مطلع العقد الأخير من هذا القرن وفتحت الباب على مصراعيه أمام سيادة نظام رأسمالي أكثر ضراوة وأشد عداوة للدين.

وقد كتب الروائي الروسي الشهير الكسندر سولجينيتسن -((الذي ولد سنة 1918م)) والحاصل على جائزة نوبل في الأدب، العام 1970م -مقالاً مهما يحذّر فيه أيضاً من مغبة تنحية الدين عن حياة الإنسان المعاصر ويخلص فيه إلى أنه أنفق خمسين عاماً من عمره في دراسة هذه الظاهرة، ولا سيما في روسيا، وتوصل إلى أنه لا سبيل للخلاص من وهدة الإلحاد وتدمير الذات و((البحث الأجوف عن السعادة)) -تلك الصفات التي استشرت في القرن العشرين- إلا بالرجوع إلى الله.

إذا أردنا تحقيق الآمال التي فشلت البشرية في تحقيقها فليس أمامنا سوى أن نسعى جادين لطلب العون من الله… والسير على هذا الدرب حتى تنجلي أمامنا الخطيئات التي وقعنا فيها في القرن الماضي التعيس وحتى نتمكن من تصويب تلك الخطيئات.

والحق أن الخبر الذي تدور حوله هذه المناقشة يحمل في طياته دعوة لجموع المسلمين على أن يتوبوا إلى بارئهم وأن يستمسكوا بحبله المتين إن هم أرادوا أن يُنتَشلوا من وهدة اضمحلالهم وتخلفهم وأن يفيقوا في الوقت ذاته من التقليد الأعمى لكل ما هو غربي أو أميركي، فالإسلام بشموليته وصلاحه لكل زمان ومكان من شأنه أن يكون أساساً لنظام عالمي جديد تجد فيه جموع البشر حلولاً ناجعة لكل ما يعترضها من عقبات ومشكلات، ويعبّر الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه “الإسلام دعوة عالمية” عن هذا المعنى خير تعبير حيث يقول :

((لكن الإسلام وسط بين نظام رأس المال ونظام الشيوعية، ينفي المساوئ عن النظامين معاً، ويأخذ بالمحاسن منها بالقدر الصالح للجماعات، فهويكره للمسلم أن يكنز الذهب والفضة قناطير مقنطرة، ويحرّم عليه الربا الذي يتيح لأصحاب رؤوس الأموال أن يستغلوا جهود العاملين بغير جهد مفيد، ثم هو يأمر بالزكاة ويسمح بالملك، ويطلق السبيل للمنافسة المشروعة، فلا يقتل في النفوس دواعي السعي والتحصيل. وقواعده الخلقية صالحة لإنشاء الوحدة العالمية، لأنه يساوي بين الأجناس، ولا يرى للأبيض على الأسود فضلاً بغير التقوى، ويعترف للأفراد بالمساواة والحرية، ويجعل الحاكم “إماماً” يُقتدى به ولا يجعله رباً متصرفاً بمشيئته في عباد الله، لأنه يقود العالم كله إلى الخلاص بعد فشل رأس المال، وفشل الشيوعية، وقصور العقائد الروحية الأخرى عن تدارك أحوال المعاش وتدبير الحلول للجماعات الإنسانية في مشكلات الاجتماع والاقتصاد وما يتفرع عنها من مشكلات الأخلاق والآداب)).

د. عبد الجواد علي النادي

الوعي الاسلامي ع 99/108

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>