مـقـاصـد اللـبـاس 5


د. حسن الآمراني

 

مـقـصـد الحـضـاري:

آيات الله عز وجل كثيرة، وهذه الآيات قد تظهر فيما هو عظيم في أعيننا كخلق السماوات والأرض، وفيما هو حقير في عرفنا كالذباب، الذي قال فيه الحق سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج: 73).

والآيات واحدة، وكلها معجزة: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ}(البقرة : 26).

واللباس آية من آيات الله التي يلفت إليها أنظارنا: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}(الأعراف : 26).

وكما أن الناس مختلفون في ألسنتهم وألوانهم: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}(الروم: 22). فكذلك نلاحظ اختلاف الناس في ملابسهم باختلاف الحضارات، فأنت تستطيع أن تميز بين العربيِّ والصينيِّ والأوربيِّ بالنظر إلى اللباس. فلكل حضارة لباسها وشاراتها وعلاماتها. بل إن الاختلاف في اللباس أوضح وأظهر، فأنت تميز باللباس بين المغربيّ والشامي والخليجي وإن كانوا جميعا من العرب. وإن كانت لحظات الاستضعاف الحضاري تطمس كثيرا من هذه المعالم، إذ المغلوب مولع بتقليد الغالب، بحسب نظرية ابن خلدون، لذلك فإن اللباس الغربيّ يفرض سلطانه اليوم على الناس مشرقا ومغربا. واللباس عنوان الحضارة. وعندما يبدأ شعب ما بالتخلي عن ملابسه يكون قد شرع في التخلي عن كينونته الحضارية، وذلك أقسى مظهر منمظاهر الاستلاب الحضاري. وقد شاع في أذهان الناس أن اللباس الغربي لباس عالمي، وما ذلك إلا بسبب هيمنة الحضارة الغربية صناعيا واقتصاديا وثقافيا.

وعندما بدأ الصراع في القرن التاسع عشر في العالم العربي بين الحضارة العربية المحلية والحضارة الغربية الوافدة اتخذ ذلك الصراع شكل صراع بين (الشيخ والأفندي) أو بين العمامة والقبعة باعتبار اللباس ذا دلالة رمزية.

وكان الأمر أوضح ما يكون بالنسبة للمرأة المسلمة، فلذلك اندلعت معركة عرفت بمعركة السفور والحجاب، ولم يبق عالم ولا أديب ولا شاعر إلا ومسّه من رشاش هذه المعركة نصيب. وقد أشعل كتاب قاسم أمين (تحرير المرأة)، ثم كتابه ( المرأة الجديدة) نارا أتت على الهشيم الممتد من المحيط إلى المحيط، وظل لهذه المعركة آثارها التي لم تمسح. وبعد زمان طويل من ظهور كتاب قاسم أمين ظهر كتاب عبد الحليم أبو شقة (تحرير المرأة في عصر الرسالة)، ونحن نرى هذه المعركة تتجدد كل حين في صور مختلفة، وقد جاوزت العالم العربي والإسلامي إلى مناطق كثيرة أخرى من العالم.

ويقول العقاد بمنطقه المعروف في معرض تعليقه على كتاب كارلايل (فلسفة الملابس): ((ولكننا نقول ونحن نتوخى الإنصاف في ما نقول إن تغير الثياب أكثر وأعجب من تغير البيوت، وإن ذخيرة الإنسانية من أزياء الحلي والحلل تربي على ذخيرتها من أساليب العمارة في كل جيل، وإن ما يضعه الناس من أنفسهم في كسائهم أظهر وأجلى مما يضعونه في مساكنهم وأثاثهم…)) ((لباس الأمم المجبولة على العزم والشجاعة والحرية غير لباس الأمم المجبولة على الكسل والجبن والهوان)).

وقد صنف الناس كتبا في اللباس من الوجهة الحضارية، منها كتاب للدكتور محمد أحمد إبراهيم، وعنوانه (تطور الملابس في المجتمع المصري من الفتح الإسلامي حتى نهاية العصر الفاطمي، دراسة تاريخية) وهو دراسة وافية شفعها الكاتب بعدد من اللوحات التي تتضمن رسوما للملابس في الفترة المدروسة، من العمامة، إلى القلنسوّة، إلى النقاب، إلى الطيلسان، إلى الخمار، إلى العصابة، إلى البرنس، إلى الإزار، إلى القميص، إلى الغلالة، إلى الجبّة، إلى الدرّاعة، إلى الشملة، إلى البردة، إلى العباءة، إلى السروال، إلى الخف والجوارب، إلى القباء، إلى الحذاء، إلى الحبرة، إلى البريم، إلى الإكليل، إلى القفطان، إلى الطرحة، إلى القبقاب، إلى الوشاح، إلى غير ذلك من ألبسة الرجال والنساء. وقد قسم الكاتب كتابه إلى ثلاثة أبواب تناولت الملابس والحياة السياسية، والملابس والحياة الاقتصادية، والملابس والحياة الاجتماعية. ومن أراد التفصيل فليراجع الكتاب المذكور.

بقي أن نشير إلى أن من مظاهر اللباس الحضارية ليس أشكاله فقط بل ألوانه وأنواع قماشه. فقد كان اللباس الأرجواني مثلا خاصا بالملوك في روما، ولم يكونوا يبيحونه للعامة، وكان يؤتى به إلى روما في قواقع صور خاصة فيحتكره الملوك لأنفسهم.

كما أن لألوان اللباس علاقة بالأمزجة وأثرا في تقلباتها.

يقول كارلايل: ((ثم تأمل أي معاني جليلة تنطوي عليها ألوان الملابس، فمن الأسود القاتم إلى الأحمر الوهاج، أي خصائص روحانية وصفات نفسانية يكشفها لك اختيار الألوان، فإذا كان التفصيل ينبيك عن طبيعة الذهن والقريحة فإن اللون ليخبرك عن طبيعة القلب والمزاج))(فلسفة الملابس: 35).

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *