لآلئ وأصداف – المرابطات


ورد  في افتتاحية العدد الماضي (المتميز حقا) ما يلي: “إن الدفاع عن القدس الشريف والمسجد الأقصى، ومعهما حق الفلسطينيين في السيادة على أراضيهم المغتصبة واجب، ليس على الفلسطينيين وحدهم، إنما هو واجب الأمة كلها، أفرادا وشعوبا ودولا، بل إنه واجب على شرفاء العالم وأحراره”.

نصرة الأقصى والقدس واجب شرعي، بل هي واجب الوقت. والنصرة تكون بالقلب واللسان واليد. فلينظر كل واحد ما يقدم لنفسه بين يدي ربه تحقيقا لهذه النصرة. لأصحاب الأقلام أقلامهم ومنابرهم، ولأهل المال أموالهم، قلت أو كثرت، ولذوي السلطان سلطانهم، وللمستضعفين الذي لا يستطيعون ضربا في الأرض، ولا يهتدون سبيلا، دعواتهم وتضرعاتهم التي ليس بينها وبين الله حجاب. فأهل القدس مرابطون، يقدمون ما يملكون دفاعا عن القدس، ويتعرضون للأذى بكل صنوفه، لم ينج من ذلك الشيوخ والأطفال والضعفاء، ذكورا ونساء. فلا أقل من مدّ يد النصرة لهم بما نستطيع.

قدمت بهذه الكلمات لتكون بين يدي أمر قد يثير الجدل أحيانا، يتفق حوله من يتفق، ويختلف من يختلف.

أمام القرار الأخرق، الذي اتخذه رجل أخرق، بجعل القدس عاصمة لإسرائيل، تحركت شعوب الأمة، ونهض من نهض من أبنائها، وحشدت الحشود عبر محور طنجة ــ جاكرتا، في مظاهرات عبرت عن التحام الأمة في الموقف الجلل،  وبادر من بادر من أولياء أمورها، لاتخاذ ما يجب اتخاذه من مواقف لإبطال القرار المشين، إيمانا من بعضهم بقصيتنا المقدسة، ودفعا للوم عند بعضهم تجاه شعوبهم.  لقد كان أول من اكتوى بنار ذلك القرار أهل فلسطين والقدس. وتوحدت الأصوات في ربوع فلسطين كلها، من البحر إلى النهر. ونفخت الأحداث في العزائم، فإذا الآلة الجهنمية الإسرائيلية عاجزة عن إطفاء جذوة واحدة من نار الغضب المقدس للمرابطين والمجاهدين، ذكورا وإناثا، فإذا الصبايا يؤرقن ليل الاحتلال، كما فعلت عهد التميمية وهي في المحكمة تنظر باحتقار إلى جلاديها، وتلقي نظرة تحد وانتصار من فوق كتف مجندة إلى ذويها.

لا يصحّ أبدا ولا يستقيم أن نظل، نحن هنا في المغرب، بمنأى عن نصرة القدس، فتاريخ المغاربة مرتبط منذ القديم بهذه الأرض، وما تزال معالم كثيرة تحمل أسماء المغرب.. حي المغاربة.. باب المغاربة.. وما زالت كلمة صلاح الدين الأيوبي في حق المغاربة تملأ التاريخ،

عزمت على الاتصال ببعض المرابطين والمرابطات من أهل القدس، وركبت رقم الاتصال، ونظرت إلى الهاتف، وفجأة ظهر اسم “إسرائيل”.. وبحركة عفوية قطعت الخط.. أنا أطلب فلسطين، أطلب القدس، فكيف يظهر اسم إسرائيل؟ وهل سأكون من المطبعين إن أنا استمررت في المكالمة؟ وفي لحظات قصيرة تذكرت أن القدس محتلة، وأن المحتل هو إسرائيل، وأن المحتل يملك الأرض ويملك الجور أيضا، وأنه ليس للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية سلطان على شيء. ما العمل؟ تذكرت يوما كنت فيه في عمان، وعرض علي وعلى من معي من الوفد المغربي وزير أردني زيارة القدس. تأملت في صمت، قطعه الوزير الصديق قائلا: اطمئنوا، لن يلوث ختم إسرائيل جوازاتكم.. ستقومون بدعم إخوانكم بهذه الزيارة.. قبل أن آخذ أي قرار كان صديقي قد قطع الأمر بقرار: كلا، لن نذهب، لا حاجة بنا إلى رؤية وجوه الصهاينة.

استحضرت الجدل الذي قام يوما حول زيارة القدس بخاصة، وزيارة إخواننا الفلسطينيين بداخل الأرض المحتلة، دعما لهم. منهم من يرى أن الأعمال بالنيات، وما دام الأمر يتعلق بدعم الأشقاء فلا مانع، حتى ولو كانت الزيارة، رسميا، إلى “إسرائيل” التي لا وجود لها في قلوبنا ولا عقولنا، إن كان لها مقعد بالأمم المتحدة، ومنهم من أراد تطبيق القاعدة المستنبطة من حديث رسول الله : «دع ما يربك إلى ما لا يريبك» (رواه النسائي). وفجأة استحضرت قلوب المرابطين الذين هم في القدس، وفي الأرض المحتلة، يسجنون، ويبعدون، ويعذبون، فداء للأقصى وفلسطين، و ينتظرون منا خطوة، مهما صغرت، دعما لصمودهم، ونصرة لقضيتهم التي هي قضيتنا. وفي عزم مددت مرة أخرى إلى الهاتف، وأنا أقول: إن ظهور اسم “إسرائيل” على هاتفي، للاتصال بإخواننا المرابطين، هو تحدّ لإسرائيل نفسها، ودعم للمقاومة، بكل أشكالها. وكم شعرت بانتصار على ترددي، وعلى إسرائيل، عندما جاءني صوت المرابطة الأم المقدسية خديجة، مرحّبا بهذه الخطوة الداعمة.

الأم المقدسية المرابطة، خديجة أم حسام، اختارت أن ترابط بالمسجد الأقصى حماية له ودفاعا عنه، ضد الصهاينة، من جنود الاحتلال ومن المستوطنين على السواء. وهي مرابطة منذ سنين عديدة، لم يمنعها عن جهادها المتعدد الصور ما تتعرض له من إبعاد متكرر، ومن اعتقال لا ينقضي إلا ليبدأ من جديد.

تبدأ المرابطة خديجة نهارها بدخول المسجد الأقصى صباحا، حيث تقوم بمهمة التدريس والدعوة، فتلقي دروسها في التفسير والفقه على النساء، وتساعد النساء الأطفال على حفظ القرآن الكريم. كما تعمل على تعريف السياح الأجانب بقضيتها وقضية شعبها، وتشرح لهم الأوضاع باللغتين العربية والإنجليزية. حتى إذا صلت الظهر رجعت إلى بيتها لتتولى تعهد أبنائها بالدراسة والتربية الإسلامية وتنشئتهم على خلق الإسلام، ومن ذلك الدفاع عن المقدسات وعن الأقصى، ولذلك نشأت ابنتها صفاء على نهجها، حيث تعرضت هي أيضا إلى الاعتقال، كما هو شأن زوجها الدكتور إبراهيم أبو غالية أيضا، الذي لم ينج من الاعتقال. وتتخذ المرابطة المقدسية موقعها قرب باب السلسلة من المسجد الأقصى، وهو ــ مع باب المغاربة ــ من أهم الأبواب بالمدينة القديمة،  التي يتخذها الاحتلال مدخلا إلى المسجد، ومن هناك تتصدى لجنود الاحتلال بوجوه من المقاومة، ومنها التكبير في وجوهم،

متحدية ما يسمى التقسيم الزماني والمكاني للأقصى، وهو التقسيم الذي أراد الاحتلال من ورائه أن يقتصر وجود المسلمين في المسجد على صلاة الظهر، ليخلو بعد ذلك للمستوطنين، إلا أن المرابطة المقدسية وأخواتها يصررن على الاعتصام بالمسجد في غير هذا الوقت المحدد، ولذلك تعرضت خديجة للإبعاد عن المسجد الأقصى أزيد من ست مرات، لممد متفاوتة، أدناها خمسة عشر يوما وأعلاها شهران متتابعان.

إن الإبعاد والاعتقال والبطش الإسرائيلي لم يزد خديجة وأخواتها المرابطات إلا إصرارا على المقاومة والدفاع عن المسجد الأقصى والقدس بوسائل متعددة. ومن هنا يكون صبرهن وجهادهن درسا للقاعدين من الرجال، الذين يرون ما يحل بأولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين، ثم لا يتحركون ولا هم يذكرون.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *