عبرة


كان المعتمد بن عباد أميرا على الأندلس، ولما بلغه عزم المرابطين على  ضمها إلى دولتهم، وضع يده في يد الفرنجة رغبة منه في الحفاظ على ملكه، غير أن رياح القدر جرت بما لا يشتهي المعتمد، إذ ركب إليه جيش المرابطين البحر تحت قيادة يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى، فهزموه وحلفاءه من النصارى شر هزيمة، واقتيد المعتمد في السلاسل والأغلال أسيرا، وسجن في أغمات جنوب المغرب الأقصى، فذل بعد عز، وأهين بعد أن كان مكرما {ومن يهن الله فما له من مكرم}. وسكن السجن بعد القصور، وغدا على باب زنزانته السجان بعد أن كان على باب قصوره العبيد والخدم، كل ذلك جزاء وفاقا على خيانته للمسلمين، وعبوديته لشهواته وهواه. وحدث أن جاءته بناته اللاتي كن أميرات، يلبسن الحرير والديباج، والحلي والجواهر، جئنه يزرنه وقد تبدلت أحوالهن، يلبسن المرقع ويظهر الجوع والضنك على وجوههن، فلما رآهن قال أبياتا حبذا لو سمعها كل عبيد الشهوات والأهواء.

قال :

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا

فساءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

برزن نحوك للتسليم خاشعة

أبصارهن حسيرات مكاسيرا

يطأن في الطين والأقدام حافية

كأنها لم تطأ مسكا وكافورا.

لله ما أصعبها من لحظات!! وما أمرها من ساعات!! عندما يجد المرء نفسه ذليلا مهانا وقد كان لا يرد له أمر، ولا يؤخر له طلب، ولكنها المعاصي والشهوات تذل عبادها وتهين سدنتها. أما المؤمن الطائع فعزه موصول بعز الملك جل في علاه، وأنى لمن كان عزه موصولا بالله تعالى أن يذل أو يهان {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا}.

فاللهم أكرمنا ولا تهنا. آمين

> ذ. منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *