قبسات فكرية – 1-مؤتمر البيئة العالمي والفرصة الضائعة  


أن تتداعى شعوب العالم عبر هيئاتها الرسمية ومنظماتها وجمعيات المجتمع المدني فيها للاجتماع الدوري والتداول في قضية البيئة عموما والتغيرات المناخية خصوصا، والتي تتجه قدما في اتجاه التفاقم وتضييق الخناق على الإنسانية جمعاء في تنفسها ومعاشها، بل وحتى التهديد الرهيب لوجود هذه الإنسانية بالتلاشي والعدم، فذلك مظهر من مظاهر الوعي الصحيح -الناتج عن استشعار الخطر الفعلي- بضرورة النهوض الجماعي الحازم، والتصدي الجدي الجازم، لهذه الظاهرة اللاطبيعية التي تتربص بحياة البشرية جمعاء، في غير ما تميز بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، وبين الجناة والأبرياء، مصداقا لقول الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً(الأنفال: 25).

غير أن السؤال الملح الذي يفرض نفسه في هذا المقام، هو عن سلامة السير الذي تسلكه هذه المؤتمرات كنموذج للجهود الجماعية التي يبذلها المجتمع الدولي، ونجاعة المنهج الذي تعالج من خلاله المشاكل المطروحة، وشمولية الحلول المقترحة لها، وكذا نجاعة وفعالية وصرامة الآليات المتخذة لتنفيذ تلك الحلول، على أساس من التواضع والتعاون والعدل بين سائر الدول والشعوب التي تكتوي كلها بنيران المعضلات البيئية المتفاقمة. ومن العدل أن يسبق التساؤل عن هذه العناصر جمعاء الحرص على تحديد نصيب كل دولة أوجهة في صنع المشكلة، ليكون ذلك أساسا لتحمل المسؤولية، وأداء الثمن المتناسب وذلك النصيب، في الإفساد والتخريب، بغض النظر عن تلقائية ذلك الإفساد أو قصديته.

والحقيقة المرة، أن قرائن الواقع تجيب بالسلب عن هذه التساؤلات الممضة الحائرة، وتعكس اختلالا منهجيا مريعا في تناول المشكل ومعالجته، وظلما فظيعا في اقتسام المسؤولية عن حله ومواجهته.

فأما الاختلال المنهجي فيتمثل في الرؤية الفكرية المبتورة التي تنظر من خلالها المؤتمرات إلى مشكلة الاحتباس الحراري المؤرق، بشكل خاص، ومشكل البيئة بشكل عام، ذلك بأن أن هذه الرؤية تظل رهينة البعد المادي الدنيوي الصرف، الذي يغوص في حيثيات الوجود الترابي الحسي للإنسان، ولا يستحضر إطلاقا البعد الروحي الشرعي الذي يسمو بالإنسان، ويمثل أقوى الدعائم في أي صيغة من صيغ الحلول التي تقترح لما يتربص بالإنسانية من غوائل وأخطار.

وأما الظلم الفظيع فيتمثل في تملص قوى الاستكبار العالمي من تحملها للمسؤولية بشكل جاد وكامل في معالجة المشكلة، والتعامل بأسلوب الغطرسة واللامبالاة مع الشعوب والدول الضعيفة، إلى درجة أن أكبر الدول إمعانا في تلويث البيئة وإفسادها، بحكم ما بلغته في عالم التصنيع، كانت تمتنع إلى عهد قريب عن التوقيع على الاتفاقيات القاضية بالتزام كل دولة بنصيبها من التخفيض من نسبة الغازات المنبعثة في جو السماء.

إن هناك شرطا أساسيا لازما، بل أقول ركنا راسخا وحتميا ينبغي أن تحتوي عليه أي رؤية فكرية تتبناها المؤتمرات العالمية لحل مشاكل البشرية جمعاء بما فيها مشكلة التغيرات المناخية المهددة بمحق الحياة على وجه الأرض، أو تعكير صفوها في أحسن تقدير، وجعلها وعاء للأوبئة والأمراض، ومصدرا للقلق واللاأمن على المستويات كافة.

إنه ركن العقيدة والدين الذي يمثل الإسلام صيغته الصحيحة وكلمته الخاتمة للإنسانية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والذي بدونه ستظل تسير سيرة عرجاء عمياء، لأن الإسلام هو الذي يمثل الهدى والنور والشفاء، مصداقا لقول الله : قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(المائدة: 15).

فما ظن الغافلين بدين يملك تصورا مبهرا للكون: أرضه وسمائه، أجرامه وأفلاكه، ويعتبر الإنسان جزءا من هذه الأرض، يستبطن ما تستبطنه من عناصر ومعادن، بمقادير موزونة إذا اختلت اختل وضع الإنسان، وتعرض كيانه للاهتزاز والاعتلال؟

ما ظنك بدين يمتن منزله على حبيبه وخاتم رسله سيدنا محمد ، يمتن على الإنسان بما حباه إياه من مقومات الحياة على هذه الأرض، والتي ينبغي أن يحافظ عليها ويرعاها حق رعايتها، إذا أراد أن يعيش حياة هانئة راضية؟ وينهاه سبحانه وتعالى عن إفساد تلك الأرض بعد إصلاحها، بقوله عز من قائل: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(الأعراف: 56). يقول جل جلاله: أَلَمْ نَجْعَلِ الاَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمُ أَزْوَاجًا وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ اَلْفَافًا(النبأ: 6 – 16).

إن من يستقرئ مادة الأرض في القرآن الكريم يقف على رؤية الإسلام العظيمة والكاملة للأرض، ورؤيته لمنهج حفظها وحمايتها، وإنه لمن الأكيد أن أحد مظاهر رجوع البشرية لرشدها يكمن ولا شك في ترسم التظاهرات العالمية والمؤتمرات الدولية الباحثة في حل معضلات الإنسان، لتلك الرؤية الشافية الكافية. وإنها لفرصة ضائعة حقا أن تنعقد تلك المؤتمرات في ظل غيابها والتنكر لقيمها وتعاليمها. وصدق الله العظيم القائل: ‏‏وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنَ اَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً(‏‏‏‏النساء‏: ‏125‏).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *