العلاقة بين قواعد السياسة الشرعية وقواعد مقاصد الشريعة


لكل علم قواعده التي تجعل منه علما قائما بذاته، ومعلوم أن لقواعد العلوم خصائص ذاتية تميز بعضها عن بعض، والناظر بعمق في قواعد العلوم يلاحظ وجود عناصر مشتركة بين بعضها البعض، ولا يمكن اعتبار هذا الملحظ قادحا في كونها علوما متكاملة، خصوصا عندما نتمسك بمقولة: إن العلوم الإسلامية متحدة المصدر وإن اختلفت مناهجها ونتائجها.

ويعتبر علم السياسة الشرعية واحدا من العلوم الإسلامية القديمة النشأة، والتي تربطها بغيرها من العلوم روابط مشتركة من أهمها ما يرجع إلى قواعدها، خصوصا مع علاقتها بمقاصد الشريعة، وإذا كان كذلك فإليك أيها القارئ بعض القواعد المشتركة بين السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة، من ذلك:

أ – قاعدة الأمور بمقاصدها:

هذه القاعدة وإن كانت فقهية في التصنيف والتأليف، إلا أن حقيقتها الذاتية تصنفها على أنها قاعدة مقاصدية امتدت فروعها وتطبيقاتها في معظم العلوم، خصوصا علم القواعد الفقهية وعلم الفقه وعلم السياسة الشرعية، ذلك أننا نجدها على لسان المشتغلين بالسياسة الشرعية عند تناولهم للنوازل في شأن الإمارة وتدبير شؤون الرعية، كما أن الولاية لا تطلب رغبة في الرئاسة والجاه، إنما تطلب لإصلاح أوضاع الرعية المرتبطة بدنياهم وأخراهم، وهو مقصد يقرب صاحبه إلى ربه.

ب – قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح:

هي في الأصل قاعدة مقاصدية تحدث عنها الشاطبي في الموافقات، وقد وجدت في ثنايا بحوث فقهاء السياسة، حيث يعتمدون عليها وعلى غيرها من قواعد المقاصد في مختلف الترجيحات في شأن قضايا تدبير شؤون الرعية، وفي هذا السياق يقول ابن تيمية: “وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتبطيل المفاسد وتقليلها؛ فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناها هو المشروع”.

ج – قاعدة سد ذرائع الفساد:

وهي أصل من أصول الاستدلال عند فقهاء المالكية، وقاعدة من قواعد المقاصد، ولم يكن لفقهاء السياسة إلا العمل على مقتضاها في موازنات مصالح الرعية وحمايتها، فإن ولي أمر الأمة إذا رأى الناس أقبلوا على شيء مباح يمكن أن يفضي إلى إفسادها فسادا كليا أو جزئيا راجحا، فيجب عليه مراعاة مبدأ درء المفاسد وسد أبوابه بأن يمنع الناس من تعاطيه.

ومن هنا يظهر جليا أن السياسة الشرعية تنبني أساسا على قواعد التشريع المتمثلة في طرق الاستنباط وإعمال مقاصد الشريعة، فالسياسة الشرعية إذن جزء من الفقه الإسلامي، فهما متحدان في المنهج مختلفان في النتائج، وإنما كان البحث في السياسة الشرعية يأخذ طابعا مقاصديا أكثر نظرا لتجدد الوقائع والنوازل السياسية واختلاف طبائع الرعية على تعاقب الأزمان واختلاف الأمكنة والبلدان.

ذ.صهيب مصباح

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *