عبرة


لما مات أبو إسحاق الجبنياني رحمه الله، وجدوا رقعة تحت حصيره مكتوبة بخطه فيها : (رجل وقف له هاتف قال له : أحسن عملك، فقد دنا أجلك) قال ولده عبد الرحمن : كان إذا قصَّر في العمل، أخرج الرقعة فنظر فيها ورجع إلى جِدِّه.

(أحسن عملك، فقد دنا أجلك) شعار لو طالب به واحد منا نفسه لكان الحال غير الحال، إذ ما أفسد الناس إلا طول الأمل، واستبعاد الأجل، فترى المرء متنقلا بين أودية الدنيا وشعابها، يلهث خلف المال والمنصب والشهرة، لا يبالي سواء أكانت الوسائل التي توصله إليها حلالا أم حراما.

ولعمري هذا هو سبب فساد الدنيا، وفشو الانحرافات الخلقية والاجتماعية والاقتصادية فيها، وقد قال الله جل علاه : {ذرهم ياكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل} فجعل الأكل دون ضابط، والتمتع دون ضابط نتيجة لطول الأمل، أما المؤمن فقد جعل الموت نصب عينيه، فكان باعثا له علىإحسان النية والقول والعمل، وتأسيس حياته على البذل والعطاء، فغَدا نَبْعاً فياضا للخير، أصابت نفحات خيره كل من حوله من بشر وحيوان وشجر. فلا ريب إذن أن يبلغ الرعيل الأول من المسلمين ما بلغوا من تقدم في شتى مناحي الحياة، فقد كانوا أقصر آمالا وأحسن أعمالا، فكانت الثمرة حضارة لا تزال البشرية تتفيأ ظلالها.

ولا يظنّنّ أحد أن قصر الأمل يقتل الطموح، بل هو وقوده وماء حياته الذي لا ينضب، ذلك أن طموح المؤمن يتجاوز هذه الدنيا إلى الآخرة، التي لن يفوز فيها إلا من أحسن في الدنيا وعمرها بالخير، قال سبحانه {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}، فاللهم قصر أملنا وأطل أعمارنا وحسِّن أعمالنا، آمين.

 ذ. منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *