بين يدي القيامة(2)


المغزل…وانهيار الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس كانت الإمبراطورية البريطانية، في القرن التاسع عشر، أقوى ما تكون عندما نجم في الهند صبي اسمه غاندي… كان في الثانية عشرة من عمره عندما بدأ يظهر عداءه للاستعمار الإنجليزي… مارسَ المحاماةَ فترة من الزمن، ثم تجرد للدعوة إلى التحرر… كانت مستعمرات بريطانيا آنذاك كثيرة، ولكن الهند كانت تعتبر جوهرة التاج البريطاني… وكان الإذلال البريطاني للهند قد بلغ مداه، حتى إن الفارس الإنجليزي إذا أراد امتطاء صهوة جواد يسارع الهندي إلى الانحناء ليطأ الضابط الأجنبي ظهره… وكان هذا السلوك الاستعلائي قد وجد له من لفلاسفة والأدباء الانجليز ما يدعمه وينظر له، وكان من أشهرهم الشاعر والروائي روديار كبلنج، صاحب ( كتاب الأدغال) الذي يصور فيه وحشية الهنود، وبطولة الرجل الأبيض. وشهامته.. وكبلنج هو صاحب المقولة المشهورة: (الشرق شرق، والغرب غرب، ولا يلتقيان أبدا).

وكانت القوة العسكرية للمستعمر لا تضاهى، ولم يكن أحد يتصور أن شمس تلك الإمبراطورية الشاسعة الأطراف ستأفل بتلك السرعة…فكيف كان انهيارها؟ لقد آثر غاندي أن يقاتل خصمه الانجليزي بمغزل… مغزل صوف ينسج منه ثيابه، وعنزة يشرب من لبنها…رفع غاندي شعار: (اللاعنف)، وكان التطبيق العملي لذلك الشعار شعار آخر: (نلبس مما نصنع، ونأكل مما نزرع). وبدأ غاندي بنفسه: كان لا يلبس إلا ما ينسجه بمغزله… وما لبثت دعوته أن وجدت من مواطنيه الهنود آذاناً صاغية… وبقيت ملابس الإنجليز معلقة لا يقترب منها أحد… وكانت الضربة الاقتصادية القوية… ضربة لم يحتملها المستعمر الذي أراد أن يقابلها بالعنف، فانتصر اللاعنف على العنف، كما انتصر من قبل السيف على الدم… وعندما حمل المستعمر غاندي في القطار، يريد أن ينفيه، كانت أعناق الهنود ممددة على طول السكة الحديدية… يستحيل قتل شعب بأكمله… وانتصر المغزل… وانهارت الإمبراطورية، وانحسرت شمسها ليس عند الهند فقط، بل عن بقية مستعمراتها… الشـادور… وانـهـيـار الإمبـراطـورية السـوفياتية يحار المحللون في ظاهرة سقوط الاتحاد السوفياتي، وتحلل جمهورياته.. كيف يمكن لدولة أن تتألق كل ذلك التألق ثم تنهار ذلك الانهيار السريع… كأنه شيء مخالف لسنن انهيار الدول… يمكن أن نبحث عن عدة أسباب لذلك، ومنها -دون شك- أسباب داخلية محضة… ولكن لماذا نغض الطرف عن عنصر خارجي فعال؟ إنه تورط الاتحاد السوفياتي فيما يسمى (المستنقع الأفغاني). هل يمكن لأحد أن ينكر أن للجهاد الأفغاني، أو الثورة الأفغانية يد في انهيار الاتحاد السوفياتي؟ سيقول قائل: ولكن ما علاقة كل ذلك باللباس؟ مهلا! ألم تكن مروحة الداي سببا مباشر في احتلال فرنسا الجزائر؟ هكذا يقول المؤرخون… ألم يكن مغزل سببا في انهيار الإمبراطورية البريطانية؟ هكذا يقول المؤرخون …. فلنبحث عن السر وراء تورط السوفييت في أفغانستان… سيقال: لاشك أن ذلك كان انتصاراً للمد الثوري الشيوعي في البلاد… فقبل نور تراقي وحفيظ الله أمين وبابراك كارمال، وقبل نجيب الله، وغير هؤلاء جميعا من قادة (الثورة الشيوعية) في أفغانستان، الذين سبقت حركتهم التدخل السوفياتي المباشر، الذي كان محاولة لانقاد عملائه… كان هُناك الملك ظاهر شاه… وكان هنالك الجنرال داود الذي قاد الانقلاب… وكما قال الشاعر القديم: (ومعظم النار من مستودع الشرر). كانت الانطلاقة يوم أراد الملك أن ينتصر للحداثة فأخطأ الطريق، واستفز مشاعر الشعب الأفغاني المسلم…. لقد قام الملك خطيبا ليقول إن زمان التخلف قد وليَ إلى غير رجعة، وإن زمان التحرر والحداثة قد أقبل… وليعبر عن كل ذلك تعبيرا رمزياً أخذ الشادور (حجاب المرأة المسلمة) ووضعه تحت قدميه، إيذانا بنهاية (عصر الحريم) وبداية التحرر… كان ذلك الفعل هو الذي أشعل غضب الشعب المسلم، وقامت الثورة الشعبية… تلك الثورة التي أراد أن يسرقها المتربصون كما حدث مع معظم الثورات الشعبية في عالمنا العربي والإسلامي… وتوالت الأحداث… لا ينبغي أن ننظر إلى تحركات الشيوعيين، ثم إلى تحركات المجاهدين، ثم إلى التدخل الأجنبي… ثم… إلى انهيار الاتحاد السوفياتي… لا ينبغي النظر إلى كل ذلك بمعزل عن الحدث المباشر الذي فجر الأوضاع: إهانة الشادور(ü).
د. حسن الأمراني
—————
(ü) بعد خروج الإنجليز سنة 1302 هـ بدأ الروس في التحرش بأفغانستان وكانت روسيا ترى أن أفغانستان امتداد طبيعي لها كما كانت تخاف من موقعها المتميز بجانب الجمهوريات الإسلامية التي احتلتها روسيا من أملاك العثمانيين، فحاولت روسيا احتلال إقليم باداخشان ومدينة هراة ولكن الإنجليز أسرعوا وتصدوا لهذا الهجوم حتى لا يؤثر ذلك على موقفهم في الهند التي كانت تمثل درة التاج البريطاني ووقعت انجلترا وروسيا اتفاقية بطرسبرج لترسيم الحدود والاعتراف بما ضمته روسيا من إقليم خراسان، وتعاقب على حكم أفغانستان عائلة خان من سنة 1302هـ حتى سنة 1333 هـ استطاع أحد منهم هو محمد نادر شاه أن يطرد الإنجليز ويعلن الاستقلال التام لأفغانستان وكان أقوى رجل ظهر في تلك الفترة حتى اغتالته الأيدي الآثمة سنة 1352 هـ(1) وتولى مكانه ابنه محمد ظاهر شاه وكان في التسعة عشر من عمره فسار بسيرة حسنة مدة خمسة عشر سنة معتمدًا على رجال أبيه في تسيير الحكم ولكنه بدأ في الانحراف والتأثر بالغرب فأصدر منشورًا ملكيًا سنة 1372 هـ يبيح للنساء خلع الحجاب والسير سافرات مما آثار الشعب الأفغاني المحافظ عليه كما سمح للروس بزيادة نفوذهم داخل البلاد حتى استطاعوا تجنيد أتباع لهم على رأسهم رئيس الوزراء محمد داود والذي كان في نفس الوقت زوج أخت محمد ظاهر شاه وأخذ محمد داود في العمل على قلب نظام الحكم لصالح الشيوعيين الروس الذين أخذوا الضوء الأخضر من العالم بعد الحرب العالمية الثانية أن أفغانستان تقع في منطقة نفوذ الروس بعد اقتسام العالم لمعسكرين شرقي وغربي.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *