بعض معضلات مشاريع الإصلاح في الأمة المسلمة المعاصرة


تقديم في  التعريف

بالإصلاح المعاصر ودواعيه

يحمل لفظ الإصلاح معاني تدور حول تصفية الشيء من الشوائب، وإزالة الفساد عنه، وإزالة الخلاف والعداوة بين القوم وإحلال الاتفاق والسلم بينهم، وتحقيق كل ما فيه مصلحة ومنفعة وخير، ولا يوجد الفعل الإصلاحي إلا حيث يوجد الفساد إذ تكون المدافعة مطلوبة.

وقد اقتضت سنة الله في الاجتماع الإنساني التدافع بين الإصلاح والفساد والإفساد، فيمثل فعلَ الإصلاح أهلُ الخير والصلاح، كما يمثل الفسادَ أهلُ الشر والباطل والعدوان، وكما يحرص أهل الباطل على إفساد الوضع الطبيعي للمجتمع الإنساني يلزم الطائفة الخيرة أن تجتهد في الإصلاح وصيانة الطبيعة الإنسانية ومصالحها الحيوية من الضياع أو العبث بها. وليس هناك وظيفة أسمى ولا أشرف ولا أعظم أجرا ولا أكثر نفعا من وظيفة الإصلاح والدعوة إلى الإصلاح، كيف وهي وظيفة الرسل والأنبياء {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله}(هود : 88)، وليست الأمم في حاجة إلى الغداء والدواء والكساء والبناء قبل حاجتها إلى إصلاح الإنسان فكرا وسلوكا ووجدانا، فردا كان أم جماعة أم مجتمعا وفي جميع أبعادهما ومكوناتهما، لأن الإنسان والمجتمع لا تتوقف الحاجة إلى إصلاحه ولا يدعي أحد أنه بلغ الكمال في الصلاح والإصلاح وعليه التوقف إذ كلما توقف إلا وبدأه الفساد أو أصبح قابلا للإفساد مع ضعف المقاومة الذاتية، لذا فالإصلاح وظيفة مستمرة مرتبطة بوجود الإنسان والمجتمع، ولا يمارسها إلا العقلاء والأشراف والأحرار.

وقد وجدت الأمة المسلمة المعاصرة في أشد حال من الفساد والإفساد وفي أشد ما تكون الحاجة إلى تصحيح الوضع وإصلاح ما فسد أو أُفسد، وبسبب هذا الوضع غير الصحي ووعيا بالواجب الشرعي والإنساني انطلق كثير من العلماء والغيورين مجتهدين في رسممعالم المنهج الرشيد لتحقيق الإصلاح النافع والمفيد، ومنذ ما يزيد عن قرنين من الزمان والجهود تتواصل من أجل تحقيق إقلاع حقيقي للأمة نحو الخيرية التي وُعدت بها.

غير أن الملاحظ في هذا السياق أن عمليات الإصلاح ونماذجه على كثرتها لم تؤت أكلها النافع للأمة فازدادت الأمة فسادا وتعددت محاولات إفسادها تعددا رهيبا ومريبا، لذلك يتساءل المرء: لماذا لم تنجح المحاولات الإصلاحية في إنقاذ الأمة من أوحالها؟ وما هي المعضلات الحقيقية التي قللت من الآثار الطيبة لجهود كثير من  المصلحين المخلصين؟

ولعل من بين المعضلات التي حالت دون بلوغ المرام في إصلاح أمة الإسلام نذكر ما تيسر منه في هذا المقام.

هيمنة التغريب على الأسلمة

ولدت حركات إصلاح المجتمع المسلم المعاصر في ظل الحملات الاستعمارية الغربية المعاصرة التي خلفت ردود أفعال متباينة وآثاراً سلبية تمثلت في تحقيق الأهداف الكبرى للاستعمار في تغريب المجتمعات المسلمة وتذويبها في الثقافة الغربية وفصل الأمة عن أصولها، وبسبب هذه الولادة المرتبطة بالتفاعل مع الغرب القوي فقد انطلقت كثير من المحاولات الإصلاحية من منطلق الاندهاش والانبهار بالنموذج الغربي، والدعوة إلى استلهام التجربة الغربية في بناء المجتمع وإصلاحه كما وجدت بموازاة ذلك دعوات أخرى ومشاريع إصلاحية حاولت الانطلاق من الرصيد الذاتي للأمة ومن تجربتها التاريخية في فهم الشرع وتنزيله، غير أن الغلبة والهيمنة مالت كفتهما نحو النماذج الإصلاحية المتغربة وتمت مضايقة ومحاصرة الجهود الرامية إلى الاعتماد الذاتي على الأصول مع الاستفادة من التجربة الغربية بما تسمح به خصوصيات الذات المسلمة، وللأسف الشديد فإن لوثة التغريب تسربت إلى العقل المسلم المعاصر وصبغت الجهود الإصلاحية بصبغتها، وأصبح كثير من المصلحين المسلمين عن وعي أو عن غير وعي يتسابقون في تسلقسلالم التغريب ويرمون إخوانهم بالقصور والجمود والتخلف والرجعية !! وبسبب هذا الاختلاف والتباين ازداد المصلحون خلافا وشقاقا وفرقة وأصبحت الحاجة ملحة إلى إصلاح حال المصلحين قبل إصلاح حال الأمة، وأصبحت الأمة بحاجة إلى جهود علمية كبيرة في العودة إلى الأصول والأسلمة ومقاومة كل أشكال التغريب والتذويب.

غلبة النظرة التجزيئية

وغياب التنسيق والتكاملية

إن الجهود العظيمة تحتاج دوما إلى بعد نظر ومعالجة شمولية متكاملة وإلى تشاور بين كل المعنيين وإلى تنسيق الجهود والبرامج والأهداف، والتعاون على إنجازها بعد تقسيمها وتوزيع المهام والأدوار كالحال تماما في عمل أعضاء الجسم الحي إذ تختلف مهام أعضائه وأجهزته، وبالتنسيق تظهر متكاملة قوية تعطي الجمال والقوة وتحقق الأثر المطلوب، ولكن الحركات الإصلاحية التي عرفتها الأمة المسلمة المعاصرة ضعف لديها النظر الشمولي وظهر لديها النظر الجزئيللقضايا وتخصص البعض في الإصلاح السياسي والآخر في الإصلاح الفكري والثقافي وثالث في الإصلاح الاجتماعي ورابع في الإصلاح التعليمي بل إن الكثير ممن اقتصر نظره على جانب من الإصلاح المذكور ازداد اقتصاره على بعض الجوانب دون الأخرى وبسبب هذا الاستغراق في المعالجة الذرية والتجزيئية أضيف عيب آخر وهو المتعلق بغياب التنسيق وضعف القابلية للتعاون والتكامل والتنسيق، إذ العمل التجزيئي ليس عيبا في ذاته بل هو مطلوب إذا كان بقصد التخصص بشرط التنسيق والتكامل والتخصص العضوي، وبسبب هذه السلبيات حدثت تشوهات واختلالات في التجربة الإصلاحية،  فعلى أهمية هذه الإصلاحات وكثرتها وقيمة الجهود التي بذلها كثير من المصلحين فإن جهودهم ضاعت أو كانت قليلة الفائدة بسبب عدم التنسيق والتشاور في كيفية التعاون على الإصلاح والتكامل فتجد المصلح السياسي لا يلتفت إلى أخيه المصلح الثقافي،  كما أن هذا الأخير يولي ظهره عن المصلح الاقتصادي، ويرفض المصلح الديني التعاون مع أولئك كما ينفرد المصلح الاجتماعي في طريقه ويرفض مشاركة الغير له، وبسبب هذه الانفصال والتباعد وعدم التنسيق والتعاون والتكامل، ضعفت الآثار المرجوة وسط حمأة الخلافات وتبادل الاتهامات بالجهل والقصور وتحميل مسؤولية الفشل للطرف الآخر، وغاب عن هؤلاء المخلصين من المصلحين أن الخير صغيرا كان أم كبيرا يحتاج إلى التعاون والتنسيق والتواصي به وعليه {وتعاونوا على البر والتقوى}(المائدة : 2) بل إن هذا التعاون والتنسيق هو الكفيل بإخراج الأمة لمسلمة من حالة الخسران إلى حالة الربح {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}(سورة العصر). فمتى يعي الغيورون على هذه الأمة أن أمتهم أصيبت بجروح عديدة وغائرة وتحتاج إلى تشخيصهم جميعا وتنسيقهم المشترك في تقديم الأدوية بالمقاديرالمطلوبة كما وكيفا ووقتا وحالا؟!

ضعف التخطيط الاستراتيجي

والتركيز على اللحظي والآني

هذه معضلة من أبرز المعضلات وهي صورة من صور عدم التنسيق ومستقلة عنها نوعا من الاستقلال إذ أن التخطيط الاستراتيجي يضع في حسبانه التكامل والتنسيق والتجزيء والمرحلية، ويميز بين الأهداف الكبرى والمتوسطة والصغرى ويقيم بينها علاقات التفاضل والتكامل والأسبقية، كما يميز بين ما هو غاية وما هو وسيلة حتى لا ينزل أحدهما منزلة الآخر فتهدر الجهود والطاقات هدرا يفوت فرص النجاح ويزيد في تعميق الجراح، وهكذا يظهر أن كثيرا من مشاريع إصلاح الأمة المسلمة المعاصرة قصرت في هذا الجانب وصار عملها يرتكز على الآني والمستعجل بدل المستقبلي وعلى الجزئي بدل الكلي وعلى الوسيلة بدل الغاية وعلى الفروع بدل الأصول مع هيمنة النظرة الأحادية والضيقة والقاصرة بدل الاجتهاد الجماعي الموصول بالأصول. فلو حضر هذا التخطيط الاستراتيجي لدى المصلح الواحد وقدره حق التقدير لوجد نفسه مجرد حلقة من سلسلة حلقات يحتاج في أداء مهمته إلى الارتباط بالحلقات الأخرى والتعاون معها تنسيقا وتشاورا وتعاونا وتكاملا، وهذا التخطيط الاستراتيجي كما يجب أن يكون في القضايا الكلية والكبرى يجب أن يكون في القضايا القطاعية والجزئيات.

الاهتمام بالرد على حساب  البناء والتكوين

إن المتأمل في سياق نشأة الأعمال الإصلاحية ونمو مشاريعها يلاحظ أنها ولدت في مناخ من الصراع والتدافع مع الغرب أولا، وكلما نمت أظفارها ازداد تكالب الخصوم عليها وتشويه رسالتها وتحجيم دورها وذلك بخلق الشبه والمعارك الجانبية التي تلهي عن المقاصد والغايات وتحول دون ذلك، وهكذا دخلت الحركات الإسلامية في سلسلة من النزاعات والصراعات والردود الانفعالية العادلة أو غير العادلة سواء مع السلطات الحاكمة أو مع الأحزاب والتيارات الفكرية والسياسية المخالفة، والمؤسف جدا أن رجال الإصلاح انبرى بعضهم للرد على بعض في قضايا جزئية وفرعية وعملية مما قد يكون الخلاف فيها سائغا أو مما لا يستحق صرف كل هذا الجهد والطاقة فيه، ولا شك أن الانشغال بهذه المعارك يكون على حساب القضايا الكبرى والمصيرية وعلى حساب ما هو استراتيجي، ولا يخفى على المتتبع ما أضاعته هذه الردود من جهود وما بددته من طاقات، وما سببته من مزيد من خسارة الأمة التي لم تعد تحتمل مزيدا من الضياع والهدر والخسارة. فما أحوج الأمة إلى ترشيد جهودها وتقدير أولوياتها والقصد في السير {واقصد في مشيك}(لقام : 19)، والتركيز على العمل أكثر من الرد والجدل إلا ما اقتضته الضرورة فيقدر بقدرها، وصرف الجهد إلى التربية والتكوين والتوجيه والعناية بمشاكل المجتمع ومعالجتها من فقر وأمراض وجهل… من دون التفات إلى ما يصرف عن هذا القصد.

تضخم الجانب السياسي والفكري  على حساب الجوانب التربوية والدعوية والاجتماعية

يلاحظ المتتبع لمشاريع الإصلاح التي عرفتها الأمة المسلمة المعاصرة على تنوعها وتعددها وكثرتها أنها نشأت نشأة سياسية وغلب عليها الاهتمام بالجانب السياسي، فالمصلحون الأوائل مثل محمد علي وخير الدين التونسي والأفغاني والكواكبي وغيرهم كثير بهرهم الجانب السياسي في التجربة الغربية (الوطن، الدولة، الدستور، الحريات،الاستبداد…)، وقد ورثت مدارس العمل الإسلامي المعاصر ذلك، وتخصص فيه كثير منها عن طريق الانخراط في المشاركة السياسية الحزبية وتضخم هذا الجانب كثيرا وتم تهميش الجوانب الأساسية في الإصلاح وهي المتعلقة بتربية الإنسان تربية شمولية ومتوازنة ومتكاملة ومقاصدية، وقد لاحظ كثير من المهتمين هذا الاختزال الذي آلت إليه المشاريع الإصلاحية وفي هذا السياق يقول عصام زيدان “فالطرح السياسي المتعاظم اختزل المشروع الإسلامي- باعتباره مشروعًا شاملاً يستهدف إصلاح حال الأمة- إلى جانب سياسي يتمحور حول السلطة، وهو بلا شك ترك آثاره السلبية على الجوانب المتكاملة للإصلاح، والتي نادت بها تلك الحركات في أطروحاتها النظرية”. (الإسلاميون والعمل السياسي..ما وراء ‘تسونامي’ والنكسة!عصام زيدان / كاتب مصري الشبكة الفضائية)، وهو نفس ما لاحظه الأستاذ فريد الأنصاري في كثير من كتاباته ككتاب “البيان الدعوي: دراسة في ظاهرة التضخم السياسي” وكتاب “الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب”. فما أحوج المجتمع اليوم إلى التربية على الأصول الشرعية الضامنة لتكوين أجيال صالحة مصلحة ومشاركة بإيجابية وفعالية في نهضة الأمة، وما أحوج الأمة إلى مصلحين ينفون عنها جهل الجهال وتحريف الغالين ويحررونها من ربقة التغريب المهين والذي دخل بشعار التعليم والتحضير والتقدم ولم ينته إلى ذلك بل كان الضياع والتيه ونكران الذات والتفرقة، فلا إصلاح ناجح من غير البدء من الأصل، إصلاح الفكر والوجدان وغرس القيم الفاضلة والتربية على المناهج البانية للتصور السليم والسلوك القويم، مع مراعاة التوازن والشمولية والتكامل والتدرج في معالجة المشاكل وإصلاح أوضاع الأمة دون تضخيم جانب وإهمال الجانب الآخر.

ضعف ملكة الفقه بأنواعها عند الأمة

يقصد بالفقه الفهم الدقيق، وقد اقتصر فهم الناس على كون الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية المستنبطة من الأدلة التفصيلية، فانحصر دور الفقه بذلك وضعف الاجتهاد، والواقع أن الفقه أشمل من ذلك بكثير، وقد تفطن رجال الإصلاح لهذا المعنى الواسع للفقه وجعلوه مستوعبا لجميع ما يدخل فيه كفهم الدين وفهم الواقع وفهم الدعوة، إذ لا قيمة لفقه ينحصر فقط في معرفة الأحكام الشرعية العملية دون التطلع إلى فهم وفقه يستوعب الدين في ثباته وشموليته وفي أصوله وفروعه ومقاصده، ويستوعب الواقع في مكوناته وتفاعلاته وتغيراته ويمارس الدعوة إلى الإسلام بأصولها وأساليبها ومقاصدها السامية.

من المعضلات البارزة في تجربة إصلاح الأمة المعاصرة التقصير في تكوين دعاة ومصلحين ومجتهدين يمتلكون فقها إصلاحيا رصينا يجمع بين فقه الدين وفقه الواقع وفقه الدعوة وفقه التنزيل، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى جملة اعتبارات منها أن العصر يميل إلى التخصص أكثر ولا يسمح بهذه الموسوعية التي يمكن أن تنجب هذا المجتهد المطلق فضلا عن تغريب المؤسسات التعليمية والإعلامية وتغييب التعليم الإسلامي الرصين الجامع في التربية والتعليم بين هذه الأفقاه بتوازن، يضاف إلى الأسباب السابقة سيادة النظرة التجزيئية وغياب التنسيق وضعف التخطيط الاستراتيجي وتضخم الجانب السياسي على حساب الجوانب الأخرى، مما جعل الساحة الإصلاحية تشكو عوزا كبيرا وخصاصا ملحوظا في اكتساب ملكة الفقه الشمولية بأبعادها ومستوياتها المتداخلة والمتكاملة فهما شموليا وسليما، فلاالدين تم فهمه على أصوله ومقاصده فلا تزال الانحرافات والتحريفات مستمرة، ولا الوقع تمت دراسته أو استيعابه بأحداثه ومجرياته ومكوناته وتفاعلاته وتقاطعاته وترابط مستوياته وعناصره، ولا تم صرف الجهد والطاقة إلى تكوين الدعاة في فقه الدعوة بما يحمله هذا اللفظ من قوة المعنى، وبسبب ضعف أو غياب هذه الأفقاه الثلاثة غاب فقه التنزيل بالتبع ومن ثم ضعفت الحركات الإصلاحية عن درك أهدافها ومقاصدها لضعف العدة والوسيلة وقصور اليد.

الاعتماد على العمل الفردي

بدل العمل الجماعي والمؤسسي

أصبح الواقع المعاصر يفرض العمل الجماعي والمؤسسي بدل العمل الفردي ويفرض التكتل والوحدة مع مراعاة الخصوصيات بدل التركيز على الفردانية وإهمال العمل الفردي الذي لا يستطيع تحقيق ما يحققه العمل الجماعي المؤسسي وقد اعتمدت كثير من الهيئات العلمية طريقة البحث العلمي على شكل فرق بحث متكاملة أثمرت جهودا ونتائجقمينة بالاعتبار، أما حال الإصلاح في أمتنا المسلمة فمال نحو انفراد كل مصلح بنفسه وانكفأ كل واحد على ذاته رافضا التعاون مع الآخرين فضاعت نتائج كبيرة كان بالإمكان الوصول إليها بالعمل الجماعي المؤسسي المكون من فرق بحث متخصصة ومتكاملة.

التركيز على العمل الفكري النخبوي على حساب العمل الاجتماعي

لما كانت انطلاقة الفكر الإصلاحي انطلاقة فكرية حمل لواءها مفكرون ومثقفون فإنها ظلت كذلك حبيسة المسار الفكري النخبوي وكادت أن تقتصر على النخب الفكرية وما كان من تعاطف جماهيري وشعبي فلم يكن إلا من باب الاشتراك في الهموم الإسلامية ومن باب الحماسة العاطفية أحيانا التي سرعان ما تخبو، ولم يمتد عمل المصلحين إلى هذه الشريحة الاجتماعية الكبرى في الأمة المسلمة ولم يتوسع عملهم التربوي والتعليمي والتثقيفي فبقيت هذه الفئات بعيدة عن اعتناق الفكرية الإصلاحية والدفاع عنها والدعوة إليها، بل إنه حيل بين الأمة ومصلحيها ولم يعد كثير من أفراد الأمة يلتفت للمصلحين بسبب انشغاله بهمومه اليومية وحرصه على تحقيق رغباته الذاتية واغتر بشعارات أدعياء الإصلاح من ذوي الفهوم المنحرفة والاعتقادات الغربية التي لا تمت إلى روح الأمة في شيء، فصار لزاما الانفتاح على جمهور الأمة لأنه أحوج ما يكون إلى الخير والهداية والعناية..

خــاتـمـة

وفي الأخير يمكن القول إن مشاريع إصلاح الأمة المسلمة المعاصرة بادرت إلى بذل محاولات طيبة مزودة بنوايا صادقة في أكثرها لكنها كانت ذات قدرات محدودة ونقص في الكفاءات فاعتراها بسبب ذلك بعض الخلل في طريقها منه ما هو ذاتي ومنه ما هو موضوعي، فألقى بظلاله الثقيلة على مسيرة العمل الإصلاحي وبدأت تلوح في الطريق عقبات وصعوبات من قبيل ما ذكر تحتاج إلى إعادة النظر في المسيرة ومراجعة النتائج وتقويم التجربة وفق المستجدات والمعطيات ووفق رؤية شرعية ومنهجية متكاملة، والانطلاق بروح إيمانية صادقة مسترشدة بفقه الدين والدعوة والواقع للاقتدار على تحقيق إصلاح قمين بإخراج الأمة من عجزها وهزيمتها وكبوتها لتسترجع موقع الشهود الحضاري على العالمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *