من أوراق شاهدة نساء بلطجيات.. وقوامات صوامات


مسلمات

حين أفردت سجادتي بفناء ذلك المسجد الكبير لم أكن أعلم بأني سأكون شاهدة على الوجه المظلم للقمر، فقد سحرني ذلك العدد العملاق للنساء وهن يتقاطرن من كل حدب وصوب وينتشرن في كل باحات مسجد أشبه في مساحاته الشاسعة بمدينة مكتملة الأركان. كن وهن يستوطن المكان بكل تلك الكثافة يبعثن الفرح الغامر في القلب ويبصمن على الوجود القوي للمرأة المغربية، وعمق تغلغلها في كل مساحات الفعل. لكن آن غصت الساحات بسجاداتهن، وما زالت مواكب النساء تفد على باحة المسجد، بدأت خيوط انبهاري بحضورهن تنفرط إذ علت أصواتهن بصوت فج مخجل، وانتقلت النبرات من الثرثرة النسائية المعهودة بالمساجد إلى خصامات متناسلة بين الصف والصف، واحتدت الأصوات وانطلقت من عقالها العفاريت المصفدة، وسرت أصوات المشاحنات الملفوفة بلهجة البغضاء والوعيد.
انقلب سكون وقداسة المكان إلى بلطجة حية، تقمصت فيها النساء روح خصوماتهن التقليدية بالحمامات، لكن المؤلم أن ينتقل ذلك الجو المشحون بالعدوانية من فضاء الحمام إلى فضاء المسجد.
ولعل الذين يهوون مساءلة المشروع الإسلامي النسائي الأول، واستنطاق محطاته النورانية التي استضاءت بأنوار الوحي الرباني وسارت في كل حركة وسكنة على هداه متأسية بالمثال والقدوة المبعوثة رحمة للعالمين، الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، سيصدمون بجودة المثال ورداءة التقليد، والنسخة عن النسخة عن النسخة..
وينتصب السؤال حارقا : هل نحن مجرد نبتة طافية على سطح الماء، ما لها من جذور ولا قرار لنكون بهذه الشحنة من التسيب وانعدام الحياء تاج المرأة الأثير؟؟ أم نحن الجذور والقرار والماء والطين والهواء لكل النبتات التي تنشد الحياة على سطح البسيطة قبالة النور والضياء؟؟.. وإن كنا كذلك فما لنا أحلنا جمالية منظومة الإسلام إلى هذه الفوضى وهذا التمزق بين ثقافة إسلامية راقية نحملها بين أضلعنا وممارسات متوحشة نستقوي بها على بعضنا البعض، ويرشح من نقائها كل هذا العنف .. كل هذه الإساءات المقيتة للإسلام؟؟.
وينتصب السؤال الأكثر إيلاما : هل غطت الداعيات شرائح النساء بشكل أوسع واستخرجن ما بداخلها من أمراض وعاهات جاهلية وبذرن بداخلهن نبتة الإسلام التي تدعو إلى الإيثار والأخوة، وتعظيم شعائر الله جل وعلا؟
إن تلك الأجواء الربانية بساحات المساجد والتي ترشح فيها نفوس نسائية بالضغينة والأثرة لتدعو حقا إلى القلق.. صور ولوحات نسائية مخجلة تنتصب فيها نساء شرسات ضد نساء أشرس فينبرين للصراخ وتبادل التهم وسد الطريق على بعضهن البعض والمرور بين الفجوات وأمام المصلين في تشويش صارخ على خشوعهم، وكلها لوحات قاتمة مريعة لكنها ما عادت تثير استنكارا لاستفحالها.
«بلاصتي.. بلاصتي ..» «واش حنا فالحمام».. «بلاصتك في دارك».. هكذا تتراشق وتتطاير شرارات الكلمات لتحجب صوت المقرئ وتجعل عملية الاستماع والإنصات مجرد حلم لا سبيل لتحقيقه.
من حقنا أن نمتطي صهوة الريادة كما امتطتها شعوب وأقوام غيرنا، خاصة إذا كنا نمتلك براءة الاختراع لآليات الإقلاع لكن ليس بهذه الأنفس العدائية المريضة..
وإني لأتخيل اللحظة كيف كان المسجد فضاء لتفقه نساء الصحابة وتعلمهن لأبجديات الدين وسجالاتهن مع خلفاء المسلمين للفوز بحق أو التنبيه إلى إجحاف ما ، وكن في نفس الآن، يدركن ما للعبودية لله تعالى وتقديس شعائره من أثر في تحقيق أغراضهن، في الوقت الذي تذهلك فيه راهنا أعداد القوامات الصوامات المرابطات بالمساجد في بلاد المسلمين لحضور دروس الشيوخ وهن في نفس الآن يهدمن روحانية المساجد ويحلنها إلى ساحة نقار واستقواء.
الإشكال إذن في الركوب الصحيح لقاطرة البدايات..
أن نوفق إلى الوقوف في محطة الإقلاع الأولى والصحيحة، ونستخرج المفتاح الأصلح لهذا النهوض الحضاري ذلك هو السؤال..
ولعل أهم المفاتيح وأنجعها، مفتاح محو الأمية الأبجدية والدينية . يجب أن تقود المؤسسات الدينية أكبر عملية للتحسيس بقداسة المساجد وفضاءات العبادة.. يجب مع بداية الدخول المدرسي للسنة القادمة بحول الله تعالى وحلول اليوم الوطني لمحو الأمية بحر شهر أكتوبر أن تنظم حملات إيقاظ للهمم لتنزيل مفهوم القراءة كما جاء به الأمر في سورة العلق، القراءة باسم الله لتنطبع كل المعاملات بروح الدين.. وتلك هي المقاصد العظيمة لشهر القرآن شهر رمضان، شهر التدبر في الحكمة من نزول أول سورة بالأمر بالقراءة، القراءة الربانية التي تشحن المتعلم بالسكينة والوقار لا الفحش والغلظة..
وتحضرني في السياق تلك الحادثة التي جمعت العادل الرشيد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز برجل شتمه فأجابه عمر بن عبد العزيز قائلا : (لولا يوم القيامة لأجبتك)، لنتخيل نساءنا وهن يتسلحن بروح هذه الأخلاق النبوية الكريمة، وفي المرأة المغربية من الذكاء والفطنة ما يجعلها إن زودت بهذا الصبيب أن تحدث الطفرة المرجوة .. والكرة في ملعبنا نحن الدعاة، أمام هذا الدفق النسائي العملاق على المساجد .. هن العجين الطيع الذي يحتاج إلى أصابعنا الماهرة والصادقة قبل كل شيء مع الله جل وعلا .
عشر مباركة، بالفلاح والتمكين لأمة الإسلام، ودمتم ودمنا بتوفيق وحلم من الله سبحانه رساليين.
.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *