صفات المتقين من خلال سورة البقرة (2/2)


صفات المتقين من خلال سورة 2/2 البقرة (2/2)

بسم الله الرحمن الرحيم

> الم ، ذلك الكتاب لا ريب  ،  فيه هدى للمتقين  . الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يومنون بما انزل إليك وما أنزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون. اولائك على هدى من ربههم ، واولائك هم المفلحون<  ( البقرة: 1-4 ).

في رحاب الدلالات اللغوية والاصطلاحية والبلاغية :

الم : تحير المفسرون في محل هاته الحروف الواقعة في فواتح تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم، ومعظمها في السور المكية،  وعدّها بعضهم من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، والأسلم تفويض الأمر فيه إلى الله تعالى، لأن الخوض فيه مجرد رجم بالغيب، لا يعود الخائض فيه بفائدة عملية.

ولكن المفسرين لم يختلفوا في أن الأحرف المفتتح بها بعض سور القرآن الكريم، إشارة واضحة لما يحمله هذا الكتاب من تحد للمخاطبين به من العرب، لأن كلامهم كله مركب من مثل هذه الحروف التي لا يجهلونها، ومع ذلك يعجزون عجزاً تاما عن أن يصوغوا مثله، أو مثل سورة من سوره، بل آية من آياته، فقد تحداهم مرة بعد مرة فلم يملكوا لهذا التحدي جوابا، وذلك هو الاعجاز الخالد الذي تضمنه الكتاب جملة وتفصيلا، كما تضمنه خلق الكون بما فيه ومن فيه. فمن يملك سر الخلق المعجز هو وحده يملك سر الصياغة المعجزة لكتاب تستمد منه الأرواح غذاءها، والبصائر نورها.

ذلك الكتاب : الإشارة الى القرآن العظيم، بمعنى “هذا الكتاب” وقد وقعت الإشارة اليه “بذلك” لاظهار رفعة شأن هذا القرآن العظيم، وعزة مناله، وبُعد منزلته.

الذين يومنون بالغيب : يومنون بكل ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم صريحا بأنه واقع أو سيقع، مثل وجود الله تعالى، وصفاته، ووجود الملائكة، والشياطين، وأشراط الساعة، وما استأثر الله تعالى بعلمه فكل ذلك وغيره غيب لا يُدرك بالحواس.

وأركان الإيمان هي كما قال صلى الله عليه وسلم : أن تومن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتومن بالقدر خيره وشره.

ويقيمون الصلاة : يؤدونها بأركانها وسننها وهيآتها في أوقاتها، عبادة خالصة لله تعالى وحده.

ومما رزقناهم ينفقون : يشكرون الله تعالى على ما رزقهم بالبذل والانفاق في سبيل الله تعالى لسد حاجات المسلمين، وتوفير الأجهزة الضرورية للدعوة، ومتطلبات حمايتها.

وبالاخرة هم يوقنون : يعلمون علما يقينيا لا شك فيه ولا ارتياب بأن اليوم الآخر آت، وأن البعث واقع، والحساب واقع، والجزاء واقع. وهذا العلم اليقيني بالآخرة هو الذي يجعل المتقين مشتاقين الى الحياة الحقيقية في الآخرة.

أولئك على هدى من ربهم : أولئك المتقون المتصفون بالأوصاف السابقة قد أصبحوا متمكنين تمام التمكن من الهدي الرباني الذي دلهم الله تعالى عليه، ووفقهم للتمسك به، والثبات عليه، بما رزقوا من الإخلاص وشدة الخشية له سبحانه وتعالى، فاستعمال حرف الجر>على< يفيد الاستعلاء، والاستعلاء يدل على التمكن، فالمتقون بتمكنهم من مجامع الخير والصلاح يشبهون الراكب المتمكن من مطيته يوجهها حيث شاء، وكيف شاء لاجتناء الخيرات، وتحصيل الدرجات.

في رحاب المعنى.

استفتح الله تعالى هذه السورة بالحروف المقطعة، تنبيها لوصف القرآن، وإشارة الى اعجازه، وتحديا دائما على الإتيان بأقصر سورة من مثله، واثباتا قاطعا الى كلام الله تعالى الذي لا يضارعه شيء من كلام البشر.

فكأن الله تعالى يقول للعرب الذين نزل القرآن بلغتهم : كيف تعجزون عن الإتيان بمثله مع أنه كلام عربي مكون من حروف هجائية ينطق بها كل أمي ومتعلم، ومع هذا قد عجزتم عن مجاراته والإتيان بأقصر سورة من مثله؟؟ والحالة أنكم أهل الفصاحة والبيان، وفرسان البلاغة واللسان؟! على ما يدل هذا؟!

ان هذا يدل على أن هذا الكتاب العظيم فوق مقدور البشر من أي نوع كانوا، وأن المجادلة فيه هي مجرد ضرب من العناد والسفه اللذين يفقدان صاحبهما الاحترام وإذا كان هذا الكتاب فوق طاقتكم، وفوق الطاقة البشرية كلها، بل وفوق الطاقتين الإنسية والجنة معا، فمعنى هذا أن مصدره هو الله تعالى، وقد أنزله على رسوله ليتعبدكم بما تضمنه من عقيدة وشريعة وفضيلة، متأسين في ذلك كله بإمام الهداية والمتقين محمد صلى الله عليه وسلم.     وإذا كان هذا الكتاب لاريب فيه أنه الحق النازل من عند الله تعالى فلابد أن يكون متصفا بصفتين أساسيتين :

الأولى : أنه الكتاب الكامل في كل شيء، في متانة اسلوبه وقوة معانيه، في دقة تعبيره وعمق دلالاته واشاراته، في كمال تشريعه وكليات مقاصده، في احاطته بكل ما يحتاج اليه البشر من النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والعسكرية والفكرية والقانونية… لبناء حياة منسجمة مع الفطرة التي فطر الله تعالى عليها الناس، حياة مؤسسة على العلم المحيط بالتجارب البشرية منذ هبوط آدم الى الارض، لتحتذى النماذج الصالحة، وتحذر النماذج الطالحة… انه بالاختصار كتاب لايحيط أحد بكمالاته، ويستعصى حصر مزاياه ومجالاته.

الثانية : أنه مصدر هداية وإرشاد لكل من أراد أن يأخذ الوقاية لنفسه من عذاب ربه، فهؤلاء المتقون هم المؤهلون للانتفاع من هدايته، والسالكون سبل الوصول الى اجتناء ثمرته، أماغير المتقين فإن هذا الكتاب بالنسبة اليهم هو إقامة الحجة من الله تعالى عليهم. فهو كما قال تعالى >قل هو للذين آمنوا هُدى وشِفاء ، والذين لا يُومنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى،  أولائك يُنَادَون من مكان بعيد < سورة فصلت آية :  43    >وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمومنين ، ولايزيد الظالمين إلا خسارا < سورة الإسراء آية: 82.

وبعد تبيين مصدرية هذا الكتاب ، وأهميته ومنزلته ، ووظيفته ودوره في الحياة البشرية…

كشف الله تعالى صفات المتقين المنتفعين بالقرآن وهديه، فذكر منها الصفات الأساسية التالية، وهي :

1) الذين يومنون ويصدقون بالأمور الغيبية متى قام الدليل عليها، من بعث وحساب وجنة ونار وغير ذلك، فهم لا يقفون عند الماديات والمحسوسات كما يفعل الدّهريون القدامى والجدد الذين يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى ، إلى عالم البهيمية الذي لاوجود فيه لغير المحسوس، وهذه نكسة خطيرة وقى الله تعالى المؤمنين بالغيب شَرَّهَا، فانطلقوا في فضاء الإيمان يربطون بين المحسوس بالبصر والمحسوس بالبصيرة المتدبرة، وبين الكون المخلوق والله الخالق، وبين عالم الغيب والشهادة.

2) الذين يقيمون الصلاة ، ويؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها وآدابها وخشوعها، طاعة لله تعالى، وشكرا في السراء، وتضرعا في البأساء والضراء.

3) ينفقون مما رزقهم الله تعالى في كل وجوه الخير والإحسان، سواء كان الإنفاق على شكل الزكوات المفروضة، أو على شكل الصدقات والتبرعات والهبات التي من شأنها تعميم الرخاء والتكامل بين جميع أفراد المجتمع الإسلامي، وبنائه بناء متينا قائما على حفظه من ذل السؤل والحاجة، وحفظ الأغنياء من خُُلُقِ الأنانية والأثرة وسيطرة الشُّحِّ والبخل على النفوس المريضة بحب المال.

4) يومنون بما انزل اليك يامحمد من القران الذي هيمن على جميع الكتب السابقة : بتصديقها بكل ماجاءت به من الدعوة لعبادة الله تعالى وحده، وبنسخ مالم يعد صالحا من التشريعات التي فرضت على قوم قالوا : > سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا < وبتصحيح ماحرف منها سواء في العقيدة او التشريع او الاخلاق ، وباتمام ماكان ناقصا فيها من التشريع لكونها كانت نازلة لقوم مخصوصين .

فهؤلاء المتقون إن كانوا يومنون بما أنزل إليك من الكتاب المهيمن، فإنهم يومنون أيضا بأن الكتب السماوية السابقة هي كتب أنزلها الله تعالى على رسل سابقين للعمل بها وتطبيقها على حسب ظروف القوم ومستوى رقيهم وتطورهم في سلم التعامل الحضاري والأخلاقي والإجتماعي.

ثم هم أيضا يومنون بالحياة الأخروية يقينا تاما خاليا من أي نوع من أنواع الشك والإرتياب.

فهؤلاء الموصوفون بجمع الصفات المتقدمة هم المفلحون والفائزون في الدنيا والآخرة، لأنهم السائرون من هذه الحياة على هدى من ربهم، يبصرونها بنور الله تعالى الذي يشع من أفئدتهم وبصائرهم، ويستمتعون بها على تقوى من الله، يعيشون في الدنيا للآخرة ، ويعملون للآخرة في الدنيا، لايلهيهم شيء عن ذكرالآخرة، والتشوق لحياتها ونعيمها، فكيف لا يكونون من المفلحين الفائزين برضا الله تعالى ومغفرته، وهم الذين لا يرجون إلا ذاك  > إِنَّ الذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّاِلحَات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بإيمانهم ، تجَْرِي من تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ في جَنَّاتِ النعيم. دَعْوَاهُمْ فيها سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ، وَآخِرُ دَعْوَاُهُم أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالمَيِنَ < سورة يونس : 9-10.

مما يستفاد من الآيات

1-الدعاة شهداء الله تعالى وأولياؤه القائمون بالحق بين الناس :

أمانة الاستخلاف ليست دعوة لحب الدنيا والمال والمرأة والولد والعشيرة، والسعي لكسب الجاه، والظفر بالسلطة الفكرية والتنفيذية والاقتصادية…فذلك كله مغروس في طبع الانسان وغريزته، به يهتم، واليه يسعى، وعليه يتقاتل. إنما القيام بالامانة هو تهذيب الدوافع اللاصقة بالارض والتراب وبالمحيط الدنيوي فقط، والسمو بها إلى افق اوسع وارحب، أفق القيم والفضائل، التي توفر للانسان مايصبو اليه من امن وعدل وطهارة وعفة وتكريم وجهاد في سبيل الحق لتمكين الحق من الحكم بالحق. أفق الحياة الدائمة التي تتوفر فيها السعادة الروحية الحقة الخالدة .

ولايستطيع الدعاة تحويل التيار الجارف من المطامع والشهوات الا اذا كانوا دعاة بالحال قبل المقال، وبالعمل والسلوك، والهمة العالية، قبل المواعظ والصرخات النارية، ولايتم لهم ذلك الا اذا انطبعت صفات التقوى والايقان بالاخرة على ملامح دعوتهم، لايخلطون بين حب الدنيا وحب الاخرة، وحب الله وحب المتألهين، وحب الاسلام وحب الجاهلية، وحب الدعوة وحب الزعامة، إلى غيرذلك من الثنائيات الخطيرة التي تعرقل سير الدعوة، ولاتقيم الحجة لله على الناس.

2 – فضل المتمسكين بالاسلام زمن الفتن الطاغية :

عن صالح بن جبير قال:> قدم علينا أبوجمعة الانصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس يصلي فيه، ومعنا يومئذ”رجاء بن حيوة”، فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال:إن لكم جائزة وَحَقّاً، أحدثكم بحديث سمعته من  رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل-عاشر العشرة-فقلنا يارسول الله:هل من قوم أعظم منا أجرا؟! آمنا بالله واتبعناك،قال: مايمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم ياتيكم بالوحي من السماء، بل قوم بعدكم ياتيهم كتاب بين لوحين، يومنون به، ويعملون بما فيه، أولائك أعظم منكم اجرا <. اورده ابن كثير في تفسيره، وابوبكر بن مردويه وله شواهد عدة.

والحديث يفيد عظم اجر من تمسك بدينه وعمل به، ودعا اليه في وقت يغري فيه كل شيء بالتخلي عنه، فلهؤلاء الفضل من هذه الناحية، وليسوا اعظم من الصحابة على الاطلاق، فالصحابة لهم فضل خاص ذكره الله تعالى في كتابه في عدة مناسبات .

ومن هذا الباب مارواه مسلم والنسائي عن ابي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال :>السلام عليكم دار قوم مومنين، وانا ان شاء الله بكم لاحقون، وددت انا قد رأينا إخواننا. قالوا: أولسنا اخوانك يارسول الله؟! قال: انتم اصحابي، واخواننا الذين لم ياتوا بعد. فقالوا : كيف تعرف من لم يات بعد من امتك يارسول الله؟! فقال: ارايت لو ان رجلا له خيل غرٌّ مُحجّلة بين ظهري خيل بهم-سود-الا يعرف خيله؟! قالوا: بلى يارسول الله. قال: فانهم ياتون غرا محجلين من الوضوء، وانا فرَطهم على الحوض، الا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، اناديهم: الاهلمّ-تعال-فيقال: انهم قد بدلوا بعدك، فاقول: سحقا سحقا<.

فالحديث فيه فضل عظيم للصابرين والثابتين على دينهم والمقبلين على دينهم والمقبلين على الله تعالى بوضوئهم وتطهرهم وصلاتهم وتضرعهم واستغفارهم، فهؤلاء ستبيض وجوههم يوم تسود الوجوه .

وفيه ايضا تحذيرعظيم لمن نافق وعبد الله على حرف ان اصابه خير اطمان به وان اصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة.

3-حقيقة التقوى:  >اخرج الترمذي وابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لايبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع مالا باس به حذرا مما به باس<.

4-فوائد التقوى : للتقوى فوائد عظيمة منها:

أ-انها طريق معرفة الاسرار العلمية الدقيقة، وطريق الفهم عن الله تعالى والتفقه في حكمته، وتشريعه، وسننه، ورحمته، وعظمته، ونعمه الظاهرة والباطنة >واتقوا الله ويعلمكم الله <(البقرة:282) >ياايها الذين آمنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ..<(الانفال: 29 ) >ياايها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم، والله غفور رحيم<(الحديد: 27 ) .

ب-أنها طريق استنزال اليسر والفرج من الله تعالى >.. ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لايحتسب..<(الطلاق: 2-3 ) >ومن يتق الله يجعل له من امره يسرا < (الطلاق: 4 ) .

ج-أنها طريق الاطمئنان النفسي والسعادة الروحية، وتلك نعمة لاتقدر بثمن >الذين آمنوا وكانوا يتقون . لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاخرة<(يونس: 63-64).

د-أنها الحصن المتين والملاذ الاقوى امام كيد الاعداء وتآمرهم >وان تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئا، ان الله بما يعملون محيط<  ( آل عمران: 120 )

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>