خطبة منبرية – عاشوراء بين العمل المشروع والممنوع


الخطبة الأولى:

أيها المسلمون والمسلمات:

اتقوا الله تعالى وراقِبوه واذكُروا أنكم مُلاقوه، وموقوفون بين يديه: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (الانفطار: 19).

عباد الله:التذكيرُ بأيام الله الخالِدة، والوقوفُ أمامَها لأخذ العِبرة، وتذكُّر النِّعَم، ورسمِ مناهجِ السَّير لما يُستقبَلُ من الأيام شأنُ كلِّ أوَّابٍ حفيظٍ، وطريقُ الصَّفوة من عباد الله، ودَيدَنُ المُوفَّقين أُولي الألباب. ففي اليوم العاشر من شهر الله المحرم أنجى الله موسى وقومه وأهلك فرعون وملأه، وذلك أن موسى  خرج ببني إسرائيل من مصر لما اشتد أذى فرعون لهم، وحينما أيس موسى  من إيمان فرعون بعد ما جاءه بالبينات الواضحات، والمعجزات الباهرات الدالة على صدقه، ولم يزل فرعون في تمرده وعتوه وعناده، يقول: فقال أنا ربكم الأعلى (النازعات: 24)، ويقول: ما علمت لكم من إله غيري(القصص:28)، ويقول: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي(الزخرف: 51). فلما اشتد حنقه وبغيه وتكذيبه لموسى أمر الله سبحانه كليمه موسى  بالخروج بقومه، فخرج بهم، فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا(يونس: 90)، لقصد تعذيبهم والتنكيل بهم وإبادتهم ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين(الأنفال: 30) فلما كان البحر أمامهم، وفرعون وقومه من خلفهم، واشتد عليهم الكرب، قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين(الشعراء: 61 – 62) فأوحى الله إلى نبيه ورسوله موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم(الشعراء: 63) أي كالجبل العظيم ولقد أوحينا إلى موسى أن اسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى(طه: 77). فتماسك البحر بإذن الله تعالى، ودخل موسى وقومه، وخرجوا أمنين مطمئنين سالمين، وفرعون وجنوده في إثرهم، فلما تكاملوا داخلين في البحر أمره الله بالانطباق عليهم فأغرقهم جميعا في لحظة واحدة، فغشيهم من اليم ما غشيهم، وأضل فرعون قومه وما هدى(طه: 78 – 79).

فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتذكروا كيف كانت عاقبة الطغاة الظالمين وكيف كان منتهاهم ومصيرهم، وهذه سنة الله في خلقه، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد(هود: 102). وقال سبحانه: فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون(النمل: 51 – 52).

فاتقوا الله عباد الله، وليكن حظكم من هذه الآيات التذكر والاعتبار، وأخذ الحيطة والحذر، والرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، والخوف من عذابه وسطوته وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه والاستقامة على طاعته.

عباد الله:إن في هذه القصة القرآنية من الدلالات والعِبَر ما لا يحُدُّه حدٌّ، ولا يستوعِبُه بيانٌ، وفي الطَّليعة من ذلك:

أولا: أن الله تعالى هو المُنجِّي من الكُروب والشدائد التي تنزِلُ بأهل الإيمان، لا سيَّما الرُّسُل منهم، كما قال – سبحانه -: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ(يونس: 103).

وهو دليلٌ بيِّنٌ على أن الإيمان والإسلام سببٌ للنجاة من كل ضُرٍّ وشرٍّ في الدنيا، وطريقٌ للفوز بكلِّ خيرٍ ونعيمٍ في الآخرة، إذا التزمَ المرءُ بمُقتضياتهما، وعمِلَ بأحكامهما، وهذا يقتضِي من العبدِ إخلاصَ العبادة لله، وصدقَ اللُّجوء إليه، وكمالَ التوكُّل عليه، ولُزومَ بابه بشدَّة الضراعة والإلحاح والتوسُّل إليه، فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(غافر: 65).

ومن ذلك ثانيا: أن سُنَّةَ الله في دحرِ الطُّغيان وهزيمة جُنده ماضيةٌ لا تتخلَّفُ ولا تتبدَّلُ، ولهذا قال – سبحانه – في بيان عاقبة فرعون: فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِين(القصص: 40 – 42).

وعلى العكس منهم: أولئك الذين استُضعِفوا في الأرض، فنالَهم من صُنوف الأذى والعُدوان ما نالَهم، ونزلَ بهم من الضرِّ والشدائد ما نزَل، فقد جعلَ الله عاقبتَهم عِزًّا وسيادةً ورِيادةً وتمكينًا في الأرض، واستِخلافًا فيها، كما قال – سبحانه: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون(القصص: 5 – 6).

وهذه عاقبةُ الحقِّ وأهله على الدوام، مهما اغبرَّ وجهُ الحق، وغشِيَته غواشِي الباطل، وإن البشائرَ لتحقُّق هذه العاقبةِ للمُؤمنين المُستضعَفين في غزَّة وسائر فلسطين، وفي بلاد الشام والعراق وميانمار، وفي كل بلاد الإسلام ، لتلُوحُ في الأُفُق القريب، إن شاء الله.

فبُشرى لهم، ثم بُشرى، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الروم: 4 – 5).

نفعَني الله وإياكم بهديِ كتابه، وبسُنَّة نبيِّه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

عباد الله:لقد سنَّ رسولُ الهُدى -صلواتُ الله وسلامُه عليه- للأمَّة صيامَ هذا اليوم العظيمِ المُبارَك شُكرًا لله تعالى على نعمةِ إنجائِه موسى  ومن معه من المُؤمنين، وإغراقِ فرعون وجُنودِه، وإظهارًا لقوة الصِّلةِ بين الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام– بربهم، ولبيان أن دينَهم واحدٌ وإن كانت شرائِعُهم شتَّى.

فقد أخرجَ الشيخان في “صحيحيهما”، واللفظُ للبُخاريِّ -رحمه الله-، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: قدِمَ النبي  المدينةَ، فرأى اليهودَ تصومُ يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟». قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومُ نجَّى اللهُ بني إسرائيل من عدُوِّهم، فصامَه موسى. قال : «فأنا أحقُّ بمُوسى منكم»، فصامَه وأمرَ بصيامه.

وفي لفظٍ لمُسلمٍ -رحمه الله-: «هذا يومٌ عظيمٌ أنجَى الله فيه موسى وقومَه، وأغرقَ فرعون وقومَه، فصامَه موسى».

وفي لفظٍ للطبراني -رحمه الله-: أنه -عليه الصلاة والسلام – قال: «نحن أحقُّ باتباع مُوسى منكم».

وأخبرَ  عن عِظَم ثواب صيام هذا اليوم فقال: «صيامُ يوم عاشوراء أحتسِبُ على الله أن يُكفِّرَ السَّنةَ التي قبلَه»؛ (أخرجه مسلمٌ في “صحيحه” من حديثِ أبي قتادةَ الأنصاريِّ ).

ومن السُّنَّة -يا عباد الله- في صيامه: أن يُصامَ يومٌ قبلَه؛ فقد أخرجَ مُسلمٌ في “صحيحه” عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله  قال: «لئن بقِيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسِعَ».

والمُعتمَدُ لدى أهل العلمِ بالحديث -يا عباد الله- أنه لا يصِحُّ في يوم عاشوراء ولا في ليلته ولا في التوسِعةِ فيه على العِيالِ حديثٌ، وكلٌّ ما يُروَى في ذلك فهو مردودٌ لا يصِحُّ عن رسول الله . ولا يُستحبُّ فيه سِوى صيامِه وصيامِ يومٍ قبلَه.

فيجبُ اجتِنابُ ما أُحدِثَ فيه من البِدَع؛ كإحياء ليلته وتخصيصِها بالذِّكر والتعبُّد، وتخصيصِه بدعاءٍ خاصٍّ له يُسمَّى “دعاء عاشوراء”، واعتقاد أن من قرأَه لم يمُت سنتَه تلك، وقراءة سُورةٍ يُذكرُ فيها نبيُّ الله موسى  في صلاة الصبح يوم عاشوراء، والاجتِماع في يومِه للذِّكر والدعاء، ونعيِ الحُسين  ذلك اليوم على المنابِر، واعتِقاد أن البَخورَ يوم عاشوراء رُقيةٌ يُدفَعُ بها السِّحرُ والحسَدُ والمسُّ والنَّكَد، إلى غير ذلك مما لم يأذَن به الله ولم يشرَعه رسولُه ، ولا عمِلَه أحدٌ من صحابته – رضوان الله عليهم أجمعين، كالرش بالماء، والتراشق بالبيض، والطماطم، وتلك عادات يهودية، وإشعال النيران وهي عادة مجوسية، والتعاطي للشعوذة بالذهاب إلى المقابر من طرف بعض النساء وتلك عادة شيطانية. واستعمال المفرقعات وغيرها من العادات الفاسدة التي قد تكون نتائجها وبالا على صاحبها وعلى غيره من الناس.

وقد حذَّر رسولُ الهُدى  من الإحداثِ في دين الله فقال: «من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» -أي: مردودٌ على صاحبه-؛ (أخرجه الشيخان في “صحيحيهما” من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-).

وفي لفظٍ لمُسلمٍ -رحمه الله-: «من عمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ».

فاتقوا الله -عباد الله-، واحرِصوا على إدراك هذا الفضلِ العظيم؛ بصيام هذا اليوم العظيم، ولُزوم السنَّة فيه، بالاتباع لهدي خيرِ الورَى ، وحذارِ من ابتِداع ما لم يأذَن به اللهُ في هذا اليوم وفي سائر الأيام؛ فكلُّ خيرٍ في اتباع من سلَف، وكلُّ شرٍّ في ابتِداع من خلَف.

اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، واجعل الموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ…

د. عبد اللطيف احميد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *