التعليم بين الواقع والمأمول


يجمع المتتبّعون للشّأن التّعليمي في بلادنا على تأزم النّظام التّعليمي وتراجعه سنة بعد سنة، وهذا ما يشهده الواقع وتعبر عنه كل الاحصائيات سواء الوطنية أو الدّولية، ناهيك عن  المشاكل التي تتخبط فيها الجهات المسؤولة عنه منذ أمد بعيد، ولم ترس السفينة بعد.

لا شك أنّ أي عاقل، يجزم أن التعليم هو رافعة استراتيجية لنهضة كل بلد، فالدول التي عرفت قفزة حضارية، انطلقت من إصلاح تعليمها أوّلا، وأولت كل ما يتعلق به العناية الكافية، واعتبرته خطا أحمر.

إن المتتبّع لتاريخ “كرونولوجيا” الإصلاحات في مجال التربية والتعليم، يكاد يجزم أن العيب ليس في المشاريع  أو البرامج أو غير ذلك من التدابير، ولكن القصور في القدرة على التنزيل والمتابعة والمواكبة من بدايتها إلى نهايتها، وفي استصلاح الأرضية التي يتم عليها الإصلاح، وتهيئة الظروف المناسبة وتنخيل هذه المشاريع حتى تتلاءم مع هويتنا وقيمنا النبيلة من جهة، والاستفادة من كل الانتاجات العالمية دون الذوبان أو السقوط في فخاخ الآخر والسير في ركبه دون تفكير، أو تقدير للعواقب من جهة أخرى. وفي هذا الاتجاه أعجبني كلام للدكتور محمد إقبال رحمه الله في معرض حديثه عن دراسته في الغرب: “التقطت الحبّ دون أن أقع في الفخ”. وهذا ينسجم مع تقديره للتربية والتعليم وإدراك خطورته، وكونه غير قابل للّف والدوران، خصوصا أننا أمّة “اقرأ”، فهي مفتاح كل شيء والسبيل إلى أي تقدم، شرط أن تكون قراءة قاصدة، تركّز على بناء الإنسان بشموليته روحا وعقلا وجسدا، وإعداده للمساهمة في تقدّم بلده أولا وفي البناء الحضاري للأمة ثانيا. وإنّ أيّ تفريط أو إفراط من شأنه أن يعصف به وبالمجتمع كله.

لا يخفى علينا أن ثقافة المشاريع المستعجلة والإصلاحات العابرة لا يمكنها أن تجدي في غياب أسس متينة وتصور واضح لهذا المجال، يستوعبه الجميع، وينخرط فيه بقوة الإرادة والإيمان.

إن تدهور التعليم في بلادنا يرجع إلى ما يلي:

– جلّ الإصلاحات التي مرت تركز على الوسائل والأشكال أكثر من المقاصد والغايات، وتأتي بالشكل والمبنى وتغفل أو تتغافل الجوهر والمعنى.

– عملية استيراد المناهج ومحاولة تطبيقها دون تبيئتها برهنت على فشلها كل مرة. ورغم ذلك ما زلنا نكرّر هذه الأخطاء، ولا يفهم من هذا إلاّ الولع بتقليد الآخر حتى وإن لم تدع الضرورة، وهذا لا أعني به العزوف عما للآخر، فالحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها، ولكن ما أقصده هو حسن التنزيل ومراعاة الخصوصيات الذاتية والحضارية للأمة.

– عدم تسويق المشاريع الإصلاحية تسويقا جيدا باعتبار التربية والتعليم مشروع أمة يهم الجميع، ويتم التعامل معها ببرودة وفتور، تبدأ من أعلى الهرم حتى تصل أسفله.

– أزمة تدبير إداري على مختلف المستويات تتبدد معه الجهود وتضيع معه الأموال وتستنزف الطاقات.

– أزمة إنسان تتمثل في عدم أخذ المسؤولية بجد والأمانة بقوة، وتبلد حس الانتماء إلى مؤسسات التغيير، وهذا لا يعني أنه ليس هناك منخرطون في أوراش الإصلاح بجد، فالواقع يشهد على وجود مخلصين يصلون النهار بالليل ولا يألون جهدا في سبيل الرقي بهذا البلد.

– إعطاء قيمة كبيرة للمدرسة الخصوصية على حساب المدرسة العمومية، ولد نوعا من اللامبالاة عند الناس بها، ما دام هناك منفذ وهو المدرسة الخصوصية، ولا نستغرب أن الفئات الفقيرة في المجتمع أصبحت تسجل أبناءها بالمدرسة الخصوصية، وتحاول جاهدة أن توفر المصاريف المتعلقة بذلك. في حين نجد بلدانا أخرى تولي المدرسة العمومية اهتماما مصيريا، أما المدرسة الخصوصية فتبقى استثناء.

– ظاهرة الساعات الإضافية التي أتعبت الجيوب وفرضت على الآباء والأمهات رغم أنوفهم. والذي ساهم في اتساعها إكراهات المدرسة الخصوصية التي تحتم على الأساتذة مداخيل أخرى لتدريس أبنائهم فيها.

– آفة النخبوية وتكريس ثقافة الفئوية وتوريث النفوذ والمستوى الاجتماعي والثقافي، أدى إلى تسجيل أبناء هذه الطبقة في مدارس ومعاهد كبرى، وحتى لا نغرد خارج السرب، فأغلب هذه الفئات هي التي تمسك بزمام الأمور في البلد، وبالتالي هي لا تستشعر جيدا مرارة معاناة الفئات الأخرى -مع وجود الاستثناء طبعا-.

– بالإضافة إلى ظروف العمل المادية والمعنوية التي تساهم بقدر كبير في تأزم الوضع.

وأمام هذه الحقائق، لابد أن يتعاون الجميع في سبيل النهوض بالتعليم ببلادنا حتى نؤسس لحضارة نسعد بها، وتسعد بها الأجيال القادمة باذلين كل ما في وسعنا ومبتعدين عن كل الخلافات والنزاعات، التي تهدم ولا تبني وتؤخر ولا تقدّم، فهذا القطاع لا يتحمل ذلك.

عبد الخالق العواد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *