4 – ذكرى مولد النور، هل نحن في مستوى التوقير؟


ظيفة الذكريات في حياة أمة من الأمم، هي بالدرجة الأولى ترسيخ القيم التي تتضمنها الذكريات في وجدان أفرادها، بما يحفظ لحمتهم ويذكي وعيهم تجاه ما توحي به من معاني ومسؤوليات. وتعظم الذكريات ويعلو قدرها وتزكو ثمارها بقدر وثوق ارتباطها بالقيم العليا والحقائق الأصيلة الضاربة في عمق هذا الوجود. ولن يجادل عاقل في أن الأمة المسلمة هي أوفر الأمم من حيث ما يمتلكه عقلها الجماعي من ذكريات عميقة الغور غنية الدلالة، قادرة بمخزونها ومكنوناتها على تحريك الوجدان، وإعادة تشكيل شخصيات الأفراد وشخصية الأمة على السواء.

وإن من أعظم ذكريات الأمة المسلمة التي من شأنها أن تمثل عامل دفع وحافزا قويا لإعادة السؤال حول طبيعة الذات وموقعها في خريطة الحياة، ومدى صلاحيتها للاستمرار في الوجود، وامتلاكها لما يؤطر تلك الصلاحية على مستوى المبادئ والرسالة، ذكرى مولد النور، خير الأنام وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وإنه لمن الأكيد أن عظمة هذه الذكرى نابعة مما يمثله صاحب الذكرى  من سمو كبير، وتجسيد لمعاني الهداية والحق والخير والجمال في أجلى صورها وأكمل تعابيرها، تلك التي صيغت من مادتها وعناصرها خير أمة أخرجت للناس.

والسؤال الوجيه الذي يجدر بنا أن نثيره ونحن نحتفل بذكرى ميلاد رسول الله  هو:

إلى أي حد يرتفع هذا الاحتفال إلى مستوى التوقير الذي يلزمنا تجاه شخصه ؟

إن قرائن الأحوال تجيب بالنفي القاطع على هذا السؤال، لأن جوهر الاحتفال وحقيقته يكمنان في سلامة التأسي وخلوص الاتباع الذي يأخذ بعين الاعتبار والتمثل والتطبيق قول الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النور: 63)، وقوله : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»، فالواقع المرير يسجل بكل أسف شديد وجود فجوة واسعة وهوة عميقة بين مجريات حياتنا وبين ما جاء به الرسول  من هدى ونور، وأوضح دليل على ذلك هو ما يصيبنا من فتنة وينالنا من عذاب على كل الأصعدة والمستويات، فلا مجال من مجالات حياتنا يسلم من ذلك، فالكل يجأر بالشكوى، ويئن من كثرة الجراح والآلام، يستوي في ذلك الأغنياء والفقراء، والسفهاء والكبراء، والضعفاء والأقوياء، ولسنا نبالغ البتة إذا قلنا بأن الفرح الحقيقي قد جفا ساحتنا وغادر حوزتنا، ولم نعد نملك إلا مشاعر باهتة وأحاسيس سطحية تجاه الحياة والوجود، تترجم انبتاتنا عن الأصول وانفكاكنا عن الجذور، وتعرض صورتنا للعالم في إطار من الكآبة والبؤس والانحدار، والضعة والتفكك والانهيار الذي يستدعي الاستخفاف والاستهانة والاحتقار، ويثير في أشرار الأرض ووحوشه شهوة الافتراس والابتلاع.

إن كل هذه المظاهر جميعا تدل على ما يعاكس التوقير الواجب لرسول الله ، إذ لا توقير خارج نطاق طاعته عليه الصلاة والسلام، فيما أمر به ونهى عنه، ومن ثم تمثل مكارم الأخلاق التي ابتعث من أجلها، ورفع صرح المجتمع الشامخ الذي يتحصن بحصن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالإيمان بالله، مصداقا لقول الله : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه (آل عمران: 110). فالخذلان كل الخذلان يجري ارتكابه الآن في حياة الأمة المنتسبة للإسلام، تجاه رسول الله ، بتجسيد صفات الضعف والهوان أمام قوى الاستكبار والفرعنة التي تزهو بانتصارها على أشتات يزعم لها أنها تمثل أمة الإسلام وما هي بذلك على وجه الحقيقة.

إننا في حاجة ماسة إلى حملة واسعة النطاق، تنطلق فيها الأمة المسلمة شرقا وغربا في عملية صادقة، تصحح فيها ولاءها لله ورسوله، تحت عنوان عريض وصريح: لنوقر رسول الله، استجابة لقول الله : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الفتح: 8-9)، فهل ترتقي الأمة إلى ذلك المقام؟

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *