خصائص ما ورد من السيرة في القرآن الكريم


تمتاز السيرة النبوية القرآنية بخصائص منهجية فريدة مستقاة من خصائص القرآن الكريم ومنزلته، لعل أهمها أربعة وفق المطالب الآتية:

المطلب الأول: الصحة في أسمى درجاتها:

إن من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن أكرمها بكلامه المحفوظ الذي لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(1)، وقد تضمن كتاب الله تعالى الكثير من أحداث السيرة وفصولها، بل إن السيرة النبوية ما هي إلا التنزيل العملي المنجم لكلام الله تعالى.

وكل ذلك الورود متواتر قطعي الثبوت، وهو بذلك مما اختاره الله سبحانه ليكون خالدا حاضرا محفوظا يُتْلى ما بقي الله الليل والنهار، مما لا تستغني عنه الأمة ولا ينبغي أن تغفل عنه، بل إنها تجعله في مقدمة أولوياتها واهتماماتها.

المطلب الثاني: استيعاب المراحل والمجالات:

القرآن الكريم، قطعا، ليس كتابا متخصصا في السيرة النبوية، بالمفهوم الاصطلاحي المتداول، فلا نجد فيه ما اعتاد الكتاب إيراده وجمعه في مصنفاتهم من الأحداث والتفاصيل… يقول أكرم ضياء العمري: “ولكن ينبغي أن لا نتوقع ورود تفاصيل عن الأحداث التاريخية في القرآن الكريم، لأنه ليس كتابا في التاريخ بل هو دستور الحياة”(2). إلا أنه جمع من السيرة النبوية لبها، واستوعب مراحلها، ونبه في كل مرحلة عما لا بد من استحضاره بخصوصها.

فنجد في القرآن الكريم الحديث عن أحوال العرب قبل الإسلام، بل وعن أحوال اليهود والنصارى وغيرهم حينها. كما نجد فيه الحديث عن البلد الحرام وما حظي به من العناية، وما امتاز به عام مولد رسول الله  من حفظ الكعبة وهلاك قاصدها بالتخريب والهدم. كما نصت آيات الكتاب الكريم على أحوال النبي  قبل البعثة وحفظ الله له، وتابعت الحديث عنه وعن أخلاقه وأحواله إلى أن لقي ربه. كما أمعنت الآيات في بيان أحواله  وهو يدعو إلى الله ويبلغ عنه، ويواجه تبعات ذلك صابرا محتسبا، هو ومن معه، حتى نصره الله تعالى ودخل الناس في دين الله أفواجا.

ومن جميل ما يُذكر من استيعاب القرآن الكريم للسيرة النبوية، أنه أحاط بمجالات حياة رسول الله  ومن معه جميعها، التعبدية والدعوية والنفسية والأسرية والسياسية والعسكرية وغير ذلك.

المطلب الثالث: القصد في أسمى مراتبه:

إنه القصد الرفيع في الاختيار والتناول. فاختيار الأحداث والقضايا دقيق جدا، في منتهى التنزه عن العبث، كما أن تناولها في غاية القصد، بعيدا عن الحشو والتفاصيل التي لا فائدة منها.

فالناظر يدرك أن الأحداث الأكثر تناولا من قبل القرآن الكريم هي التي تفيض بالدروس المتجددة إلى يوم القيامة. فليس عبثا أن ترد الكثير من الفصول في سيرته عليه الصلاة والسلام مع المشركين ومع اليهود أكثر من غيرهم، كما أنه ليس من العبث أن ترد مقاطع قرآنية كثيرة متناولة دعوته  إلى الله ومحاورته للناس ومجاهدته لهم، أكثر من أحداث القتال والحروب. وليس عبثا أن يكون الحديث عن الهجرة والمهاجرين وما ارتبط بذلك مستفيضا في القرآن الكريم، في حين لا نجد الحديث عن ميلاده عليه أفضل الصلاة والسلام إلا في إشارة مختلف في دلالتها. وليس عبثا أن يخلد الإسراء في القرآن الكريم ويرتبط ذلك بالمسجدين العظيمين، الحرام والأقصى، مما لا تستطيع قوة مهما اشتدت أن تلغي ذلك وتغيبه من تعبير الأمة وفكرها وهمومها (3).

إننا أمام خريطة ربانية هادية للسيرة النبوية أحكم فيها القرآن الكريم اختيار أحداثها وفصولها وأحكم تناولها وتقديمها.

المطلب الرابع: المواكبة بين السيرة والتنزيل:

وهذه من جواهر الخصائص، إذ السيرة النبوية صنعت على هدي تنزل القرآن الكريم أولا بأول. ففي ظلال نزول الآيات والسور نشأت، ووفق بصائر القرآن الكريم نُسِجت. فما من سورة وإلا تلقي بالظلال على واقع النبي  مع نفسه ومع من حوله، ومن خلال ذلك تتجلى السيرة المواكبة لما نزل.

ولا شك أن لهذا الأمر تعلقا كبيرا بترتيب النزول وأسبابه. ولعل العقبة التي تشوش على الناظر ها هنا هي ما نعلمه من الاختلاف بين العلماء في ترتيب النزول وأسبابه، ومع هذا فلا عذر من عدم الاستفادة إلى أقصى حد مما لا اختلاف فيه، مما هو كاف لرسم صورة قرآنية رفيعة لحركية السيرة النبوية وفقا لتنزل القرآن الكريم.

للمزيد من البيان نقدم المثال الآتي من سورة العلق:

هذه السورة الكريمة مكية بلا خلاف، وهي أول ما نزل من القرآن في قول جمهور المفسرين(4). والظاهر أن مقطعها الأول أول ما نزل(5)  لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  مِن الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ  فَقُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ… حَتَّى بَلَغَ: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ…

في حين يكون المقطع الآخر مما نزل بعد(6)، ففي صحيح مسلم عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ. قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ  وَهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: (فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ). قَالَ فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا». قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ َ، لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ  أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى، كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلَّا لَا تُطِعْهُ… زَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ قَالَ وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ(7). والرواية تدل على أن النزول كان بعد تنفيذ أمر الله تعالى بالصلاة والظهور بذلك أمام الجميع مما يعتبر إظهارا لعبادة الله تعالى والدعوة إليه سبحانه.

ولا يخفى أن السورة الكريمة تقدم صورة واضحة المعالم للمرحلة الأولى من سيرة رسول الله  عند بعثته، مشكلة من اللوحات الآتية:

- الرسول  يختلي بنفسه في الغار متحنثا متأملا، فيفاجئه جبريل بكلمة الله تعالى وبالرسالة.

- ثقل الوحي وجسامة المسؤولية مما كان له الأثر الأبلغ على نفسية رسول الله .

- مدار الخير كله على القراءة باسم الله تعالى، مما ينبه على أن المرحلة مرحلة اصطباغ كلي بما نزل من الوحي القرآني، فلا ينبغي أن يشغل هو ولا من معه إلا بكلام الله

- الاستجابة لله تعالى تعبدا وصلاة وركوعا وسجودا مهما كانت الظروف، مما يدل على أن إظهار الدعوة ومزاحمة المشركين في أعظم مكان يجتمعون فيه، كان في وقت مبكر جدا خلافا لما هو سائد من تأخر ذلك إلى ثلاث سنوات.

- ظهور العناد والجحود والعدوان منذ وقت مبكر في شخص الطاغية المتجبر الذي لا يقر له قرار مع عبادة الله وتوحيده.

- الصبر على الظلم وتحمل الإذاية ابتغاء وجه الله تعالى، والانغماس في عبادة الله تعالى والانقياد له سبحانه والاجتهاد في القرب منه جل جلاله.

ولعل المفيد هنا أن نقدم كلمة مفيدة دالة للشيخ محمد عزة دروزة وهو يتحدث من خلال السورة عن السيرة في خطواتها الأولى: “فهذه الآيات تلهم أن النبي  قد أخذ يصلي على شكل جديد، جهرة على ملأ من الناس في فناء الكعبة على الأرجح، وأنه أخذ يدعو بدعوته إلى الله وتقواه بمجانبة الشرك والآثام… وأنه أخذ يقابل بالتكذيب والانصراف من جهة، ثم تصدى له من جهة أخرى شخص ينهاه عن صلاته ودعوته… وعبارة (ناديه) تعني مجلس القوم، ويمكن أن تكون قد عنت ما عرف في أخبار السيرة بدار الندوة التي كانت في فناء الكعبة، وكانت مجتمع مشيخة مكة… وظروف الموقف تدل على أنه من أبكر مواقف الصد والنهي والتكذيب إن لم أبكرها. ولعل إكمال سورة العلق بهذه الآيات دليل على هذا التبكير”(8).

د. عبد الرحمن بوكيلي

———————

1 -  فصلت 42.

2 -  أكرم ضياء العمري، السيرة الصحيحة ص48.

3 -  بيان هذا لاحقا.

4 -  أنظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 20 ص117.

5 -  أنظر معالم التنزيل ج 8 ص 477.

6 -  أنظر زاد المسير لابن الجوزي ج 9 ص 157، والدر المنثور للسيوطي ج 15 ص 519، وغيرهم.

7 -  صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب قوله إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى.

8 -  محمد عزة دروزة، سيرة الرسول ، ص 152 – 153 – 154.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>