إلى أن نلتقي – بالأحضان يا شهر الغفران


بالأحضان نستقبلك يا شهر رمضان، ففي أيامك الغراء تتنزل الرحمات، وتصفد الشياطين، وتعمر بيوت الله، وتغلق محلات الشر، ويعود الناس إلى ربهم أفواجا، راجين الرحمة والرضوان والغفران والقبول.

بالأحضان نستقبلك يا شهر الغفران، ففي أيامك الزكية، يترجى الناس مزيدا من الأجور، بالصيام في النهار والقيام في الليل، ويترقبون ليلة هي خير من ألف شهر، ويبتهلون إلى الله أن يوفقهم إلى إحيائها على أكمل وجه، حتى تُقبل الأعمال، وتُغفر الذنوب، وتُتنزل الرحمات، من رب غفور رحيم، غافر الذنب وقابل التَّوْب.

بالأحضان نستقبلك يا شهر القرآن، ففي أيامك النقية نعود إلى كتاب ربنا، فنقرأه آناء الليل وأطراف النهار، وتلهج به في لياليه حناجر أئمة المساجد في بيوت الله، وألسنة التائبين الآيبين العائدين إلى الله قياما وتهجدا، يرجون رحمته وغفرانه، ويخافون عذابه، ويدعونه رغبا ورهبا بأن يتقبل الله منهم، وأن يتدارك الأمة بألطافه الخفية.

بالأحضان نستقبلك يا شهر التربية على التقوى، ففي أيامك الطاهرة  يتدرب الإنسان على تقوى الله تعالى وطاعته، فيكبح جماح شهواته التي هي أكبر دافع على تعدى حدود الله، استجابة لما ورد في آيات الصيام من الذكر الحكيم، التي ربطت بين الصيام والتقوى بدْءًا وختْما.

بالأحضان نستقبلك يا شهر ترويض النفوس والأجسام، ففي أيامك الزاهية، يتربى الناس على صرف حواسهم عن اللغو والفحش، وأجسامهم عن الحرام وشبهاته، وكلهم أمل في أن يكون ذلك شأنهم في باقي الأيام، حتى يؤدي صومهم دوره في تربية النفوس وترويضها على طاعة الله .

بالأحضان نستقبلك يا شهر تهذيب الوجدان، فبِبَركات أيامك الغالية، يَشعُرُ المسلمون، ويُشْعِرون غيرهم، بِسُموِّ الإيمان، وتهذيب الوجدان، والعطف على الجائع من الفقراء والمساكين. كيف لا وقد جرَّب الصيامَ أناسٌ وجماعاتٌ من هنا وهناك –ليسوا مسلمين- فشعروا بحلاوة الإيمان وسمو الإسلام، وفضائل الصيام، فدعوا غيرهم إلى صيامه لما فيه من تعويد النفس والبدن على خصال تربوية واجتماعية، وحتى اقتصادية.

بالأحضان نستقبلك يا شهر طهارة الأبدان، ففي أيامك العطرة نصوم ابتغاء مرضات الله وطلبا لمغفرته، رغم أن معظمنا يريد أن يصوم دون أن يشعر بالجوع؛ فبطوننا وثلاجاتنا وأسواقنا وشوارعنا –وحتى مزابلنا أعزكم الله- تمتلئ على غير العادة بكل ما يدل على زيادة الاستهلاك، وكأن الشهرَ شهرُ الحفلات، وما لذَّ من الأكلات، وليس الشهر الذي يكون فيه “خلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْك”.

بالأحضان نستقبلك يا شهر الرحمات، ففي ظلالك الوارفة يتذكر المسلمون أنهم أمة واحدة، وأن دينهم واحد، وأن إلَهَهُم واحد، وأن كتابهم واحد، وأن قِبلتهم واحدة، حتى وإن اختلفت مطالع الأهلة، وتعددت الشعارات، فروح الإيمان بالله تتَّقد في قلب كل مؤمن، ويتذكر أنه جزء من هذه الأمة، التي جعلها الله وسطا بين الأمم، وشاهِدة عليها، فيدعون الله تعالى أن يُبْرِم لهذه  الأمة أمرَ رُشد، يبتعد فيه أبناؤها عن النزاعات والخصومات، وينبذون فيه الطائفيةَ والتطرف والغُلوَّ.

بالأحضان نستقبلك يا شهر التوبة، فبقدومك الميمون تلوح تباشير الأمل، أمام ما تبقى من هذه الأمة من ضمائر حية، في أن يحييها الله من جديد، فتعود إلى ربها، لتصبح من جديد أمة واحدة موحدة، يكون فيها المؤمنون في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم، كالجسد الواحد، إِذا اشتكى منه عضو، تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمّى.

بالأحضان نستقبلك يا شهر التذكير بما علينا من واجبات، فنحن نعيش في زمن كثُر فيه الحديث عن الحقوق وساد، وانعدم فيه التذكير بالواجبات؛ نصوم أيامك الغراء، ونحاول أن نحيي لياليك بالقيام وقراء ة القرآن، لكننا، أو بعضنا، يتعلل بصيامه فينسى ما عليه من واجبات، فيترك عمله أو يتهاون فيه، فكم من إدارة هي شبه أطلال، وكم من كرسي ليس عليه إلا سترة، وكم من مكتب ليس عليه إلا جريدة، يقول كل واحد منهما: لقد مرَّ من هنا.

بالأحضان نستقبلك يا شهر السلام والإخاء والمحبة، فنحن ندعو الله تعالى في سائر أيامك الزاهية، وفي سائر الأيام، أن ينعم الله علينا بالسلامة والسلام، والأمن في الأوطان، في وقت كثر فيه المشردون واللاجئون خارج أوطانهم وحتى في أوطانهم؛ ندعو الله بذلك، وكثير منا لا يدرك قيمة نعمَتَيْ الأمن من الخوف والشِّبع من الجوع.

فنسأل الله تعالى أن يتقبل منا صالح الأعمال، وألا يؤاخذنا بما فعلنا، وأن يسبغ علينا من نعمه ظاهرة وباطنة. إنه هو السميع المجيب.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *