«ولا تعجز…»


كلمة ربانية بأحرف نورانية ، فيها قبس قرآني وهداية نبوية، كلمة تأخذ منك وتعطيك، هي أشبه بخزان معرفي. إذ لا ينتهي العجز بنفاذ معانيه، وكل عصر يكشف منه ما لم تصله أفهام عصر سابق.

فعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا أو كذا… ولكن قل: قدر قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (صحيح مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة ح 2664).

إن العجز أشكال وألوان، ودرجات ومستويات، وكبائر وصغائر، قد يبدأ من النقطة السوداء ويكبر حتى يلتهمك، فإذا أنت العجز نفسه. قد تعجز عن العمل أو المشي، وقد تعجز عن الرياضة أو المسجد، أو تعلم شيء جديد، وقل ما شئت من أنواع العجز وصوره. ولكن كلما نما العجز في نفسك التهم شيئا من إرادتك وعزيمتك، وقوتك وإيمانك…وعوضك عنها كسلا وتراخيا، وترددا وتفانيا.

إنه المرض الذي ترتضيه لنفسك ، والداء الذي تمكن منه دخيلتك، وفي كل ذلك مخالفة وإعراض عن أمر الله ورسوله، ألم يقل الرسول: «المؤمن القوي خير أحب إلى الله من المؤمن الضعيف..» والقوة في الإيمان أولا، عندما يعجز عجزك، تسعى بكل جهد إلى المبادرة وانتهاز الفرصة والاستعداد لكل أمر ذي بال ، فتكون قوي العزم على ذلك، قوي النية فيه مصحوبا بالإرادة والحزم، ومزودا بالإيمان والأمل، لا يجتمع، الإيمان والعجز في قلب المؤمن، لأن همة محفزة إلى العمل الصالح، ودعوة مفتوحة لإنجازه، ترى إذا استيقظت من نومك ليلا، هل تبادر إلى الذكر والدعاء؟ أم أنك تحرص على أن تستجلب النوم مرة أخرى؟ ولو أنك اقتديت بهدي الرسول الأكرم الذي قال: «من تعار بالليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن قال : اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له  فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» (النهاية في غريب الحديث 3/ 204)، كنت من الذاكرين لله قياما وقعودا وعلى جنوبهم.

لو أنك مرضت أو اشتكيت ألا تسارع إلى الطبيب والدواء، إنك لن تعجز، ولكن إذا سمعت الآذان: فهل تبادر إلى الصف الأول؟ أم أنك تختلق عذرا لعجزك عن ذلك؟ فتتباطأ وتتراخى وتتمطى وتتأوه وتخفي رأسك في الغطاء كما لو أنك لا تسمع النداء …

إن العجز موت بطيء، يقتل كل ما هو مشرق فيك، وكل ما هو حي في جناباتك ويقنعك بالخمول، ويذبل فيك روح الهمة، فإذا كان للمعاصي أصل فمنها العجز «لا تعجز»، ومثلها: «لا تكذب»، و «لا تغضب» ، و «لا تحقرن شيئا من المعروف» كلمات نبوية مشرقة تفيض خيرا وجمالا، وصدقا وعدلا، كلمات تقودك إلى الأسوة الحسنة. وتدفع بك إلى كل مكرمة، وتأخذ بيدك إلى كل فضيلة .

إن العجز هو الداء الذي لا يفطن إليه كل طبيب، ولا يعرف له الصيدلي دواء، فتعاني منه ما تعاني، ومثله الوهن، فإذا استطبت العجز، فلا تعجب إن قل صبرك، وضاق صدرك. فتحرم أطاييب الحياة، إنه الداء الذي يأتي على الطيب من مقومات وجودك، فتتمكن منك الغفلة ويستحوذ عليك النسيان، فتحرم مما ترغب فيه، ويذيقك العجز البأس الذي يصرفك عن كل لذائذ العيش ومتع الحياة، فيقعد بك عن المكارم ويسد في وجهك باب الفضائل، إنك عاجز وعجزك صار جزءا منك. فيتسلل إلى أعماقك وتمتد عروقه إلى معرفتك، فلا أنت تنميها ولا أنت محافظ عليها، وعلى فهمك لها، إنه العجز الذي ركبك بإغرائه، يأكل من عملك وطموحك كما يأكل من عبادتك وإيمانك. فتبدو خاوي الوفاض من كل خير ونبل، وقد انفض الناس من حولك، لأنك لا تصلح لهم، ولا ينتفع بك في معروف، ولا توصل إلى رفعة، ولا تتوسط في خير.

أبعد هذا تعجز….؟ انظر كيف يحاول الصبي أن يقف بدل الحبو، إنه يمارس محاولته عشرات المرات حتى يستقيم له المشي ، وهو حين يتحقق من ذلك ، يكاد يعانق الدنيا فرحا بمشيته المتعثرة ، عندما قال الرسول  «… ولا تعجز…»  وضع يده على داء جد في محاربته، وقلما يتفطن له الناس وهم يماطلون ويترددون ويتهاونون ويتراخون وغيرها من الألفاظ الموحية بالعجز.

والعجز ثالث كلمة استعاذ منها الرسول  في دعائه  المأثور: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل …» ( صحيح البخاري: كتاب التهجد: باب فضل من تعار بالليل)، لقد أتبع العجز بالكسل لأنه نتيجة حتمية له إن لم يكن مقدمة له …ولذا قرن بينها الرسول…إنه طبيب النفوس والقلوب فجاءت «لا تعجز» في الحديث قبل الخاتمة، وكأن النبي  ينبهك ويرشدك إلى أن عجزك سيضيع عليك ما سبق ذكره من الخصال الحميدة وسيفوت عليك الاتصاف بكل ما يحتاج إلى شجاعة وإقدام، واقتحام وجرأة، فلن تكون حبيبا إلى  الله ولا إلى رسوله إذا كنت عاجزا، ولن تكون قوي الإيمان إذا لم تستوطن مقام الإحسان .

لا تعجز، دعوة مفتوحة لتجنب العطالة ومحالفة الراحة وخمول الهمة وموت الذكر.

لا تعجز، معناها استعن بإيمانك على مواجهة عجزك ، وبعبادتك على تجاوز ضعفك، ولتكن ثقتك في قدرتك .

لا تعجز، وأنت تسمع الشوق الدفين في الصوت الرخيم: الصلاة خير من النوم.

لا تعجز، فعدم عجزك هو الفعل المحمود، والحضور المنشود ووسيلة كل مرغوب ودليل الحرص على كل مطلوب.

د: محمد علوي بنصر

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>