مع كتاب الله – ومثل كلمة خبيثة


نواصل حديثنا في إطار (الأمثال في القرآن) مع مثل آخر هو مثل الكلمة الخبيثة. وقد ورد غير منفصل عن مثلِ الكلمة الطيبةالذي سبق أن نشر في هذه الجريدة الغراء، بل ورد في مقابله استنادا إلى أن الأشياء تتميَّز بأضدادها، وذلك قول الله : وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الَارْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ يُثَـبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الَآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (إبراهيم: 26 – 27). ولذلك فما قلناه عن روعة التشبيه التمثيلي في الآية الأولى المتضمنة لـ مثل الكلمة الطيبةوعن مكوناته وأجزائه، وفنية التصوير فيه، ودقة التعبير وجزالة المعاني؛ يثبت هنا في هذا المثل بإبدال الكلمة الطيبة بالكلمة الخبيثة وهما المشبَّه، والشجرة الطيبة بالشجرة الخبيثة وهما المشبَّه به، فالسياق واحد والنظم متقارب.

وليس المقصود بالكلمة -هنا أو هناك- ما تعنيه عند النحاة من أنها: اللفظةُ الدَّالةُ على معنًى مفرد بالوضع، ولكن المقصود بالكلمة هنا ما يأتلف كلاما -طويلا أو قصيرا- يعطي معنى معينا. قال ابن منظور: (وتقع على قصيدة بكمالها وخطبة بأسرها. يقال: قال الشاعر في كلمته أي في قصيدته)(1).
قال تعالى: وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (الكهف: 5).
وقال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (المؤمنون: 100).
واضح أن المقول في الآيتين ليس كلمة واحدة؛ وإنما هو كلام مؤلف من كلمات عبر عنها بـ (كلمة) على سبيل ما بيناه.
والخبيثة ضد الطيبة، قال ابن فارس: (الْخَاءُ وَالْبَاءُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الطَّيِّبِ)(2).
وقال ابن الأعرابي: “أصل الخبث في كلام العرب: المكروه؛ فإن كان من الكلام، فهو الشتم، وإن كان من المِلَلِ، فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، ومنه قيل لما يُرْمَى من مَنْفِيِّ الحديد وشوائبه غير الصالحة: الخبَث”(3).
والكلمة إنما تكون طيبة إذا طاب معناها وحسن؛ كقوله تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الزخرف: 28). ذهب أكثر المفسرين إلى أنها هي: قولُ لاَ إِله إِلاَّ الله. وإنما تكون خبيثة إذا خبث معناها؛ كقوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا (التوبة: 74).
– من دلالات الكلمة الخبيثة:
وإذا كانت “الكلمة الطيبة” تعني كلمة التوحيد كما قلنا: (لا إله إلا الله) فما معنى الكلمة الخبيثة؟
– قال أكثر المفسرين: إن “الكلمة الخبيثة” تعني (الكفر والشرك بالله) وما يتبع ذلك من تعاليم أهل الشرك وعقائدهم البالية الموسومة بالجحود والعصيان، والتمرد على الله تعالىوعلى رسله، والنكران والتمنع عن عبادته والخضوع له والكفرانِ.
– وقيل إن المراد بها: الكافر نفسه. ذلك بأن الكافر لا أصل له ولا ثبات: لا أصل له يعمل عليه، ولا اعتقاد لديه يطمئن له ويثبت عليه؛ فهو يعيش تخبطاً في الاعتقاد، وشدة ضيق في الصدر، كما أخبر بذلك المولى : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (الأَنعام: 125)، ويعيش كذلك بلبلة في التفكير، وقصرا في النظر، واعوجاجا في السلوك… زيادة عن الضر والخزي المترتب على ذلك في الدنيا، ولعذاب الآخرة أدهى وأمر، كما قال المولى جل جلاله: لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (المائدة: 33).
– كما يمكن أن تعنيَ كل قول أو كلام يتأذى منه الناس مثل: السباب، والشتيمة، والفحش والبذاءة والغيبة، والنميمة، والتنابز بالألقاب، وكل كلام يقصد به إيغار الصدور أو إحداث بلبلة أو فوضى أو ما أشبه.
وبعد هذا نتساءل عن المراد بالشجرة التي شبهت بها الكلمة الخبيثة وعن آثار هذه الأخيرة وأضرارها على الفرد والمجتمع؟.
– من دلالات ومعاني “الشجرة الخبيثة”:
قال الطبري: (اختلف أهل التأويـل فـيها أيّ شجرة هي؟ فقال أكثرهم: هي الـحنظل)(4). ورَوَى ذلك عن أنس بنِ مالك ومـجاهدٍ وغيرِهما.
وثمرة الحنظل -كما ورد في عدد من المعاجم-: اسمها الحُدْج؛ واحدته حُدجة؛ كما واحدة الحنظل حنظلة، وهو كله مر. وله اسم آخر مرادف له وهو (العلقم)، ولكن الاسم الغالب هو الحنظل، وشاع عند بعض العامة بالطاء المهملة؛ فيسمونه (الحنطل)، وقد يطلقونه على كل شيء فيه مرارة شديدة.
من صفات الكلمة الخبيثة وآثارها:
وإذا كانت الكلمة الطيِّبةُ كشجرة طيِّبة، فإن الكلمة الخبيثة كشجرة خبيثةٍ استولت المرارة على جميع أجزائها، وعلى ما تولد ونتج منها: فمذاقها مر، وثمرتها مرة، وأوراقها مرة، وعروقها مرة، وأغصانها مرة أيضاً، وريحها خبيث… وأصلها غير ثابت، ولا قدرة لها على الوقوف في وجه الرياح، بل تتلاعب بها وتقذفها في كل اتجاه، وقد تجتث أصلها الضعيف الذي يربطها بالغذاء والماء في التربة، وليس فيها شيء يصلح إلا حطبا للنار، وبذلك تتعرض للموت والزوال في زمن قياسي يسير… فكذلك الكلمة الخبيثة هذا شأنها فإن كانت اعتقادا فلا أجرم منها ولا أفحش ولا أظلم كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان: 13). وإن كانت قولا؛ فهي كلمةٌ مرةٌ على الأسماع، جارحةٌ للقلوب، ثقيلة على النفوس، ضارةٌ غير نافعة، تضر قائلها، وتضر سامعها المقصود بها، ولا يسلم من شظاياها حتى السامع لها عرضاً بما تتركه في نفسه من أثر عميق واستياء بليغ، إنها كلمة سوء لا حسن فيها، وكلمة شؤم لا بِشْر فيها، وكلمة سُمٍّ يسري داؤها.
إلا أنها -وبالرغم مما يمكن أن تحدثه من جعجعة، أو تتركه من آثار سيئة على نفوس الناس أفرادا وجماعات- فإن نفسها قصير، وقوتها آيلة إلى ضعف، وأمرها صائر إلى زوال؛ إذ لا قدرة لها على الوقوف في وجه الحق؛ لأنها كلمة باطلة أو أريد بها باطل، سرعان ما تضمحل بالحجج الداحضة، وسرعان ما تزهق بالبراهين القاطعة؛ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، وسرعان ما تتغلب عليها الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت في أعماق النفوس المؤمنة بالله تعالى المطمئنة، منغرس في القلوب الطيبة للمؤمنين؛ مما يضمن لها الرسوخ والاستمرار بالتغذي بغذائهم الروحي وزادهم الإيماني ورصيدهم الأخلاقي، والكلمة الخبيثة ليس لها ذلك، فهي مشتتة الأواصر، مقطوعة الأوصال… لا تثبت في موقع ولا تقر في مكان؛ إلا في الأفئدة الصلدة، والصدورِ المظلمة، والنفوس النحسة التي تتغذى على الشر والفتن والباطل، قال تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (الأَعراف: 58).
ولذلك فما مآلها إلا ما قاله الله تعالى في الشجرة الخبيثة المشبهة بها: اجتثت من فوق الأرض حيث لا يصلح لها إلا ذلك إراحة للبلاد وإهناء للعباد من شرها المستطير ودخنها الكثير. قال البقاعي: (ولما كان من أنفع الأمور إعدامها والراحة من وجودها على أيّ حالة كانت، بنى للمفعول قوله: اجتثت أي استؤصلت بقلع جثتها من أصلها […] لأنه لا نفع لها بل وجودها ضار ولو بشغل الأرض، فكذلك الكلمة الخبيثة الباطلة لا بقاء لها أصلاً وإن علت وقتاً؛ لأن حجتها داحضة فجنودها منهزمة)(5).
الكلمة الخبيثة قنابل موقوتةٌ تهدد سلم المجتمع وسكونه، وحياة الإنسان وهناءه؛ وذلك بما تزرعه من بذور الشقاق والشتات، وبما تسببه من قطع أواصر الأخوة الأسرية والإيمانية، وبما تنتجه وتثيره من سجالات وردود….؛ فتتحول بسببها الحياة إلى جحيم تسعر نارها، ويكتوي الكبير والصغير بلظاها، ويتأثر القريب والبعيد بها؛ حتى ليوشكُ أن يعم البغض والحقد القلوب، ويكتنفَ الفساد والظلام النفوس، وتنهارَ بذلك أواصر المحبة، وتتداعى مقوِّمات الألفة، ويصبحَ السلم والأمن الاجتماعيان هشيما تذروهما رياح هذه الكلمة الخبيثة ويحرقهما سَمُومها الحارق ويقتلهما سمها الخارق.
فاللهم عاف وسلم، وسدد قولنا وقوم، وروض ألسنتنا على طيب النطق وعذب الكلم، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

د. خالد العمراني
————-
1 – لسان العرب لا بن منظور/ كلم
2 – مقاييس اللغة لابن فارس/ خبث
3 – لسان العرب لا بن منظور/خبث
4 – جامع البيان للطبري بمناسبة الاية.
5 – نظم الدرر في تناسب الآيات والسور لإبراهيم برهان الدين البقاعي (ت 885هـ).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *